في ذكرى “طه حسين”.. المرأة التي أحبت العميد (صور)

في ذكرى “طه حسين”.. المرأة التي أحبت العميد (صور)

المصدر: نعمة عز الدين- إرم نيوز

خمسون عامًا وثلاثمائة صفحة وتسعون رسالة ملونة، وفيض من الصور الفوتوغرافية، بعضها يعود إلى بدايات القرن الماضي، والآخر إلى ما بعد منتصفه، هي قصة الحب المستحيلة بين الفتاة الباريسية سوزان بريسّو، وطالب العلم الكفيف القادم من إحدى قرى الصعيد في بر مصر غير المعروفة على خريطة العالم، طه حسين، والذي سيصبح فيما بعد عميد الأدب العربي، وإحدى مناراته العقلية والفكرية على مدى سنوات طويلة.

وستصبح هي “سوزان بريسو” المرأة التي آمنت بقدرات الرجل الذي أحبته، رغم معارضة الأهل والمنطق والأقدار، ولتكتب بعد سنوات من رحيله عنها وعن الدنيا، ذكرياتها وحياتها التي وهبتها له بعشق وامتنان شديد، في كتاب يحمل عنوانًا شديد الدلالة الإنسانية المشوبة بالعاطفة، المكتوب بلغتها الفرنسية، والتي أرادت له أن يُترجَم إلى العربية، ليصل إلى قراء وقارئات العميد في شتى أنحاء العالم العربي، فقام بترجمته الكاتب والصحفي الكبير بدر الدين عرودكي، الذي لم يكتفِ بالترجمة التي نُشِرَتْ عام 1979 من دار المعارف المصرية، بل أضاف إليها ترجمةً للهوامش والتذييلات الهامة التي أضافها محرِّرا النسخة الفرنسية الصادرة في 2011، وكذلك مُقدَّمَة بقلم أمينة طه حسين، بالإضافة إلى ملحق بالصور.

taha (1)

العودة لقراءة هذا السفر الهام لزوجة عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، تأتي احتفاءً بذكراه التي تحل يوم الثامن والعشرين من الشهر الجاري، ولكن بطريقة مختلفة، بعيدة عن ذكر أعماله الفكرية والنقدية التي تناولتها العديد من الأقلام في حياته، وبعد وفاته من خلال معاركه الشهيرة مع المفكرين “مصطفى صادق الرافعي”، أو “محمود شاكر”، أو “العقاد”، وغيرهم.

هنا احتفاء بطه حسين الإنسان، المحب والعاشق لزوجته وأولاده “مؤنس وأمينة”، ولنكتشف مع السيدة سوزان بريسو، وعبر صفحات الكتاب الثلثمائة، العديد من الأسرار التي حينما نعرفها ندرك أهمية أن يكون وراء رجل عظيم امرأة، تشد من أزره وتدفعه نحو الإبداع والتجديد.

taha (2)

في البداية، تعترف السيدة سوزان طه حسين، بالأسباب التي جعلتها وعلى مدى عامين كاملين، تستحضر ذكريات مضى عليها أكثر من نصف قرن، وتحكي عن ما دار بينها وبين طه حسين في الغرف المغلقة وحالات العزلة والاكتئاب المتكرر، التي كانت تصيب العميد، تشهد عليها نحافته الشديدة، فتراقبه بحرص وقلق شديدين محترمة حساسيته تجاة إعاقته، حتى يعود من جديد لكتابة أفكاره وممارسة حياته بشكل طبيعي، وفي تلك الأثناء تهتم بالأطفال، فتصف تلك الحالة بقولها: “كان لا يطيق لأحد أن يقترب منه حتى أولاده، على الرغم من حبه لهم”.

ليزداد قلق سوزان على زوجها، بسبب تلك الحالة التي يشعر فيها بفقدانه لنعمة البصر حين تضطر إلى التغيّب عن المنزل، والسفر إلى فرنسا لزيارة أهلها فترة من الزمن، خاصة وأن طه حسين كان يبث مشاعره المحبة إليها، كلما هدأت نفسه وعاد لحب الحياة والتواصل مع الأشياء والبشر، فتطلعنا السيدة سوزان على إحدى الرسائل الملونة التي كان يرسلها إليها، عندما تكون بعيدة عن المنزل، تلك الرسائل التي بلغت التسعين باعتراف قاله عميد الأدب الدكتور طه حسين لابنته، وهو يتحدث عن رفيقته سوزان.

taha (3)إذ يقول في إحدى تلك الرسائل لها: “من دونك أشعر فعلاً بأني ضرير، لأني معك قادرٌ على استشعار كل شيء وعلى الاختلاط بالأشياء التي تحيط بي”، وفي رسالة أخرى يكتب عميد الأدب العربي يصادق زوجته المحبة: “هل أعمل؟ ولكن كيف أعمل دون صوتك الذي يشجعني وينصحني، دون حضورك الذي يقويني؟”.

أما هي، فتفتح قلبها وتعترف بعد رحيله أن ما كتبه من كلمات حب وامتنان لها، كان بمثابة الطاقة التي منحتها الشعور بالسعادة طوال تلك السنوات الخمسين، التي عاشتها معه فتقول: “شعرتُ بقوة لا توصف بملء الهبة التي نعمتُ بها، أنا التي وجدتك على طريقي”.

وفي عبارة جياشة أخرى، تكتب: “كنت أشعر أنه يراني على الرغم من أني لا أستطيع أن أتجاهل آفته كحقيقة، كان يتمتع بقدرات خارقة قد لا يصل إليها إنسان مبصر، ومن الممكن تتبع ذلك من وصفه للناس والأشياء في بعض كتبه كالأيام، وشجرة البؤس، وجنة الشوك”.

taha (4)

وعلى الرغم من هذا الحب الكبير والنادر حدوثه بين رجل وامرأة، تختلف مشاربهما في الحياة والدين والوطن كطه حسين المسلم العربي والغريب في فرنسا، وبين سوزان بريسو المسيحية الفرنسية، إلا أننا سنكتشف ومن خلال ثنايا هذا الكتاب الملهم، أن تلك السيدة الرقيقة كانت تحتاج إلى إيمان شديد بحبها لهذا الرجل، والذي شجعه عليه فقط عمها الراهب الذي قال لها: “مع هذا الرجل سوف تشعرين بالامتلاء”.

وكأن سوزان كانت تنتظر هذه النصيحة، لتتبع قلبها وتقترن بطه حسين، وتعيش إلى جواره حتى آخر لحظة في حياته، والتي وصفتها في كلمات مؤثرة مليئة بالشجن وهي تراقب جسد زوجها الميت، وتجلس إلى جواره لمدة نصف ساعة، ولا تستطيع البكاء: “قد بدأنا وحيدين وها هنا ننتهي وحيدين، أنا وحيدة للمرة الأولى بكيت كثيرًا، وحمدت الله الذي قضت مشيئته هذا الزواج الذي كفل لي القوة والحنان والمحبة، وهي معان عشت في حماها ما يقرب من الستين عامًا، الآن أشعر أن إحساسا عميقًا بقيمة ما فقدت، قيمة الإنسان الذي عشت معه تحت سقف واحد”.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع