بوتين وأوباما وترامب.. ”علاقة معقدة“

بوتين وأوباما وترامب.. ”علاقة معقدة“

د. سامي عمارة

لماذا تصر الإدارة الأمريكية الراحلة على الاعتراف علانية بفشلها وتشويه مؤسساتها التي طالما تباهت بها أمام مواطنيها والعالم؟ ولماذا تمعن هذه المؤسسات في جلد الذات، والاستمتاع بتلقي المزيد من الصفعات والإهانات، بدلا من التفرغ فى صمت لدراسة أسباب القصور وتفادي المزيد من الاعترافات التى تضر بالدولة ومؤسساتها وتنال من مكانة الرئيس الأمريكي الجديد؟!.

التساؤلات كثيرة ومنها ايضا ما يتعلق بالعجز الشديد أمام عدد محدود ممن يقولون إنهم اخترقوا المنظومة الأمريكية للمعلومات، بما فيها الخاصة بالحزب الديمقراطي الحاكم. ونمضي مع التساؤلات لنضيف إليها ما يتعلق بما تصر واشنطن الرسمية على ترويجه من إشاعات ومزاعم، بل ومعلومات ترقى من حيث المضمون، إلى حد اتهام الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب بالخيانة، والسقوط فى شرك أعداء الوطن بما ينال من سمعة الدولة ووقارها.

ولذا فمن الطبيعى أن يكون الاستنتاج الذى يمكن أن يخلص إليه القاصي والداني، وبغض النظر عن مدى وأبعاد وماهية علاقاته بالأنظمة التي تشارف مهمتها على نهايتها فى غضون الأيام القلائل المقبلة، هو أن روسيا تبدو اليوم وقد أجهزت على كرامة هذه الدولة بـ“القاضية“، وليس بالنقاط او لمس الأكتاف، حسب مصطلحات الرياضة التى حاولت واشنطن أن تستخدمها سلاحا ضد غريمتها التاريخية روسيا واستطاعت بذلك إبعادها عن ساحات المنافسة الشريفة مثلما حدث قبيل وخلال الدورة الأوليمبية الأخيرة في البرازيل.

وهنا يتساءل بسطاء المواطنين فى الداخل والخارج، عما كانت تفعله المخابرات المركزية الأمريكية طوال السنوات الماضية ومنذ راحت تعلن بأعلى الصوت أنها تظل السلاح الأمضى والأكثر فاعلية الذي طالما استخدمته الإدارات الأمريكية السابقة، جمهورية كانت أو ديمقراطية، في تحقيق النصر على الاتحاد السوفييتي السابق، لانفرادها بالقرار الدولي وفرض هيمنتها على العالم الأحادي القطب وليس المتعدد الأقطاب.

وبغض النظر عن عدم دقة هذه المزاعم والادعاءات، فإن ما شهدته الأشهر الأخيرة التى استغرقتها آخر الجولات الانتخابية لمرشحي الحزبين الجمهوري دونالد ترامب، والديمقراطي هيلاري كلينتون، من أحداث ووقائع تقول إن موسكو الرسمية، وتحديدا الرئيس فلاديمير بوتين وإدارة الكرملين، كانت شديدة الحرص على عدم التورط فيما قد يعتبره الناخب الأمريكي تأييدا لمرشح دون آخر، رغم اتساع مساحات التقارب والارتياح مع الكثير من تصريحات دونالد ترامب، وخاصة ما يتعلق منها بالأوضاع فى سوريا واوكرانيا، والموقف من شبه جزيرة القرم، واحتمالات التعاون مع بوتين فى مكافحة الاٍرهاب .

ورغم أن روسيا كانت ولا تزال تملك، وبحساب المصالح ومقتضيات اللحظة، حق متابعة مجريات الحملات الانتخابية الرئاسية، أينما جرت، تحسبًا لما من شأنه الإضرار بمصالحها الوطنية، فإن أحدا لم يستطع بعد رصد أو اكتشاف ما شاب ويشوب مواقفها من مخالفات قانونية، أو ما قد يعتبره البعض تدخلا في الشؤون الداخلية للغير.

لماذا إذن تصرخ «أمريكا» وتجأر بالشكوى مما تقول إنه «تدخل سافر» من جانب موسكو فى الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة؟. ألم تكن هي البادئة بالتدخل فى الشؤون السوفييتية؟ ألم تكن الإدارة الأمريكية إبان سنوات حكم الرئيسين الجمهوريين رونالد ريجان وجورج بوش الأب هي التى راحت تختال زهوا وفخرا بأنها كانت وراء إسقاط الاتحاد السوفييتي وتحقيق النصر فى الحرب الباردة فى نهاية تسعينيات القرن الماضي؟ ألم يكن جورج بوش الأب، وليس ميخائيل جورباتشوف، هو أول من تلقى تقرير حكام روسيا واوكرانيا وبيلاروس الذى أبلغه به بوريس يلتسين بعد توقيع اتفاقيات بيلافجسكويه بوشا في الـ 8 من ديسمبر 1991 والتى كانت الأساس القانوني لتفكيك الاتحاد السوفييتي،؟ ألم تعث واشنطن وعملاؤها فسادا فى روسيا والفضاء السوفييتى السابق طيلة تسعينيات القرن الماضي بمباركة ضمنية من بوريس يلتسين وأنصاره؟.

وفى استعراض «خاطف» لما جرى من أحداث ووقائع خلال الفترة التى أعقبت سقوط الاتحاد السوفييتى يمكن تلمس الأعذار لما يكون وقع من جانب موسكو، وبما يمكن أن يصدق معه القول إن «البادئ أظلم». وبهذا الشأن نعيد إلى الأذهان ما سبق وحذر الرئيس بوتين منه مرارا وتكرارا حول أن روسيا تحتفظ لنفسها بحق الرد. وكان قالها صراحة فى خطابه الذى ألقاه فى مؤتمر الأمن الأوروبى فى ميونيخ فى فبراير 2007 حول «إن الروس قادمون». قالها حين أعلن عن ضرورة انتهاء عالم القطب الواحد ووضع حد لانفراد قوة بعينها بالقرار الدولى بعيدا عن مؤسسات الشرعية الدولية. وقالها ثانية حين أعلن عزمه على استعادة قدرات بلاده العسكرية. وأعادها ثالثة ورابعة وخامسة، فى أكثر من مناسبة كشف خلالها عن ملامح تطوير ترسانته العسكرية بما فى ذلك إبان حملته العسكرية التى بدأها فى سوريا في الـ 30 من سبتمبر 2015. ونذكر أن بوتين كان استهل حملته الانتخابية قبيل ولايته الثالثة بعدد من المقالات والخطابات التى تناولت ضمنا العلاقات الروسية الأمريكية، وقال « لقد عملنا كثيرا لتطوير العلاقات الروسية الأمريكية فى السنوات الأخيرة. لكن تغييرا جوهريا لم يطرأ بعد على هذه العلاقات حتى اليوم، وأنها لا تزال تتعرض إلى المد والجزر لجملة أسباب، منها استمرار الآراء والكليشيهات القديمة». ومضى الرئيس الروسى ليؤكد «أن السبب الرئيس هو أن الحوار السياسي والتعاون بين روسيا وأمريكا لا يستندان إلى أساس اقتصادي وطيد». ولم يغفل بوتين الإشارة إلى أن محاولات الولايات المتحدة للتأثير على الحملات الانتخابية فى روسيا لا تساعد على تعزيز التفاهم المشترك».

هكذا صراحة حذر بوتين من محاولات تدخل الإدارة الأمريكية فى الحملات الانتخابية فى روسيا. إذن «أعذر من أنذر»! أليس كذلك؟ . المهم أنه وبمنطق الفروسية، لم يجأر بالشكوى ويصرخ عند كل قارعة طريق من تبعات ما يفعله الأمريكيون.

وفيما كان بوتين حذر -أيضا- من مغبة «الخطة الأمريكية لإقامة نظام دفاعي مضاد للصواريخ في أوروبا» إذ قال «إنها تُقلق روسيا بوصفها الدولة الوحيدة التى تملك قوات الردع النووى فى مجال عمل النظام المضاد المزمع إنشاؤه؛ ولأن هذه الخطة تخل بالتوازن العسكرى السياسي»، فقد عكفت مؤسساته الصناعية والعسكرية على دراسة ما يمكن أن ترد به «الصاع صاعين»، وهو ما كشف عن بعضه خلال عملياته العسكرية في سوريا من منظومات صاروخية متناهية الدقة والتي اطلقتها سفنه الحربية من جنوب غرب بحر قزوين وشرق المتوسط. وفي هذا الصدد نشير الى ما سبق أن أعرب عنه بوتين من استعداد للتعاون مع الولايات المتحدة حين قال فى معرض تناوله للعلاقات الروسية الأمريكية : «عموما، نحن مستعدون لتحقيق تقدم كبير بل واختراق نوعي على صعيد العلاقات مع الولايات المتحدة بشرط أن يتصرف الأمريكيون من منطلق الشراكة المتكافئة والاحترام المتبادل».

وأظن ان ذلك هو ما بلغ أسماع الرئيس الأمريكى الجديد دونالد ترامب، وما قد يكون أساسا جيدا لانطلاقة نوعية مغايرة لتلك التي بدأ بها الرئيس الامريكي المنتهية ولايته، حين أوفد وزيرة خارجيته هيلارى كلينتون إلى جنيف لتستعرض مع نظيرها الروسي سيرجي لافروف «آليتها الجديدة» لإعادة إطلاق العلاقات الروسية الأمريكية، والتى لم تكن سوى «ماكيت لزر إلكتروني»، أثبتت الأحداث التالية أنه لم يكن متصلا بأي آليات أخرى لتشغيله. ولذا فإن موسكو، وعلى ما يبدو ليست في عجلة من أمرها، وكأن لسان حالها يقول : «إن غداً لنَاظِرِهِ قريب»، وهو قول مأثور يمكن أن نضيف إليه قولا آخر: «وهل يجدي البكاء على اللبن المسكوب»؟.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com