ماذا سيحدث لو خسرت ”أبل“ معركتها مع ”FBI“؟

ماذا سيحدث لو خسرت ”أبل“ معركتها مع ”FBI“؟

المصدر: خالد الرواشدة – إرم نيوز

هكذا تصور خبير التكنولوجيا الأسبق لدى البيت الأبيض المستقبل، حال خسارة ”أبل“ معركة الخصوصية التي تخوضها مع الحكومة، وفق صحيفة الغارديان.

العام 2026

تجلس في سيارتك الفارهة المزودة بنظام تحكم وتتهيأ لجولة روتينية.

تضع أطراف أصابعك على مقبض الباب فتعرفك السيارة وتفتح أبوابها ومن ثم تثب إلى الداخل بكل طمأنينة، إن السيارة تعرفك تمامًا فهي قادرة على قراءة بصماتك.

ومن ثم تتحرك السيارة من تلقاء نفسها، بينما تبحث أنت عن بعض التطبيقات التي من خلالها يبث أصدقاؤك ما يحبون من مواضيع عبر انستغرام، ومن ثم تُغلق أقفال الأبواب. وأثناء مرور السيارة بجانب أحد المتاجر الملائمة في أحد الأسواق، تنعطف السيارة فجأة باتجاه اليسار مرتين ومن ثم تنعطف يمينًا إلى أن تتوقف أمام مركز الشرطة. حينها تجد رجال الشرطة في انتظارك.

لقد حصلوا على إذن بتحديث برنامج القيادة الذاتية الخاص بسيارتك، فتمكنوا من  إغلاق الأبواب عليك داخلها وجعلوها توصلك إلى تلك المنطقة.

إنك تبدو الآن مثل شخص تم رصده من خلال كاميرا المراقبة وتقوم الشرطة باستجوابه.

فوفقًا لأشخان سولطاني، مهندس عَمِل العام الماضي على وضع سياسة خصوصية للحكومة الأميركية، إنّ العالم الذي نعيش فيه ربما لن يصل لمستوى الخيال العلمي.

ويرى سولطاني أن السيناريو المتمثل بخسارة ”أبل“ لنزاعها مع الحكومة حول وجوب كتابة رمز تشفير لاختراق نظام الحماية في جهاز الآيفون المرتبط بحادثة إطلاق النار في سان برناردينو، سيكون سيناريو مروّعاً.

بدأ النزاع رسمياً، يوم الثلاثاء، عندما تقابل محامو كل من شركة ”أبل“ والحكومة للمرة الأولى في بهو المحكمة الفيدرالية جنوب كاليفورنيا.

وعند اللجوء للمحكمة، كان سولطاني يملك حججًا أقوى في هذا المجال. لقد فاز سولطاني بجائزة ”بولتزر“ لمساعدته صحيفة ”واشنطن بوست“ في تصنيف بعض الوثائق التي تم تسريبها من قبل إدوارد سنودن، ونشر ورقة بحثية يدور موضوعها حول تكنولوجيا الخصوصية في جامعات بيركلي وستانفورد وهارفرد، فهو ليس بذاك الشخص الذي يكتفي بمشاهدة العديد من أفلام الخيال.

لقد قدّم سولطاني وآخرون، قضية مقنعة في أنّ نزاع ”أبل“ ليس حقا حول المراقبة أو التشفير أو حول معلومات إضافية تفضي إلى فك المزيد من العقد حول الحادث الإرهابي الذي راح ضحيته 14 شخصًا جنوب كاليفورنيا، إنّ الأمر يتعلق من وجهة نظرهم بمن يمكنه التلاعب بنظام التشفير الذي يتحكم بأجهزتنا الحالية والمستقبلية، تلك التي تتعقبنا في السيارة أو في البيت أو حتى إن كان باب المنزل موصدا.

وقال سولطاني، الذي عمل على مشروع قرار لهيئة التجارة الفيدرالية وبمهمة محددة في البيت الأبيض: ”لدينا الوقت الكافي لنثق بالتكنولوجيا وندرك ما تقوم به“، وأضاف: ”إنّ الطلب الذي تطلبه الحكومة من أبل الآن، ستقوّضه مستقبلا“.

لقد وضع المستهلكون ثقتهم في هذه الشركة عندما سمحوا لـ“مايكروسوفت“ بأن تجري تحديثات تلقائية على نظام ”ويندوز“ أو ”آبل“ من أجل تحميل ألبوم ”يو2″ على كافة أجهزة الـ“آيفون“. ستقرر القضية ما إذا كان هذا النفوذ سيتوقف عند صانع المنتج الرقمي أو سيتجاوز ليصل الحكومة الفدرالية.

ترغب واشنطن بشدة من ”أبل“ -رغم أنها لن تقول ذلك علانية- أنْ تحوّل كافة مبرمجي الشركة إلى عملاء لديها في تحقيقاتها الجارية حول قضية سان برناردينو.

إن رَبحت الـ“FBI“ المعركة، فستبدو ”آبل“ وكأنها خدعت ”سعيد فاروق“ حين قبل تحديث برامج جهازه الـ“آيفون“ وذلك لظنّه أنّ التحديث آمن، علمًا أن ”آبل“ تجري مثل هذه التحديثات باستمرار على ما يقارب مليار جهاز تم بيعها منذ 2007.

في هذه الحالة، سيخترق التحديث الجديد العديد من إجراءات الحماية لجهاز الـ“آيفون“، وذلك لتسهيل الأمر على الحكومة في أن تتعرف إلى أربعة أرقام من أرقام الرمز السري للجهاز، إذ إنّ طبيعة نظام الحماية لدى شركة ”أبل“ يجعل منها الشركة الوحيدة القادرة على إرسال مثل هذا التحديث لأي جهاز من أجهزتها.

وتقرّ الحكومة بأنّ المحاكم تعمل وفق مبدأ السابقة القانونية، وعليه فإن ربحت ”FBI“ هذه المرة، فهذا يعني أنها من المرجح أن تكسب في المرة التالية.  ففي هذا العام، قد يقرر حكم مشابه، لقضية ”أبل“، إمكانية تسخير كاميرات جهاز ”اللابتوب“ أو ”الهواتف الذكية“ للعمل ككاميرات تجسس دائمة.

في غضون عام أو اثنين، ربما تنجح أحد هذه القوانين في تعبيد الطريق لتحويل سيارتك الخاصة إلى سيارة شرطة أو جعل منزلك زنزانتك الخاصة.

حقيقة، إنّ توقع الآثار الناجمة عن قضية لم يتم النظر فيها بعد من قبل المحكمة، يعدّ أمراً محفوفاً بالخطر. على سبيل المثال، قد تحكم المحكمة ضد شركة ”أبل“ في هذه القضية الاستثنائية ولكن قد تلتزم الصمت حيال أسئلة ذات نطاق أوسع تتعلق بالتحكم بالتكنولوجيا. أو قد يجد مجلس الشيوخ أرضية مشتركة من خلال تحديث القانون المتعلق بأشرطة التسجيل الذي صيغ لحقبة ما قبل الهواتف الذكية.

يمكن لـ ”أبل“ أن تكسب القضية من خلال أحد الأحكام التمييزية الصادرة عن المحكمة العليا، الذي يقضي بوضع التشفير الحاسوبي بعيدا عن متناول السلطات التنفيذية. أو من خلال إقناع مجلس الشيوخ بإصدار قانون جديد يُعفي شركات التقنيات من أن يطبق عليها القانون. طبعًا سيطرح هذا الأمر قضايا تدور حول نفوذ الشركات الخاصة.

وتناول ستيورت بيكر، المحامي الأسبق لوكالة الأمن القومي وأحد المدّعين العامين الفيدراليين، تحذيرات سولطاني من الجانب المقابل تمامًا بقوله: ”سنقبض على الأغبياء فقط من المجرمين، أما الأذكياء فلن يحالفنا الحظ“.

وتساءل بيكر، الشريك الحالي لشركة القانون الدولية ”ستيبتو أند جونسون“،  ”أتفضل العيش في عالم تملأ به السيارات بأطنان من المتفجرات وتبرمج لتقتحم جدران البيت الأبيض بينما يقف رجال الاستخبارات عاجزين عن إيقاف السيارة عن بعد؟“.

بطريقة أخرى، على الأميركيين اتخاذ القرار حول قبولهم تكنولوجيا تقوم بإنشاء مساحات آمنة. يمكن تحقيق ذلك الآن أو حين يواجه المجتمع التقني تحقيقا جنائيا آخرا.

وكما كتب محامو شركة ”أبل“ مؤخرًا، فإنّ القضية تقول ”إنّ ما يسعى إليه مسؤولو السلطة التنفيدية مقابل ذلك هو ما ستخلقه طلباتهم من تداعيات خطيرة ومجازفات حقيقية“. أو كما أخبر جيمس كومي، مدير الـ“FBI“، مجلس الشيوخ في شهر مارس، أنّ القضية تدور حول ”الصدام بين الخصوصية والسلامة العامة“.

وقد أظهر استطلاع للرأي أجراه مركز ”بيو“ وصحيفتا ”وولت ستريت“ و“إن بي سي نيوز“، أن قلة من الأمريكيين يدعمون الـ ”FBI“ في مساعيها ضد ”آبل“. ومن جهة أخرى، تكمن مشكلة ”آبل“ وداعميها في أنّ المستهلكين يميلون إلى التركيز على الحوادث والمخاطر المألوفة مثل إطلاق النار العشوائي أو تبني المخاطر النظرية (الأخ الأكبر) مثل تغول الحكومة وإحكام سيطرتها عليهم.

لا ينظر كاتب الخيال العلمي بروس بيثكي، والذي صك مصطلح ”سيبربنك“ (علم التحكم الآلي والشرير) عام 1983، إلى الأمر من نفس الزاوية التي ينظر منها المستهلك العادي، حيث يقول:

”هل سيقوم عدّاد الماء بإبلاغ هيئة المرافق العامة في منطقتك أنك تقوم بريّ بستانك يوم الثلاثاء؟ نعم سيقوم بذلك. هل سيقوم هاتفك النقال بالاتصال بمزود خدمات التأمين الصحي لك إن كان نظام الـ“جي بي أس“ مفعّلا وعلم أنك توجّهت لشراء بعض التبغ؟ نعم سيفعل ذلك. سيرسل رسالة الكترونية بذلك. هل سيبلغ الحمّام طبيبك أنك لا تتناول الكثير من الألياف أثناء حميتك؟ بالطبع سيفعل.

وفي تعليق من الكاتب البريطاني مؤلف رواية ”العملاق الأعمى: أن تكون إنسانا في عالم رقمي“: ”في حال خسران آبل القضية، فكل ما يتصل بحياتك الآن سينتمي للسلطة التنفيذية، هاتفك وجهاز الملاحة خاصتك ومسجل الفيديو الرقمي“.

لا تعد مثل هذه الآراء خيالات أبدعها الروائيون.

وفي مؤتمر الحماية الذي عقد مؤخرا في سان فرانسيسكو، بحث العديد من رواد التكنولوجيا – المبرمجين والرياضيين الذين يستخدمون عمليات ليغوراتمية معقدة لأغراض التشفير- المعنى الأعمق من قضية آبل.

وفيما يتعلق بموكسي مارلينسبايك، فقد أبدى الرجل الذي يقف خلف حماية إرسال تطبيقات الإشارة وبروتوكول التشفير المستخدم من قبل فيسبوك في برنامج الدردشة ”واتساب“، قلقا حال خسارة ”آبل“، حيث شرح أن الحكومة ستلزم الشركة على تعديل برامجها المحملة من قبل متجر ”آبل“، كالذي بحوزته، لتصبح أكثر قابلية للمراقبة.

وقال: ”إن العالم الذي لا تهمل فيه الـ“FBI“ أي شي، هو العالم الذي تعرف فيه كل شيء“. وأشار على سبيل المثال أن الحركات الاجتماعية المقبولة الآن – مثل حقوق المثليين وحراك إنهاء العبودية –بدأت كحركات غير قانونية وشكل من أشكال العصيان المدني. لو لم يكن الحفاظ بالأسرار متوفرا لما بدأ مثل هذا الشكل من الحراك، وبذلك برر مقولته التالية ”أعتقد  أنه يجب أن يكون هناك إمكانية لخرق القانون“.

وادّعى، مؤسس التشفير المعاصر، وايت فيلد ديفي، بقوله ”إن الطغيان يبني آليات للقضاء على فرص الشعب في التحكم بأفعاله الخاصة“.

لا يدّعي أوباما وغيره من المسؤولين في واشنطن أنهم يريدون إقامة دولة مراقبة. إنّ العالم الذي يرسمونه عالم متوازن. يحتفظ المستهلكون به بخصوصية رقمية ولكن في الحوادث، يفقد المجرمون هذا الحق.

وكلما رسموا خطوطا لسياساتهم أصبح الأمر أقل وضوحًا وذلك لزيادة اعتماد الأميركيين على الأجهزة الموصولة بالإنترنت – ثلاجاتهم وسخاناتهم وسياراتهم وأقفال أبوابهم.

وأخبر جاسوس أميركا الشهير، جيمس كلابير، مجلس الشيوخ في شهر فبراير، أنّ كافة هذه الأجهزة تصبح أهدافاً مشروعة من قبل وكالات الاستخبارات وذلك لأغراض تحديد الهوية والمراقبة والرصد وتعقب المواقع وكأهداف للتجنيد.

من الممكن أن من لديه مواهب قرصنة وجاسوسية حاسوبية الآن، أن يملك فرصة في أن يكون مرشحًا في أن يصبح أداة في يد الشرطة بعد خمس سنوات، حتى لو قرر الأمريكيون قبولهم بهذا الأمر، فإنّ خسارة ”أبل“، رغم كل شيء، قد تخلق عالمًا، تنعدم فيه ثقة المستهلكين بأجهزتهم ولا يعودون يأمنون جانبها.

إن هذا أمر علينا تسويته أثناء دمج هذه الأنظمة في حياتنا، قال سولطاني. وأضاف: ”وإلا فإننا سنعود حتما لهذا العالم الذي لن نكف عن العودة إليه في كل مرة“.

سولطاني الذي غادر البيت الأبيض في فبراير، في إجازة من العمل مع الحكومة، يخطط للسفر لأحد السواحل البعيدة في كرفان للتخييم يمكنه أن يتحكم فيه وحده.

لكنه سيأخذ هاتفه الذكي معه.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com