المرأة في الشعر الجاهلي

المرأة في الشعر الجاهلي

لعبت المرأة في الشعر الجاهلي دورًا كبيرًا في تأسيس دعائمه وتاريخه.

المصدر: مهند الحميدي - إرم نيوز

نستطيع في بداية حديثنا عن المرأة في العصر الجاهلي أن نقول إنَّ المرأة هي الركيزة الأساسيَّة في معظم الشعر الجاهلي؛ سواء قصد الشاعر المرأة بقصائد مستقلَّة، أم رمَّز غزله بها من خلال مشاهد عديدة؛ منها: الطلل وارتحال الظعائن وغيرهما من المشاهد.

ففي القصيدة الطلليَّة يذكر الشاعر الجاهلي اسم محبوبته، ويستحضر ذكرها، ويبعثها في فضاء قصيدته، كما يذكرها في مشهد ارتحال الظعائن، ويستحضر في ذهنه لحظات رحيل الأحبَّة.

والبداة، كما يرى الباحث سليم الجندي، في كتابه ”امرؤ القيس؛ حياته وشعره“ لا يعرفون مظهراً من مظاهر الجمال خيراً من المرأة؛ فهي المثل الأعلى للجمال عندهم، والعرب عموماً ذوو نفوسٍ حسَّاسةٍ وأذواق لطيفة، إذا رأى أحدهم الجمال أخذ بمجامع قلبه، وملك عليه مشاعره، وشغل نفسه عمّا سواه، فإذا فارق من أحبَّ جاشت مراجل الحبِّ في نفسِه، وقذفت على فيه ما يختلج بداخلها من آلام البعد، وتباريح الشوق، فأخذ يبكي ويترنَّم بوصف من أحبَّ بالصفات التي تثير في نفسِه كوامن الشوق ولذلك كانوا يقدِّمون الغزل في فاتحة أشعارهم.

صورة المرأة المثاليَّة لدى العرب

يقول الأصمعي ملخصاً معايير جمال الوجه عند العرب ”الحُسْنُ في العينَين، والجمال في الأنف، والملاحة في الفم“.

من الطبيعي أن تكون المرأة المثاليَّة بالنسبة للعربي معتدلة الخَلْق، وشكلها تامَّاً، ما يجعلها تشبه التمثال، ومن المُتفق عليه أنّ على المحبوبة أن تكون حوراء، بيضويَّة الوجه، أسيلة الخد، حسنة المعصم، إذ مشت فإنَّ الوشاح يُظهر مفاتن ردفها، مشبعة موطن الخلخال، سمينة الكعبين اللذين يتناقضان ونحافة القدِّ الدقيق جداً بالنسبة للثوب الذي ترتديه.

ولطالما كانت المحبوبة، كما يرى المستشرق، ج. ك. فاير، في كتابه ”الغزل عند العرب“ توحي للشاعر الجاهليِّ بالاحترام مع جمالها الذي لا يُقاوم؛ هذا الجمال الذي يفعل فعل السحر، فمحبوبته في الغالب ”سيِّدة معتبرة في الصحراء، وثمَّة ملامح عدَّة تشير إلى ذلك، فهي بنت قوم أحرار رفيعة النسب عالية الشَّأن“. (ص71)

الغزل وتطوُّره في الشعر الجاهلي

يشغل الغزل من الإرث الشعري الجاهلي مكاناً واسعاً حتَّى يكاد أن يكون الجزء الأكبر من ثروتنا الأدبيَّة، ولدى مطالعتنا لدواوين الجاهليِّين المختلفة، فإنَّنا نقف أمام هذه الحقيقة الواضحة.

وبثَّ الشاعر الجاهلي من خلال مطالع قصائده، عاطفته ومؤدَّى حبِّه من وصلٍ أو هجرٍ، من سعادةٍ أو شقاءٍ، في حين جمع في باقي قصيدته، كلَّ أغراضه الأخرى؛ كما نرى في معلَّقة عنترة، التي لم يكن الفخر فيها بعيداً عن روح الغزل، بل كان منبعه؛ يقول:

”هلْ غادرَ الشعراءُ من متردِّمِ     أمْ هلْ عرفْت الدارَ بعدَ توهُّمِ

يا دارَ عبلةَ بالجواءِ تكلَّمي     وعمي صباحاً دارَ عبلةَ واسلمي“.

أقسام الغزل في العصر الجاهلي

يُقسم الغزل في العصر الجاهلي إلى غزل صريح حسّي فاحش، وغزل وجداني عاطفي، ولامرئ القيس صور رائعة في الغزل الصريح، فقد بلغ فيه غايةً لم يبلغها من سبقه؛ وحين سُئِل ما أطيب لذَّات الدنيا؟ أجاب ”بيضاء رعبوبة (شديدة البياض) بالحسن مكبوبة، بالشحم مكروبة، بالمسك مشبوبة“.

وهو القائل: ”له الويلُ إن أمسى ولا أمُّ هاشمٍ     قريبٌ ولا البسباسةُ ابنةُ يشكرِ“.

في حين نجد غزل عنترة بن شداد، يفيض رقة وعذوبة، ليقدِّم للتراث العربي نماذج رائعة من الغزل العفيف الوجداني؛ يقول:

”ولقدْ ذكرتُكِ والرماحُ نواهـلٌ     منِّي وبيضُ الهندِ تقطرُ من دمي

فوددتُ تقبيل السيوف لأنها     لمعت كبارقِ ثغرِكِ المتبسِّمِ“.

إنَّ عنترة يقدِّم نفسه في صورة ”الفارس المثال“ أملاً منه في أن يكسب ودَّ ابنة عمه عبلة، واصفاً بطولاته وانتصاراته، مسترسلاً على طريقة الرجل الشرقي في استرضاء أنثاه:

”هلَّا سألْتِ الخيلَ يا ابنةَ مالكٍ     إنْ كنتِ جاهلةً بما لمْ تعلمي

يخبركِ منْ شهدَ الوقيعةَ أنني          أغشى الوغى وأعفُّ عندَ المغنمِ“.

ممَّا تقدَم نرى أنَّ المرأة كانت ركناً أساسيَّاً في الحياة الجاهليَّة، وليس لدى الشعراء فحسب، بل أيضاً في جميع مجالات الحياة؛ فهي الحبيبة والأم والأخت والشاعرة والمربِّية، فافتُتِن بها الشاعر الجاهلي أيَّما افتتان، ووصفها في كلِّ مناسبة، وهامَ بها، كما أحبَّها واحترمها وأنزلها المنزلة التي تليق بها.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk[at]eremnews[dot]com