المدينة القديمة.. الملاذ الأخير لـ”داعش” في الموصل

المدينة القديمة.. الملاذ الأخير لـ”داعش” في الموصل

بعد تطويق القوات العراقية للشطر الغربي لمدينة الموصل(نحو 400 كم شمال العاصمة بغداد)، في التاسع من مارس/ آذار الماضي، اعتبر قادة الجيش آنذاك أن المعركة “باتت محسومة”، لكن تنظيم “داعش” عندما أيقن أنه لا أمل لعناصره بالفرار، لجأ إلى “المدينة القديمة“، في قلب الجانب الغربي، كـ”ملاذ أخير”، محاولا الاستفادة من عاملي الجغرافيا والسكان.

ومنذ أن بدأت القوات العراقية الهجوم، في الـ19 من فبراير/شباط، تقدمت بسرعة من جهة الجنوب، وسيطرت على المناطق الواقعة على مشارف الموصل، مركز محافظة نينوى، وأهمها مطار الموصل ومعسكر على مقربة منه، فضلا عن عدد من القرى.

وكانت الخطة المعدة مسبقا تقضي بالتوقف قليلا، لإعادة تأهيل مطار الموصل، ليصبح منطلقا للطائرات الحربية، إلا أن سرعة تقدم القوات العراقية يبدو أنها حفزت قادة الجيش، فغيروا الخطة ليواصلوا التقدم في أحياء المدينة حتى وصولوا إلى “المدينة القديمة”، في قلب الشطر الغربي على الضفة الغربية لنهر دجلة، الذي يعبر من وسط المدينة من الشمال إلى الجنوب، ويشطرها إلى نصفين أيمن وأيسر.

المدنيون بين نارين

ورصدت منظمات معنية بحقوق الإنسان تزايدا كبيرا في عدد المدنيين القتلى، عند وصول القوات العراقية وسط المدينة؛ بسبب الغارات الجوية الخاطئة وسيارات “داعش” الملغومة، وسط الأحياء المكتظة بالسكان.

وغالبا ما كان المدنيون يموتون تحت أنقاض منازلهم، حينما تستهدف طائرات التحالف الدولي قناصة لـ”داعش” كانوا يعتلون المنازل، ويمنعون السكان من مغادرتها.

وعندها، أيقن قادة الجيش صعوبة الحسم في “ملاذ داعش الأخير” بمنطقة “المدينة القديمة”، ذات الأزقة الضيقة المتشعبة بالمتاهات والمكتظة بالمدنيين، حيث يتعذر على العربات العسكرية دخولها؛ ما يجعل الجنود العراقيين هدفا سهلا لقناصة “داعش” وكمائن مسلحيه.

ومر نحو شهران دون أن تحقق القوات العراقية تقدما يذكر في “المدينة القديمة”، فعمد قادة الجيش إلى فتح جبهة جديدة في الشمال، حيث تقدمت القوات سريعا، وباتت قريبة من تضييق الخناق على “داعش” في “ملاذه الأخير”، الذي يمثل أكبر تحد أمام هزيمة التنظيم نهائيا، في الموصل، ثاني أكبر مدن العراق سكانا بقرابة 1.5 مليون نسمة.

منطقة هشة

تسير العمليات العسكرية في الجانب الأيمن (الشطر الغربي) لمدينة الموصل ببطء شديد، بعد أن تحصن مسلحو داعش في المنطقة القديمة ومحيطها، وفقا للعميد في الشرطة الاتحادية التابعة لوزارة الداخلية، سلمان الوائلي.

وأوضح الوائلي، أن “المدينة القديمة هي أهم معاقل التنظيم حاليا، مستغلا الكثافة السكانية العالية، والمساحات الضيقة، التي تقيد حركة العجلات (الآليات) العسكرية، كما أنها منطقة هشة، إن تعرضت للقصف ستتضرر منازل كثيرة، فهي متراصة وصغيرة ومتهالكة لقدمها”.

وأضاف قائلا: “نقاتل عدوا شرسا في منطقة مساحتها صغيرة جدا ومزدحمة بالسكان، ورغم أنها صغيرة، لكنها الأصعب.. من الوارد حدوث انهيار في صفوف داعش، لكنه بحاجة إلى مزيد من الوقت، لذا يجب على قواتنا مواصلة القتال لحين انتزاع آخر شارع من المدينة”.

واعترف العميد الوائلي بأن “هذا النوع من القتال يكلف الكثير من القتلى في صفوف القوات الأمنية وكذلك في صفوف المدنيين”.

سلاح الطيران مغيب

قال قائد طيران الجيش العراقي، الفريق أول الركن حامد المالكي إن ” سلاح الطيران لم يعد حاسما في الحرب الآن، كونه مقيدا إلى درجة كبيرة”.

وأوضح أن “الطبيعة الجغرافية للمناطق التي تخوض فيها القوات المعركة أجبرتنا على التوقف، فهي أزقة ضيقة، إلى جانب أمر مهم، وهو تواجد المدنيين بأعداد كبيرة”.

وشدد المالكي على أن “داعش يشتري الوقت بدماء المدنيين، فهو حتى الساعة يدافع بقوة عن مناطق الموصل القديمة، ويعزز وجوده فيها، في محاولة منه للاستفادة من التقدم البطيء للقوات العراقية”.

وتحمل “المدينة القديمة” في الموصل رمزية كبيرة لـ”داعش“، حيث أعلن زعيم التنظيم، أبو بكر البغدادي، من على منبر جامع النوري الكبير في المدينة، قيام ما سمّاها “دولة الخلافة”، صيف 2014.

وقبل شهرين وصلت قوات الشرطة الاتحادية إلى مقربة من الجامع، لكن مسلحي “داعش” دافعوا باستماتة، ما حال دون تقدم القوات.

الشرطة الاتحادية

شكل جهاز مكافحة الإرهاب، الذي يضم قوات النخبة في الجيش وتلقى تدريبات على يد الجيش الأمريكي، بمثابة رأس الحربة خلال المعارك في الشطر الشرقي للمدينة، حتى اكتملت السيطرة عليه، في يناير/ كانون الثاني الماضي.

لكن المهمة الصعبة أوكلت إلى قوات الشرطة الاتحادية في الشطر الغربي للمدينة، وهي المنطقة القديمة، بينما تولت قوات جهاز مكافحة الإرهاب الأحياء الواقعة إلى الغرب، وهو ما اعتبره مراقبون خطأ في توزيع المهام ساهم بدرجة كبيرة في تأخر حسم المعركة.

ومنذ أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، تشن القوات العراقية عملية عسكرية واسعة لطرد “داعش” من الموصل، التي يسيطر عليها منذ يونيو/ حزيران 2014، وتمثل آخر معاقله الكبيرة في العراق.

ويقول قادة الجيش العراقي إن نحو 10% فقط من مساحة الشطر الغربي لا تزال في قبضة “داعش”، لكن المعطيات تشير إلى أن فاتورة استعادة هذه المساحة الصغيرة، ولاسيما “الملاذ الأخير” للتنظيم في “المدينة القديمة”، ربما تكون مكلفة للغاية على المستويات كافة.