عسكرة أمريكية في الغرب الأفريقي لمواجهة الزحف الصيني

عسكرة أمريكية في الغرب الأفريقي لمواجهة الزحف الصيني

المصدر: الأناضول

في غمرة التحذيرات من عودة المشهد الدولي إلى حالة الحرب الباردة، بين الولايات المتحدة من جهة والصين وروسيا من جهة أخرى، تتوالى مؤشرات ترجح أن تشكّل القارة الأفريقية رقعة أساسية للصراع، خصوصًا بين واشنطن وبكين.

وفي نسخة تحاكي أحداث النصف الثاني من القرن العشرين في أوروبا، تتوقع تقارير بأن يؤول التنافس المحموم على النفوذ بين الجانبين إلى استقطاب في القارة السمراء، ينتهي بتمزيقها، بين معسكر شرقي يحسب على الصين، وغربي يحسب على الولايات المتحدة.

وبالرغم من ضعف النفوذ الأمريكي في المنطقة، اقتصاديًا مقارنة بالصين، وسياسيًا وعسكريًا مقارنة بفرنسا ودول الاتحاد الأوروبي، فإن واشنطن لا تخفِ اهتمامها بتدارك هذا الوضع، فالقارة تضم أكبر تجمع للدول النامية في العالم، ذات الأسواق المتعطشة للاستثمارات، والنمو السكاني الأسرع عالميًا، والثروات الهائلة، والحكومات المفتقرة لأدوات فرض الأمن والاستقرار وتحديث البنى التحتية وتوفير الخدمات الأساسية.

ومما يزيد من أهمية القارة في هذه المرحلة، حاجة الصين الملحة لتنويع مصادر واردات الطاقة، وهي التي احتلت، عام 2016، صدارة قائمة مستوردي النفط عالميًا، لأول مرة في تاريخها، بعد تخلي الولايات المتحدة عن ذلك الموقع، إضافة إلى حاجة بكين لأسواق جديدة لمنتجاتها، تساهم من خلالها في تنويع شركائها التجاريين.

كما تطل أفريقيا على عدد من النقاط ذات الأهمية الكبيرة اقتصاديًا واستراتيجيًا، ومنها رأس الرجاء الصالح أقصى جنوبها، وقناة السويس، ومضيقي باب المندب وجبل طارق، وهي التي تشكل، إلى جانب الساحل الشرقي، أهم المحطات على الحزام التجاري الصيني، الذي يعد، مع طريق الحرير البري، العمود الفقري لاستراتيجية بكين نحو فرض مكانتها على الساحة الدولية، التي كشف عنها الرئيس شي جينبينغ، عام 2013.

ولا أحد يعلم على وجه الدقة ما إذا كانت واشنطن قد بلورت بالفعل استراتيجية جديدة تجاه أفريقيا، أو ما هي تفاصيل حساباتها هناك في ضوء تلك المعطيات، إلّا أن عددًا من التقارير، تم تسريبها مؤخرًا، تلقي الضوء على تحركات غير مسبوقة، وخصوصًا في غرب وشمال غرب القارة، بخلاف تركيز واشنطن السابق على منطقة القرن الإفريقي، حيث توجد قاعدتها العسكرية، الوحيدة المعلنة، في جيبوتي، لقربها من منطقة الشرق الأوسط.

وبالتزامن مع تفجر قضية مقتل 4 جنود أمريكيين بالنيجر، في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، نشرت مجلة ”ذي إنترسبت“ وثائق مسربة من البنتاغون، حول تدريبات نظرية واسعة النطاق، تشمل القوات البرية والبحرية والجوية، تحاكي عملية عسكرية كبيرة في الغرب الأفريقي، عام 2023، للقضاء على ”إرهابيين“ نفذوا هجمات في الولايات المتحدة وعدد من دول المنطقة، هي الأكثر دموية منذ أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001.

وقد تبدو تلك مجرد تدريبات روتينية تستخدم سياقًا متخيلًا، كما قد يكون مقتل الجنود الأمريكيين في النيجر مجرد حادث عرضي، بالرغم من استمرار البنتاغون والبيت الأبيض في التكتم على طبيعة المهمة التي كانوا يؤدونها هناك وظروف مقتلهم، إلا أن العديد من المعطيات الأخرى تعزز نظرية وجود توجه جديد للاستراتيجية الأمريكية في المنطقة.

ففي غمرة تلك التسريبات والتقارير، كشفت وكالة ”سبوتنيك“ الروسية عن ضغوط أمريكية تمارس على الجزائر لدفعها للتدخل عسكريًا في ليبيا، والتعاون معها في عمل عسكري بالنيجر لمواجهة مجموعات مسلحة، وسط تمنُّع جزائري، لتجنّب الانزلاق في فخ الاستنزاف في حروب خارجية، وهي القوة العسكرية الأهم على مستوى شمال غرب القارة السمراء، والمحطة المهمة لنفوذ الشركات الصينية في المنطقة.

ونهاية سبتمبر/أيلول 2016، نشرت ”ذي إنترسبت“ وثيقة سرية لقيادة القوات الأمريكية في أفريقيا ”أفريكوم“، تشير إلى عملها على إنشاء قاعدة للطائرات بدون طيار في النيجر، على أن يشمل نطاق عملها دول المنطقة، وذلك بتكلفة تناهز 100 مليون دولار.

ونقلت المجلة في تقريرها عن الخبير الأمريكي في الوجود العسكري لواشنطن بأفريقيا، آدم مور، قوله إن ذلك ليس نشاطًا معزولًا، بل جزءًا من ”توجه نحو تدخل أكبر، ووجود دائم في غرب أفريقيا، بما في ذلك أجزاء من المغرب (العربي) والساحل“، وذلك لتدارك الضعف في النفوذ الأمريكي بالمنطقة مقارنة بالنفوذ الفرنسي، ولاستباق التغلغل الصيني القادم من شرقي القارة.

وفي إطار نظرة أشمل لاستراتيجية ”احتواء الصين“ الأمريكية، فإن التوجه نحو تثبيت الأقدام في الغرب الأفريقي قد يُقرأ في سياق سياسات واشنطن الجديدة في الشرق الأوسط، التي بدأها الرئيس السابق، باراك أوباما.

فقد انسحبت ”القوة العظمى“ من المنطقة عسكريًا، واكتفت بمتابعة مجريات الأحداث، كما استغنت، إلى حد كبير، عن نفط المنطقة، للمرة الأولى منذ عقود، وسط مخاوف من أن تضمن تلك السياسة الجديدة ترك المنطقة ضحية للصراعات لعرقلة استغلال الصين لنفطها وأسواقها ومعابرها البحرية ومواقعها الاستراتيجية، إن لم يكن تأجيج تلك الصراعات.

وفي هذا السياق، فإن وجودًا عسكريًا كبيرًا ودائمًا في الغرب الأفريقي كفيل بتوفير برج مراقبة آمن وقريب من الشرق الأوسط والقرن الأفريقي، ومركزٍ للتدخل السريع في حال تغيرت الحسابات، ونقطة انطلاق لمواجهة التمدد الصيني في القارة، وقاعدة تأسيسية لنفوذ أمريكي حقيقي فيها، يحل محل السطوة الأوروبية.

من جانب آخر، فإن الخطوة الأمريكية ”التاريخية“، برفع العقوبات عن السودان، في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، قد تفسَّر جزئيًا في إطار مساعي خلق جدار يحجز النفوذ الصيني في الجنوب الشرقي، وهو الذي أخذ بالتغلغل في مفاصل دول المنطقة بشكل لابد أنه ”مقلق“ لواشنطن والعواصم الغربية.

وقد ظهرت على السطح مؤخرًا مؤشرات بتجاوز النفوذ الصيني دائرة الاستثمارات والتجارة إلى التأثير المباشر في السياسة الداخلية، وذلك بعد تأكيد عدة تقارير صحفية، من بينها ما نشرته ”الغارديان“ البريطانية، منتصف نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، بوجود تدخل صيني في إزاحة رئيس زيمبابوي السابق، روبرت موغابي، عن كرسي الحكم، الذي تشبث به لعقود.

وأوضحت التقارير أن قائد جيش زيمبابوي، كونستانتينو تشيونغا، الذي قاد الانقلاب ”الخاطف“ على موغابي، كان في زيارة لبكين، قبيل الانقلاب، حيث تلقى ضوءًا أخضر للقيام بتلك الخطوة، الأمر الذي وصفته الصحيفة البريطانية بالسابقة في تاريخ النفوذ الصيني حول العالم، وما خفي لدى أجهزة الاستخبارات الغربية، وخصوصًا الأمريكية، بالتأكيد أعظم.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com