عبد الرزاق درباس: الشعر العربي يصارع القبح ويطفئ حرائق الحروب

عبد الرزاق درباس: الشعر العربي يصارع القبح ويطفئ حرائق الحروب

يقول الشاعر السوري عبد الرزاق درباس إن الشعر العربي يتفاعل مع مجريات الأحداث العالمية بقوة، ويصارع القبح، فهو بلسم للشفاء ورسول للسلام في زمن الحروب والأحقاد، حسب تعبيره.

ويلفت درباس، في حواره مع "إرم نيوز"، إلى أنه يستمد لغته من الحياة بكل ما فيها، ومن الريف السوري الجميل، حيث نشأته الأولى التي أثرت على مسيرته الشعرية والأدبية الثرية والمتنوعة، والتي توجت مؤخرا بتكريمه في مهرجان الشارقة للشعر العربي كأحد أبرز الشعراء العرب.

والدكتور عبد الرزاق درباس من مواليد سوريا عام 1965، ويقيم في دولة الإمارات منذ 1997، وفاز بالعديد من الجوائز الأدبية في الشعر والقصة وأدب الأطفال، وله عدة دواوين شعرية مطبوعة، منها "ليلى وأحلام الرجال"، و"عابر سبيل"، و"عصافير الدم"، و"أجنحة الكلام"، و"وشم على جدار الروح"، و"مع انحناء ضلوعي"، وغيرها.

كما أن لكل زهرة خصوصيتها ولكل نوع من الطعام خواصه، فإن للرواية والقصة والقصيدة الشعبية والفصحى خصوصية ذاتية، وجمهورا شغوفا، وأنصارا محبّين..

تنوعت قصائدك في ديوانك الأخير "جسورُ الشّوق والشّوك"بين الشعر العمودي وقصيدة التفعيلة، كيف تراوح بين الأسلوبين لنقل رسالتك وقضيتك للقارئ؟

الشعر فن جميل يتطور بمرور الزمن وهذا التطور يفرض نفسه على الوسط الأدبي، فما كان تطورا جميلاً فعلينا الأخذ به، وما كان تشويها وتهديما لإرث الجمال الشعري نبتعد عنه..

وأنا في كل دواويني الشعرية التسعة عدا الأول منها (ليلى وأحلام الرجال – دمشق 1995 ) كنت أزاوج بين قصيدة البيت العمودي وقصيدة التفعيلة، وكلاهما له جماليته في الإيقاع والموسيقى والصورة، مع هامش أكبر لحرية الشاعر في التفعيلة..

وفي هذه الحالة، يجب عدم الاستسلام للنثر والكلام غير الإيقاعي، فالشعر فن الإيقاع والوزن والقافية والموسيقى، وإذا نزعنا منه تلك السمة الأساسية فقدَ هويته المميزة الأعظم وسمته المميزة الأهم.

تتميز جملتك الشعرية بالرصانة إضافة إلى تعدد الصور الشعرية حسب نقاد، من أين تستوحي قصائدك؟

يستمد الشاعر صورته الفنية ولغته وموضوعات نصوصه من نبع لا ينضب، هو الحياة بكل ما فيها، من الطبيعة، والمرأة، والمشاهدات اليومية، ووسائل الإعلام، ودراسته الأكاديمية ومحيط عمله، ومن مطالعاته الأدبية ومجالسه مع أهل الكلمة الجميلة، ويبقى للبيئة الاجتماعية التي عاش فيها طفولته دور كبير في تشكيل أرشيفه التصويري، ومفردات تعبيره، ومؤثرات طباعه السلوكية والفنية..

وأنا أستمد لغتي من بيئة الريف السوري الجميل حيث نشأتي الأولى في قرية ركايا كفرسجنة في ريف معرة النعمان في محافظة إدلب السورية، حيث التين والعنب والزيتون والقمح والمطر وقطعان الأغنام، ومواسم الخير وتعاقب الفصول، وغيوم الخيال وأنغام الحب والعصافير، وبساطة العيش وجهود الكفاح في سبيل لقمة العيش، وجمال الوجوه والمناخ والطبيعة، ثم من كل تلك المصادر التي ذكرتُها، استقيت مايروي غرسة الموهبة عندي، فكبرت وأزهرت وأثمرت أعذب الأناشيد وأطيب الثمار

في البدء كانت الكلمة وستبقى، وهي وسيلة التأثير والتعبير التي تدور حولها كل بقية الوسائل من ألوان ورسوم وألحان، وهذه الكلمة تؤثر في المجتمع والأفراد أكانت مسموعة أو مقروءة، ولا شك أن الكلمة هي بضاعة الشاعر الخام، التي يعيد سياقها وتشكيلها وتوظيفها لتشكيل الجَمال الشعري المدهش والمؤثر.

عبد الرزاق درباس: الشعر العربي يصارع القبح ويطفئ حرائق الحروب
الشاعر مطر البريكي: يجب ألا تبقى القصيدة الفصيحة متوارية عن الأنظار

هل برأيك المتلقي العربي خاصة من الشباب منجذب أكثر للرواية والشعر الشعبي مقارنة بالشعر الفصيح؟

أنا لست من أنصار تصارع الأجناس الأدبية، فكما أن لكل زهرة خصوصيتها ولكل نوع من الطعام خواصه، فإن للرواية والقصة والقصيدة الشعبية والفصحى خصوصية ذاتية، وجمهورا شغوفا، وأنصارا محبّين..

والشعر العربي الفصيح هو ملك هذه الأجناس من حيث الأصالة اللغوية التاريخية وقابلية التطور والاستمرار والبقاء، والشعر الشعبي فن جماهيري عام له أركانه ومحيطه الذي يتقبله، وكذلك الرواية والمقالة والقصة، فهي تكمل بعضها ولا تتنازع بعداوة، فكل منها رائج السوق، يسد فراغا معينا في الساحة الأدبية.

لا يمكننا -نحن الشعراء- تخيل العالم من غير القصيدة ودفئها، وتأثيرها ونشوة كتابتها، وتصفيق إلقائها وحصاد أثرها الإنساني الجمالي في حياة الناس وبساتين الفن الراقي.

قلت في أحد تصريحاتك إنه عندما ننسحب من القصيدة علينا أن نبقي ضوءا مفتوحا: هل تقصد بذلك أن الشاعر والمثقف عموما مطالب دائما باستشراف المستقبل؟

بالتأكيد، الشاعر مسؤول اعتباري لأنه صانع محتوى وقائد للذوق ومؤثر في الرأي العام، ويجب ألا ينزوي في ركن ضيق أو كهف مهجور أو بئر معطلة، أو برجٍ عاجيّ خاص، بل علبه الانخراط في مجتمعه ومعايشة الحدث والتعبير عما في نفسه ونفوس الناس، فهو ابن مجتمعه الناطق باسم أناسه، والشجاع المعبّر عن طموحات أهله وأفراحهم وأحزانهم، وعليه أن يزرع الورود لا أن ينظر إليها فقط، وعليه إشعال شموع الأمل والفرح والتفاؤل رغم كل الأحزان، وعليه أن يترك نافذة مفتوحة للأمل ولا يقطع خيوط الرجاء.

ولدى الشاعر قدرة على استشراف المستقبل والتحذير المسبق (إنذار مبكّر) من بعض الأخطاء الكارثية التي يجب التحذير منها قبل وقوعها كي يجنب أهله ومجتمعه الضرر، ومن هنا كانت نبوءة الشعراء واستشعارهم المرهف بالآتي.

تم تكريمك مؤخرا بمهرجان الشارقة للشعر العربي، هل يساعد الاحتفاء بالشاعر في ترميم قطيعة القارئ العربي مع الشعر؟

سؤال مهم، أجل التكريم المادي والمعنوي ضروريان للمبدع وأنا راض عن مسيرتي الأدبية التي نلت خلالها جوائز أدبية وازنة في الشعر واللغة وأدب الطفل والقصة القصيرة، وكان آخرها أغلاها على قلبي، لأن لجنة تحكيمها واختيارها لم تكن تقليدية، بل كانت من حاكم مثقف أخذ على عاتقه عهدا بالنهوض الثقافي ليس في الشارقة فقط، بل في امتداد ساحة أمتنا من محيطها إلى خليجها وفي كل ميادين الإبداع من شعر وقصة ورواية ومسرح وخط وتنوير ثقافي عام.

وهنا لا أخفي سعادتي بجائزة "القوافي الذهبية" في دورتها الأولى 2022، لأن صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى للاتحاد حاكم الشارقة، حفظه الله، هو من اختار أجمل النصوص بنفسه وكرّم شعراءها وكنت واحداً منهم، كما أن التكريم يلفت انتباه الجمهور ووسائل الإعلام للشاعر ليجد اهتماما ملحوظا كان يفتقده لولا الاحتفاء والتكريم، ويسلط الضوء على مسيرته وتجربته.

عبد الرزاق درباس: الشعر العربي يصارع القبح ويطفئ حرائق الحروب
الروائي سعد القرش: "لا يصح للمؤلف الدفاع عن كتابه لأنه لم يعد يخصه"

كيف تقيم الشعر العربي الحديث وتفاعله خاصة في زمن الأوبئة والحروب؟

الشعر العربي أجمل فنون الأدب قاطبة، من حيث عمقه التاريخي وتطوره اللغوي والفني، ومازال ممسكا بتاج الجودة والبريق المتألق، ومازال بلسم الشفاء ورسول السلام وغصن الزيتون في زمن الكوارث والأحقاد والنزاعات..

إنه يصارع القبح، ويهدم جدران البغضاء، ويطفئ حرائق الحروب، ويرسم للعشاق درب التلاقي، ويتفاعل مع مجريات الأحداث بقوة، ومن الصعب في رأيي تخيّل هذا العالم من غير هواء وضوء وماء وغذاء.

كذلك لا يمكننا -نحن الشعراء- تخيل العالم من غير القصيدة ودفئها، وتأثيرها ونشوة كتابتها، وتصفيق إلقائها وحصاد أثرها الإنساني الجمالي في حياة الناس وبساتين الفن الراقي، فالعربي بفطرته يجعل الشعر وثيقة أيامه فقالوا: الشِّعر ديوان العرب.

عبد الرزاق درباس: الشعر العربي يصارع القبح ويطفئ حرائق الحروب
روايات الكويتي سعود السنعوسي.. آفاق جديدة في الأدب الخليجي

الأكثر قراءة

No stories found.
إرم نيوز
www.eremnews.com