كيف ساهم الفساد المالي في اندلاع الاحتجاجات بإيران؟ – إرم نيوز‬‎

كيف ساهم الفساد المالي في اندلاع الاحتجاجات بإيران؟

كيف ساهم الفساد المالي في اندلاع الاحتجاجات بإيران؟

المصدر: عُلا إسماعيل- إرم نيوز

لم تكن الأوضاع المعيشية الصعبة للإيرانيين وحدها دافعًا لاندلاع الاحتجاجات الأخيرة في البلاد؛ إذ ساهمت سلسلة طويلة من فشل المؤسسات المالية بسبب الفساد في السنوات الأخيرة في تأجيجها، كان آخرها أزمة بنك ”كاسبيان“ للتمويل والائتمان، الذي توقف عن دفع فائدة 25% على المدخرات ومنع سحب الودائع في مايو الماضي.

وذكر تقرير لصحيفة ”نيويورك تايمز“ الأمريكية أن عمليات الإغلاق ساهمت في تقويض حسابات آلاف الإيرانيين كما وضعت النظام المصرفي في خطر؛ ما أشعل الاحتجاجات المناهضة للحكومة في الآونة الأخيرة بمشاركة رجال الأعمال الذين تضرروا من الفساد في المصارف.

وحسب خبراء اقتصاديين، لم تكن سلسلة التعثرات التي شهدتها المؤسسات المالية الإيرانية مجرد نتيجة لممارسات مصرفية محفوفة بالمخاطر بل هي أيضًا نتيجة حالة من الفساد الإداري الرسمي المستشري في البلاد.

صلات وارتباطات 

ووفقًا للتقرير، سمحت السلطات الإيرانية للعديد من المؤسسات بما فيها المندمجة عام 2016 بإنشاء مصرف ”كاسبيان“، بالمقامرة بالودائع أو الاعتماد على ”مخططات بونزي“ الاحتيالية دون عقاب لسنوات، وذلك لامتلاك نخب سياسية ذات صلات بالحرس الثوري الإيراني لهذه المؤسسات أو لارتباطها بصناديق استثمارية شبه رسمية أخرى في الدولة الإيرانية.

وبمجرد شعور الإيرانيين بخسارة مدخراتهم وودائعهم خرجوا إلى الشوارع، لا سيما بعد سلسلة من التصريحات لمسؤوليين إيرانيين، ألقوا فيها باللوم على الضحايا لعدم توخي الحذر في أموالهم، مرددين هتافات ”لو كان الفساد في بلادنا أقل، فإن مشاكلنا ستحل“، في إشارة إلى الفساد المالي، إذ يُقدر اقتصاديون تأخير دفع البنوك الإيرانية لعائدات أكثر من 40% على القروض المودعة.

الفساد وراء الإخفاقات

ظل الفساد الكامن وراء إخفاقات البنوك الإيرانية سرًا لفترة طويلة، حتى نشر أحد المشرعين الإيرانيين يدعى محمود صدقي، في ديسمبر 2017، وثيقة تتضمن قائمة بأهم 20 مؤسسة مدينة (تدير حسابات للعملاء) لم يتمكنوا من الوفاء بالمواعيد النهائية لتسديد مدفوعات لبنك ”سرمية“ الذي يملكه صندوق للرواتب التقاعدية للمعلمين.

وبلغ مجموع القروض 1.9 بليون دولار، ويبدو أن جميع المؤسسات تخص أشخاصًا معروفين داخل المؤسسة الإيرانية الرسمية، ومن بين المتورطين رجل الأعمال والعضو السابق في الحرس الثوري الإيراني حسين هدايتي، الذي زادت أمواله بشكل زاد من التكهنات حول مصادر ثروته المفاجئة.

ووفقًا للوثيقة، فإن هدايتي يمتلك 285 مليون دولار، وقد اتهمه العضو الآخر في البرلمان محمد حسند، خلال برنامج تلفزيوني يناقش القرض، باستخدام سلسلة من الشركات الوهمية لتأجيل القروض وإخفاء دوره.

إلى ذلك، أوضح الخبير الاقتصادي الإيراني بيجان خاجبور أن السلطات الإيرانية حاولت اللجوء إلى خيار دمج المؤسسات المصرفية لمحاولة استيعاب الخسائر والتقليل منها بسبب المضاربة بالاستثمارات، إلا أن ذلك أدى إلى تفاقم مشكلة القروض والأصول المالية في أوجه النظام المصرفي الإيراني كافة.

ويقدر خاجبور خسارة مئات الآلاف من الأشخاص لأموالهم بسبب انهيار المؤسسات المالية، مشيرًا إلى شيوع مصطلح ”الخاسرون أملاكهم“ الدارج في البلاد لوصف حال الضحايا.

والشهرالماضي اقترح صندوق النقد الدولي ”إعادة هيكلة عاجلة وضخا متجددا لرأس المال“، مقترحًا ”تخفيض قيمة الأصول المغالى في قيمتها واتخاذ إجراءات صارمة بشأن القروض المقدمة من مسؤولين في الدولة“.

كما أشار الصندوق إلى تنامي المشكلة بشكل كبير لاسيما أن ”الأموال المطلوبة لدعم البنوك ستؤدي إلى زيادة الديون الحكومية“.

خامنئي يعترف 

وفي محاولة منه لاستيعاب الأزمة اعترف المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، في وقت لاحق، بالمسؤولية عن العدد المتزايد من ضحايا ”المؤسسات المالية المشكوك فيها“، مؤكدًا ضرورة ”التعامل مع مناشدات المودعين وأنه مسؤول بشكل شخصي عن التحري عن الأمر“.

وفي أعقاب الثورة الإيرانية عام 1979 أممت الحكومة الإيرانية الجديدة في البداية جميع البنوك وصناعات أخرى، كما أنشأت مجموعة متنوعة من الشركات القابضة شبه الرسمية التي سيطر عليها المرشد الأعلى وكبار رجال الدين (الملالي) أو كبار القادة العسكريين على مر السنين، حتى تحول العديد من هذه الشركات إلى تكتلات مترامية الأطراف تلعب أدوارًا رئيسة في الاقتصاد الخاص.

يأتي ذلك فيما تُشكل المؤسسات الدينية المعروفة باسم ”بونيادس“، والمساهمة في كثير من الأعمال التجارية نحو 15 إلى 20% من الاقتصاد الإيراني؛ إذ تخضع أكبر هذه المؤسسات لسيطرة المرشد الأعلى، فيما تسيطر النخب في فيلق الحرس الثوري على إمبراطورية تجارية منفصلة، وفقًا للخبير الاقتصادي في جامعة ”روتجرز“ هوشانغ أمير حمادي.

مزايا كبيرة

إلى ذلك تتمتع جميع الشركات القابضة شبه الرسمية بمزايا كبيرة عن الشركات الخاصة، فيما يتعلق بالحصول على التمويل والإعفاءات الضريبية والصلات السياسية على الرغم من توجيه اتهامات لمعظمهم أو جميعهم من اتهامات بعدم الكفاءة وسوء الإدارة فضلًا عن تورطهم في علاقات فساد ومحسوبية، وفقًا لما ذكرته الصحيفة الأمريكية.

في أواخر التسعينيات وأوائل القرن الـ21 اتخذ الإصلاحيون الحكوميون خطوات لتأسيس نظام مصرفي في البلاد، إذ سمحت في البداية للمؤسسات الدينية بإنشاء مدخرات وقروض تبدو خاضعة ظاهريًا للوائح مرنة لصالح الفقراء ثم تبع ذلك إنشاء المصارف الخاصة أو فتح الاكتتاب على الأسهم في المصارف الحكومية.

لم يبق الوضع على حاله؛ إذ استطاعت هيئات شبه رسمية يسيطر عليها رجال الدين والحرس الثوري أو حلفائهم في الهيمنة على القطاع المالي الخاص الجديد خلال رئاسة الرئيس المحافظ محمود أحمدي نجاد، الذي تولى السلطة العام 2005.

اتهامات متبادلة 

وكشفت دراسة أجريت عام 2013، امتلاك هيئات الدولة شبه الرسمية لـ7 من أصل 17 مصرفًا خاصًا، من بينهم اثنين على الأقل يسيطر عليهم الحرس الثوري فيما يدير الجيش والشرطة وبلدية طهران ومؤسسة دينية عملاقة قريبة من الحرس باقي البنوك علاوة على ذلك فإن المؤسسات المالية التي لا تسيطر عليها بشكل مباشر هذه الهيئات شبه الرسمية، يديرها أفراد مقربون في الأغلب من نفس النخب الحاكمة، ما يجعل من المستحيل فرض رقابة منظمة على البنوك.

ولا شك أن تحميل تضخم العائدات التي وعدت بها المصارف والمؤسسات المالية المودعين على رأس المال، ساهم في حدوث انكماش اقتصادي ناجم جزئيًا عن العقوبات الدولية المفروضة بسبب البرنامج النووي الإيراني، وربما هذا يفسر انعدام استفادة معظم قطاعات الاقتصاد الإيراني خارج صناعة النفط من إلغاء العقوبات بعد الاتفاق النووي مع الغرب.

ومع استمرار فشل المقرضين في سداد العائدات على المدخرات، على مدار السنوات القليلة الماضية، حاول بعض كبار المسؤولين الإيرانيين إلقاء اللوم على المقترضين، لاسيما أن العديد من المؤسسات لم يكن مرخصًا رسميًا أو مضمونًا من قبل البنك المركزي، حتى أن المتحدث باسم الحكومة محمد باقر قال ساخرًا: ”كم مرة تريدون أن تلدغوا من نفس الجحر“.

ولم تكن ردود فعل المسؤولين الإيرانيين وحدها التي أثارت غضب المودعين، بل ما عرفه الإيرانيون عبر التسريبات، في 2016، عن ارتفاع رواتب المديرين التنفيذيين في الشركات التي تديرها الدولة، بما في ذلك 50 ألف دولار مكافآت مدفوعة لـ8 مدراء لشركة تأمين مملوكة للدولة، في وقت لا يزيد راتب العامل الإيراني عن 200 دولار شهريًا.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com