تحركات مقتدى الصدر بدأت ثير قلق إيران

تحركات مقتدى الصدر بدأت ثير قلق إيران
يعلم الصدر بكل تأكيد بأن هجومه على الفصائل المسلحة هو تحدّ صريح للحرس الثوري ولن يُترك بلا جواب.

المصدر: حنين الوعري- إرم نيوز

بدأت بعض الجماعات السياسية الشيعية العراقية، تنأى بنفسها علناً عن راعيتها  طهران؛ لأن وضعها كجماعات مستقلة، بعيداً عن وصاية القوى الأجنبية، يجعلها تحظى بتأييد الناخبين العراقيين.

وكثفت الجماعات السياسية الشيعية في العراق، على مدى الأشهر القليلة الماضية نضالها من أجل التأثير في بغداد استعداداً للانتخابات البرلمانية التي ستجري العام المقبل. وأثارت جهودهم بخصوص ذلك استياءَ إيران التي دعمت عدداً من هذه الجماعات في السابق.

وتشعر طهران بالقلق، من إمكانية ولادة حوار وطني حول تقاسم السلطة بين مختلف الفصائل السياسية في العراق، بعد هزيمة تنظيم داعش أخيراً، وخروجه من البلاد، وكذلك بين المجموعات العرقية والطائفية التي من المتوقع استبعادها؛ ما يعرض حلمها بالسيطرة الإقليمية على الشرق الأوسط للخطر.

وبحسب مجلة “فورين أفيرز” الأمريكية، يجرى حالياً نقاش في طهران حول ما إذا كان التوجه في بغداد مجرّد مبالغة في التقديرات، أو ما إذا كان على طهران أن تتعلم العيش مع القومية الشيعية العراقية المتنامية.

وسيكون لنتائج هذا الصراع الداخلي بين الشيعة، تأثير على المصالح الإيرانية خارج حدود العراق. إذ ظهرت موجة القلق الإيرانية بعد أن ظهر رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر في مدينة جدة الساحلية السعودية، التي تعد منافسة إيران الرئيسة في الـ 30 من تموز/ يوليو الماضي. وسيؤدي ضعف تأثير إيران على الشيعة العراقيين، إلى إبطاء خطط طهران لتوسيع نفوذها في المنطقة.

مقتدى الصدر في السعودية والإمارات

رصدت طهران عن كثب جميع التحولات والتغيرات في سياسات شيعة العراق، ولسبب مهم، فإن نفوذ طهران على الجماعات الشيعية العراقية ربما يكون أكبر إنجازاتها في السياسة الخارجية منذ تأسيس منظمة حزب الله اللبناني عام 1982.

ولهذا السبب كان ظهور مقتدى الصدر في السعودية مفاجئاً لطهران، وهو معروف بكونه عربيا قوميا كثيراً ما تسبب بنزاعات في العراق مع الجماعات الشيعية الموالية لإيران.

ومع ذلك، فإن زيارة الصدر للسعودية وحليفتها الإمارات، حيث تشكلان أبرز جبهة مناهضة لإيران، واستقبال الصدر من قبل ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الذي ينظر له الإيرانيون على أنه رأس الحملة المناهضة لهم، أدى إلى ظهور تكهنات كثيرة في طهران حول دوافع وأهمية الزيارة.

ووقف الصدر منذ وقت طويل ضد النفوذ الإيراني في العراق بشكل علني من جهة، وكانت إيران الملاذ الآمن له كلما احتاج إلى مكان للاختباء من جهة أخرى، على حد تعبير المجلة الأمريكية.

وحتى يومنا هذا، لا يعرف الكثير من المراقبين العراقيين مدى قدرة إيران على التأثير على الصدر سواء في الماضي أو في الحاضر.

ولدى عودته إلى العراق في عام 2011، حافظ الصدر على عدائه للولايات المتحدة، لكنه في الوقت نفسه، وضع ثقله وراء رئيس وزراء البلاد المدعوم من طهران نوري المالكي.

ومن المؤكد أن الصدر لم يكن في ذلك الوقت صديقاً للرياض، إذ هاجم بانتظام السياسات السعودية في البحرين واليمن بين عامي 2011 و 2016.

“ارتباك إيراني”

أما في الوقت الحاضر، فقد أصبح الإيرانيون يدركون أن الصدر يطمح لإعادة إظهار نفسه كشخص يبرز عن باقي الحشد السياسي الشيعي، حتى يتمكن من الحفاظ على أهميته في الساحة السياسية العراقية. وتعد رحلته إلى جدة امتدادا لتلك الجهود.

وحسب مراقبين، يرغب الصدر بأن ينظر إليه على أنه بديل عن الأحزاب الشيعية الأخرى، وتبنيه نهجاً مختلفاً تجاه السعودية هي إحدى طرق تحقيق ذلك، على الرغم من أنه يجب عليه الانتظار لرؤية ما إذا كان باستطاعته الحفاظ على نهجه الجديد على المدى الطويل.

وتعتقد طهران، أن الصدر يأمل بأن يساعده السعوديون في الحصول على الدعم من الجماعات السنية العراقية المدعومة من السعودية، أو الشيعة في بغداد الذين ينتقدون طهران مثل رئيس الوزراء السابق إياد علاوي.

من جانبها لم تستطع طهران إخفاء ارتباكها وحيرتها من خطط الصدر. ففي البداية، ردت طهران على أن الصدر لا يخون إيران من خلال زيارته للرياض، بل قام بتنسيق هذه الزيارة مع طهران. ووفقاً لهذا التبرير كان الصدر يعمل كوسيط بين السعوديين والإيرانيين.

إلى ذلك، اعتبر التبرير غير واقعي، وتداعى بمجرد عودة الصدر للعراق، ومطالبته الحكومة العراقية بحل الميليشيات الشيعية المعروفة باسم قوات الحشد الشعبي، وهي نقطة حساسة بالنسبة لطهران التي كان لها دور أساس في تنظيم وتسليح ونشر هذه القوات، ليس في جميع أنحاء العراق فقط، وإنماً في ساحات المعركة في سوريا أيضاً، للدفاع عن نظام الرئيس السوري بشار الأسد.

تحدي الصدر لطهران

ويمكن التنبؤ بالطبع، أن طهران سترفض مشاهدة حل قوات الحشد الشعبي. ويرى الإيرانيون أن دعوة الصدر كانت بدافع منافساته مع الجماعات السياسية الشيعية التي كانت تدعم قوات الحشد الشعبي، مثل رئيس الوزراء حيدر العبادي، الذي رفض في الـ 5 من آب/ أغسطس مطلب الصدر قائلاً: “إن قوات الحشد الشعبي تحت قيادة رجال الدين والدولة”.

وحتى قبل زيارة الصدر للرياض، لم يدافع العبادي عن قوات الحشد الشعبي فحسب، بل تعهد بأن يستمر الحشد الشعبي لأعوام مديدة مقبلة، على الرغم من محاولة البعض معارضتهم لذلك، وهي طعنة مباشرة للصدر.

ولمواجهة الصدر، أصدرت إيران مذكرة رسمية تقول فيها، إن القوات المسلحة الموالية للصدر لم يكن لها دور في المعركة ضد داعش.

وتصر طهران على أن هذه الحقيقة وحدها كافية لتجريد حركة الصدر من أهلية الإدلاء بأي رأي عن مستقبل قوات الحشد الشعبي التي كانت في طليعة المعركة ضد داعش.

وتبعاً لكيفية اختيار الصدر المضي قدماً، من المرجح أن تواصل إيران البحث عن طرق لتهميشه في الحوار الوطني الذي سوف يعقب هزيمة داعش.

وفي حالة قيام الصدر بشن هجوم كامل ضد الوجود الإيراني في العراق، فإن طهران لن تهدأ.

وفي الماضي، كانت مسألة النفوذ الإيراني قضية مثيرة للجدل، وأدت إلى انقسامات داخل حركة الصدر. لهذا، فإنه من المرجح أن طهران ما زالت تملك القدرة على تقويض تيار الصدر من الداخل.

وتعتبر دعوة الصدر السلطات العراقية، تجريد جميع الفصائل المسلحة من السلاح، تجسيدا حقيقيا لحالة العصيان التي بدأها؛ ما أبهج السعوديين والمسؤولين الأمريكيين، إذ يعتبر تعارضاً مباشراً مع موقف طهران، والتي ترى أن سيطرتها على الفصائل المسلحة طريقةً لبقائها قوة رئيسة في بغداد وداخل المنطقة؛ لأن استخدام طريقة الفصائل المسلحة بالنسبة لطهران، أثبتت نجاعتها، وساعدت في بقاء الأسد في السلطة، من خلال التجنيد السريع ونشر القوات والمقاتلين المطلوبين في سوريا.

“صعوبة المواجهة”

والأهم من ذلك، فإن أنموذج الفصائل المسلحة، وبعدة طرق هو صورة منعكسة عن قوات الحرس الثوري الإيراني الذي يعتبر دولة داخل دولة، وحكومة موازية تحركها مصالحها الاقتصادية والتنظيمية السياسية الضيقة.

وتتمتع بقوة هامة في إيران بحيث يمكنها حتى أن تهدد بالإطاحة برئيس منتخب، كما فعلت مع محمد خاتمي، الذي كان على رأس السلطة بين الأعوام 1997 إلى 2005، أو إرسال تحذيرات متكررة كما كانت الحال مع الرئيس حسن روحاني في عدد من المناسبات.

ويعلم الصدر، بكل تأكيد بأن هجومه على الفصائل المسلحة، هو تحدٍّ صريح للحرس الثوري ولن يُترك بلا جواب. والأسباب وراء قراره الخوض في هذا الطريق، سيكون بلا شك سبباً للتكهن، أخذاً بعين الاعتبار علاقته المعقدة مع إيران.

ومن المتوفع أن تكون عملية فصل طهران عن الجماعات الشيعية العراقية، أمراً صعباً بالنظر إلى العلاقات بين الطرفين، والتي تمتد إلى عقود ماضية.

وإذا كان لا بد من القيام بأي تفكيك، فإنه سوف يأخذ وقتاً طويلاً قبل أن يترتب عليه أي نتائج.

إلا أن القلق لدى طهران ما زال مستمراً، فإذا كان الصدر قادراً على المواجهة، فإن باقي الجماعات الشيعية في بغداد قادرة على ذلك أيضاً.

محتوى مدفوع