هل يمكن تفعيل ”اتفاق أضنة“ الأمني بين سوريا وتركيا؟

هل يمكن تفعيل ”اتفاق أضنة“ الأمني بين سوريا وتركيا؟

المصدر: إرم نيوز ـ إبراهيم حاج عبدي

تلقف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عبارة ”اتفاق أضنة الأمني“، التي وردت على لسان نظيره الروسي فلاديمير بوتين في قمتهما الأخيرة بموسكو، وشرع في الترويج لهذا الاتفاق الذي يطرح علامات استفهام كثيرة، ويتطلب ”تنازلات مؤلمة“ تعيد الأوضاع بين دمشق وأنقرة إلى ما كانت عليه من ”دفء“ قبل اندلاع الأزمة السورية، قبل نحو ثماني سنوات.

أبرم اتفاق أضنة الأمني سنة 1998 بين سوريا وتركيا، في ظروف سياسية مختلفة عما هو عليه الحال بين البلدين في الوقت الراهن، وكان آنذاك ضرورة إقليمية شاركت فيها دول عربية، أنقذت سوريا من حرب كانت وشيكة نتيجة دعمها لحزب العمال الكردستاني وزعيمه عبدالله أوجلان، الذي كان يقيم في دمشق ويشرف على معسكرات لحزبه في سوريا والبقاع اللبناني.

نجحت الوساطة العربية، وخصوصًا المصرية آنذاك، والتحشيدات التركية العسكرية على الحدود، في حمل دمشق على الطلب من أوجلان مغادرة سوريا، الذي انتهى به المطاف في العاصمة الكينية نيروبي، حيث اعتقل في عملية استخبارية معقدة، في شباط فبراير 1999 وهو يقضي، منذ ذلك الحين، حكمًا بالمؤبد في سجن بجزيرة إيمرالي التركية.

وقضى الاتفاق، كذلك، بإغلاق معسكرات الحزب الكردستاني، واعتقال السلطات السورية لمناصريه، وتسليم نحو 50 قياديًا إلى تركيا، وهي إجراءات كانت كفيلة بـ“بناء الثقة“ وتوطيد العلاقات بين تركيا وسوريا في الأشهر الأخيرة من حكم الرئيس الراحل حافظ الأسد، التي تعززت ووصلت إلى أعلى المستويات عندما تسلم الحكم بشار الأسد، الذي زار تركيا سنة 2004، لتكون أول زيارة وصفت بـ“التاريخية“ لرئيس سوري منذ الاستقلال سنة 1946.

توتر العلاقات

لكن العلاقات بين البلدين توترت مجددًا مع اندلاع الاحتجاجات في سوريا سنة 2011، خصوصًا وأن أنقرة طلبت من الأسد إشراك ”الإخوان المسلمين“ في السلطة، كشرط لتدخل أنقرة من أجل التهدئة، لكن دمشق رفضت هذا المطلب؛ وهو ما أدى إلى اصطفاف تركيا إلى جانب المعارضة السورية المسلحة التي خاضت حربًا من أجل إسقاط نظام الأسد، وهو هدف سعت إليه أنقرة حتى لحظة طرح ”اتفاق أضنة“ الأمني، الذي يتطلب اعترافًا متبادلًا بين الحكومتين.

هذا الاعتراف الرسمي المتبادل، بحسب محللين سياسيين، هو أحد العوائق التي تعترض سبيل الاتفاق، فالسماح لأنقرة بملاحقة حزب العمال الكردستاني حتى عمق 5 كيلومترات داخل الأراضي السورية، بحسب الاتفاق، يتطلب إعادة فتح السفارات وتعيين ملحقين أمنيين، وتشكيل لجان ”رسمية“ مشتركة، وتشغيل خط ساخن بين أجهزة الأمن، فضلًا عن اتصالات سياسية مباشرة بين قيادتي البلدين.

ويرى محللون سياسيون، أن عوائق تنفيذ الاتفاق لا تقتصر على عودة العلاقات بين دمشق وأنقرة إلى سابق عهدها، بل كذلك في التفسيرات السياسية والقانونية من جانب كل طرف لبنوده، ذلك أن الاتفاق أبرم في وقت لم يكن يوجد فيه الفصيل العسكري ”قوات سوريا الديمقراطية“، المدعومة أمريكيًا، التي تمثل وحدات حماية الشعب الكردية قوامها الرئيس، علمًا بأن السعي للقضاء على هذه الوحدات، هو الدافع الأساسي لأنقرة في انتشال الاتفاق من الأدراج المغلقة.

ويضيف المحللون، أن الموقف ”المتباين“ من قوات سوريا الديمقراطية يمثل عقبة أخرى، ففي حين تصف أنقرة هذه القوات بـ“الإرهابية“، فإن واشنطن تعتبرها ”حليفًا“ وشريكًا أساسيًا في محاربة الإرهاب، كما أن موسكو ودمشق تعترفان بها، وتخوضان مع ذراعها السياسي، مجلس سوريا الديمقراطي، حوارًا من أجل التوصل لحلول بشأن مصير منطقة شرق الفرات بعد الانسحاب الأمريكي المنتظر.

ويوضح المحللون، أن حزب العمال الكردستاني ينشط في تركيا أساسًا، مشيرين إلى أن اتهام أنقرة لقوات سوريا الديمقراطية، التي تضم سوريين أكرادًا وعربًا وسريانًا وغيرهم، بأنها امتداد للحزب الكردستاني، لا يمثل ”قرينة قانونية“، معتبرين أن هذا الاتهام هو ”سياسي“ بالدرجة الأولى، في حين أن الاتفاقات الرسمية المبرمة بين الدول تعتمد على النصوص القانونية الحرفية.

ويلاحظ محللون أن أنقرة، التي تسعى لإحياء ”اتفاق أضنة“، هي التي خرقت بنوده، إذ شنت عمليتي ”درع الفرات“ و“غصن الزيتون“ العسكريتين من دون تنسيق مع الحكومة السورية، كما أنها تتواجد عسكريًا في الأراضي السورية إلى عمق نحو 45 كيلومترًا، وهو ما يناقض بنود الاتفاق الذي يسمح بخمسة كيلومترات فقط، هذا إذا تغاضينا عن الدعم السياسي واللوجستي والمالي الذي تقدمه لمجموعات تحارب الحكومة السورية، الطرف الآخر في الاتفاق.

وأعلنت وزارة الخارجية السورية، السبت، أن أي تفعيل لاتفاق أضنة ”يتم عبر إعادة الأمور على الحدود بين البلدين كما كانت، وأن يلتزم النظام التركي به ويتوقف عن دعمه للإرهابيين، وأن يسحب قواته العسكرية من المناطق السورية التي يحتلها“، مشيرة إلى أن الجانب التركي ”خرق هذا الاتفاق مرارًا“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com