تزايد القلق في إسرائيل من اتساع دائرة عزلتها الدولية

تزايد القلق في إسرائيل من اتساع دائرة عزلتها الدولية

المصدر: إرم - ربيع يحيى

يعتقد المؤرخ الإسرائيلي داني أورباخ، كبير المحاضرين بقسم دراسات شرق أسيا بالجامعة العبرية، أن ثمة ظاهرة خطيرة برزت مؤخراً في إسرائيل لا تتعلق بالنزعة اليمينية التي طغت على المجتمع أو التوجهات الأصولية الدينية اليهودية، أو حتى الصراع بين اليمين واليسار.

ويقول إن من يراقب وسائل الإعلام الإسرائيلية في الشهور الأخيرة، يلاحظ نزعة مثيرة للقلق، تتمثل في التعاطي المتهور وغير المحترف مع مسألة العزلة الدولية المتزايدة التي تعاني منها إسرائيل، وفقدانها حلفائها الغربيين، وهو الأمر الذي تمثل مؤخراً في قرار وسم منتجات المستوطنات في أوروبا.

ويشير أورباخ في مقالته التي نشرها موقع (واللا) العبري، إلى مواقف تيارات اليمين الديني التي تؤمن بحق إسرائيل على كامل أرضها، وهي التيارات التي تغلق أعينها لكي لا ترى هذه الحقيقة، على أمل أن يتغير العالم من تلقاء نفسه، معتبراً أن نائبة وزير الخارجية تسيبي حوتوفيلي نموذجاً بارزاً لهذا التيار، مضيفاً أنها ومن ينتمون لنفس الأيدولوجية يظنون أنه لو تمسك الإسرائيليون بإيمانهم بحقهم في أرضهم، فإن الأوروبيين والأمريكيين سيدعمون حقها في مستوطنات “يتسهار” و”إيتامار”.

ويذهب المؤرخ الإسرائيلي إلى أن ثمة تيار إسرائيلي آخر يعتقد أن العالم مجرد أداة تدور في فلك إسرائيل، وأنه بعد أن ضرب الإرهاب باريس، ظن البعض أنه ينبغي على هذا العالم أن يغير موقفه بشأن وسم منتجات المستوطنات، وأن تبدأ فرنسا في الاعتماد كلية على هذه المنتجات لكي تداوي جراحها، مثلما طالب الصحفي البارز دان مرجاليت في مقالة كتبها.

وينتقد أورباخ تيارات اليسار أيضاً، ويعتقد أن يائير لابيد رئيس حزب “هناك مستقبل” يعتبر نموذج لهذا الاتجاه، مع ميله إلى وسط الخارطة السياسية الإسرائيلية، ويرى في نفسه رئيس الحكومة القادمة، حيث يتهم رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بالكذب، ليس لأنه يعاني اضطهاداً واحتلالاً إسرائيلياً، ولكن لكونه كاذب بشكل مجرد، وأنه لو حاولت فتاة فلسطينية طعن جندي إسرائيلي عند حاجز، فإنها تفعل ذلك لأنها تريد قتل اليهود، وليس لأنها واجهت هذه الحواجز المذلة.

وتعكس وسائل الإعلام الإسرائيلية جميع هذه الاتجاهات، وتزيد على ذلك، فحين تنشر وسائل الإعلام الدولية تقريراً ضد إسرائيل، فإن نظيرتها الإسرائيلية تبدأ في التعامل مع الأمر ليس من منطلق أن إسرائيل تورطت في أمر ما خاطئ، ولكنها على الفور تبدأ في توجيه الاتهامات المعلبة بشكل مسبق، والتي تركز على اتهامها بالسطحية أو معاداة السامية.

وعلى هذه الشاكلة، يحذر المؤرخ الإسرائيلي من أن وسائل الإعلام والمتحدثين الإسرائيليين توقفوا عن الحديث عن دوافع وأسباب الإرهاب، وركزوا على اتجاه خاطئ، ينص على أن الإرهاب يقتل الإسرائيليين لأنهم يهوداً.

وأضاف أن الكثير من الكُتاب والمحللين من اليسار واليمين يعالجون المسألة من تلك الزاوية، ويشكلون بذلك الرأي العام وتوجهات السياسيين الإسرائيليين، والذين ينظرون إلى العالم عبر عدسات مظلمة، ويركزون على التباكي والشكوى والظهور بمظهر الضحية، فيما يتم إتهام كل من يحاول معالجة الأوضاع من زوايا صحيحة باتهامات باطلة.

ويقول أورباخ إنه في أعقاب الهجمات الإرهابية التي ضربت باريس، يمكن القول إنه لا يمكن تبرير الإرهاب، ولكن ثمة خطأ فادح فيما يتعلق بعدم السعي لفهم دوافعه وأسبابه، ووقتها سيمكن محاربته حتى إبادته، حين تكون الصورة قد اكتملت بشأن فهم دوافع هذا الإرهاب.

ويعتقد المؤرخ الإسرائيلي أنه ينبغي فهم الإرهاب بشكل دقيق من أجل الانتصار عليه، تماماً مثلما تسعى كل دولة لفهم دولة أخرى تعاديها، ويضيف أن فهم الإرهاب لا يعني النظر إليه طبقاً لما يدور في رأس الجميع من خيالات بشأن هذا الإرهاب، أو من منطلق الخير والشر أو النور والظلام، أو حرب الحضارات، كما لا ينبغي النظر إلى المسألة من منطلق إلى أي مدى يكرهنا الإرهابيون وإلى أي مدى نحن على حق، على حد قوله.

ويطالب أورباخ بتقدير واع ودقيق وفهم استراتيجي للواقع المعقد، وقراءة سليمة لخارطة المنطقة وإدراك طبيعة الأدوار التي يقوم بها اللاعبون الآخرون بالمنطقة، وتحديد دوافع كل طرف، ووقتها سيمكن فهم كيفية إدارة اللعبة من أجل تقليص مخاطرها وتحقيق أقصى استفادة منها.

ويختتم المؤرخ الإسرائيلي مقالته بالقول إن الدخول في اللعبة لا يتطلب خبراء يجيدون التعامل مع “فيسبوك“، أو واضعي استراتيجيات للعبة الشطرنج، ولكنه يتطلب مخططين استراتيجيين حقيقيين، يمكنهم دراسة الواقع المعقد بنظرة حكيمة ومجردة من أية تأثيرات عاطفية أو سياسية، لكي يمكنهم توفير حلول عجز عنها رئيس حكومة نتنياهو لا يفهم سوى أنه يريد الحفاظ على الوضع القائم.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع