هل يثير التقارب بين أنقرة وبكين غضب حلفاء تركيا الغربيين؟

هل يثير التقارب بين أنقرة وبكين غضب حلفاء تركيا الغربيين؟

بعد أن شهدت العلاقات التركية مع الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوربي شهورًا من البرود والتوتر، تسعى أنقرة إلى التقارب مع جمهورية الصين الشعبية؛ ما يضع تحالفاتها التقليدية أمام امتحان يتخوف محللون من تبعاته وتأثيراته على مستقبل العلاقات التركية مع الغرب.

وعلى الرغم من حرص تركيا وحلفائها الغربيين على بقاء الحلف الإستراتيجي وديمومته، يبدو أن تركيا ما بعد الانقلاب الفاشل الذي كاد يطيح بالحكومة منتصف تموز/يوليو الماضي، تسعى لتطبيق توجهات سياسية واقتصادية جديدة، من شأنها أن تثير غضب واشنطن وبروكسيل. إذ تسعى تركيا جاهدة لتنويع مصادر تعاونها التجاري والاقتصادي، لتخفف من اعتمادها على دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة؛ ما جعل بوصلتها تتجه شرقًا.

اتفاقيات غير مسبوقة

وفي خطوة هي الأولى من نوعها، قالت صحيفة تركية محلية أمس الثلاثاء، إن تركيا والصين وقعتا الأسبوع الماضي اتفاقية تعاون تهدف لتحفيز مليون مواطن صيني على الأقل لزيارة تركيا سنويًا ومثلهم من المواطنين الأتراك لزيارة الصين، ومن المقرر أن تصل أول قافلة من السياح إلى تركيا الأسبوع المقبل.

ووفقًا لصحف محلية تركية، فإن حجم التبادل التجاري بين الدولتَين تجاوز 27.2 مليار دولار العام الماضي، وتأمل تركيا تطوير التبادل التجاري عبر رفع مستوى التبادل الخدماتي، عبر الحصول على نسبة جيدة من السياح الصينيين القادمين إلى تركيا، الذين يُتوقَع أن تبلغ نسبتهم سائحًا واحدًا مقابل كل 4 سياح قادمين إلى أوروبا.

كما تعتزم الصين إنشاء خط سكة حديد يبلغ طولها 6000 كلم تمتد من مقاطعة شينجانغ الأيغورية في الصين حتى إسطنبول في تركيا، تحتوي على خطَّين أحدهما لنقل البضائع والآخر سريع لنقل الركاب، ومن المتوقع أن يدخل الخط الذي يمر بكل من قيرغيزستان وطاجيكستان وأوزبكستان وتركمانستان وإيران، حيز الخدمة عام 2020.

الانفتاح على الصين انعكاس للتقارب مع دول البريكس

ويأتي الانفتاح على العملاق الآسيوي كانعكاس لتوجه تركيا الجديد في التقارب مع مجموعة دول البريكس، التي تطلق على نفسها اسم “القوى الصاعدة”، وتضم إلى جانب الصين كلا من روسيا والبرازيل والهند وجنوب أفريقيا، وتحتل مساحة دولها 30% من مساحة العالم، ويشكل عدد سكانها 42% من عدد سكان العالم، كما يفوق إجمالي اقتصادها مجتمعًا اقتصاد الولايات المتحدة أكبر اقتصاد في العالم.

وكثف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، مطلع أيلول/سبتمبر الماضي، من لقاءاته مع قادة البريكس على هامش قمة العشرين في مدينة هانغتشو الصينية، ما فسره محللون أنه انعكاس لتوجه جديد.

وفي الوقت الذي تسعى فيه تركيا إلى رفع حجم التبادل التجاري مع روسيا إلى 100 مليار دولار بحلول العام 2020، وكذلك رفع التبادل التجاري مع الصين إلى 100 مليار دولار بحلول العام 2020 ، لتصبح الصين المصدر الأول للواردات التركية متفوقةً بذلك على ألمانيا، يحاول أردوغان تعزيز علاقاته مع كل من البرازيل والهند وجنوب أفريقيا.

ومنذ أكثر من عام تسعى الحكومة التركية إلى رفع حجم التبادل التجاري مع الهند، وتكثيف اللقاءات حول ضرورة تنمية اقتصاد البلدَين، في حين احتلت البرازيل المرتبة الأولى بين دول منطقة الكاريبي، على صعيد التبادل التجاري مع تركيا عام 2011، إذ بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين أكثر من 2.9 مليار دولار.

أسباب التوجه الجديد

تسببت الخلافات الأخيرة مع واشنطن حيال موقفها المتردّد من المحاولة الانقلابية، وامتناعها عن تسليم شيخ الدين المعارض محمد فتح الله غولن المقيم في أراضيها، المتهم الأول بالوقوف وراء الانقلاب الفاشل إلى الحكومة التركية، في توجه تركيا شرقًا وتلافي اعتمادها المفرط على الولايات المتحدة.

وتحاول تركيا الدولة المسلمة الوحيدة في حلف شمال الأطلسي (الناتو) وصاحبة ثاني أكبر الجيوش فيه، الضغط على الاتحاد الأوربي عبر التقارب مع الصين وروسيا، بالإضافة إلى استثمار ورقة وقف تدفق اللاجئين إلى القارة العجوز، لتفعيل محادثات انضمامها إلى الاتحاد الأوربي، ورفع تأشيرة الدخول إلى دول الاتحاد عن المواطنين الأتراك، وفقًا لاتفاقيات سابقة.

وفي أكثر من مناسبة وجه الاتحاد الأوربي انتقادات لاذعة ضد الحكومة التركية، تُعبّر عن اعتراضه على طريقة تعاطيها مع المعارضين وحملة التطهير التي أعقبت الانقلاب الفاشل بعد فرض حالة الطوارئ، واعتقال وفصل ونقل مئات الآلاف من القضاة والعسكريين والموظفين والإعلاميين، بالإضافة إلى التضييق على الحريات العامة، والمساس بمبدأ فصل السلطات بما يتعارض ومعايير الاتحاد.

منغّصات في العلاقات

ولا تخلو العلاقات التركية الصينية من منغّصات، يأتي على رأسها الخلافات حول منطقة الشرق الأوسط، إذ تُعدّ أنقرة راعية مشروع الإسلام السياسي في المنطقة، في حين تقف بكين موقفًا معاديًا له وتتقرب من الأنظمة الحاكمة في مصر وسوريا.

وتُعدّ الصين من الدول التي تأخرت في إدانة انقلاب تركيا الفاشل، حيث التزمت الجهات العليا في بكين بالصمت والترقب، إلى أن أرسلت نائب وزير الخارجية تشانغ مينغ، الذي أدان الانقلاب الفاشل لزيارة أنقرة بعد أسابيع عدّة.

كما تشكل قضية أقلية الأويغور الصينية المسلمة التي تربطها علاقات تاريخية بأنقرة، وتتهمها بكين بالضلوع بمحاولات انفصالية نقطة خلاف لا يستهان بها.

تاريخ العلاقات التركية الصينية

ويعود تاريخ العلاقات التركية الصينية إلى سبعينيات القرن الماضي، على خلفية التوجه الجديد للولايات المتحدة الحليف التقليدي لتركيا، لتحسين علاقاتها مع الصين.

ووقّعت تركيا صفقات شراء أسلحة من الصين في تسعينيات القرن الماضي، على خلفية تقييد الولايات المتحدة وأوروبا مبيعات الأسلحة لتركيا بسبب الخلاف حول القضية الكردية؛ ما دفع بأنقرة إلى البحث عن جهات بديلة، في حين أجرت القوات الجوية للدولتَين مناورات مشتركة متعدّدة؛ من بينها مناورة عام 2009.

إلا أن التقارب العسكري مع الصين اصطدم العام الماضي بالضغوطات الغربية، إذ ألغت أنقرة صفقة موقّعة عام 2013، لشراء نظام سلاح صاروخي متطور من إحدى الشركات الصينية الخاضعة لعقوبات أمريكية، في خطوة أثارت غضب واحتجاجات واشنطن وبروكسيل، بالإضافة إلى حلف “الناتو”.

ويعكس التقارب بين أنقرة وبكين التوجه الجديد لجمهورية الصين، الرامي للانخراط في قضايا المنطقة سياسيًا وأمنيًا وتجاريًا، بدأت إرهاصاته بالظهور بعد الفيتو الصيني الروسي المتكرر ضد قرار أممي يسمح باستخدام القوّة ضد دمشق.