نفوذ التنّين الصيني وإساءات ترامب يضيّعان أفريقيا من يد أمريكا – إرم نيوز‬‎

نفوذ التنّين الصيني وإساءات ترامب يضيّعان أفريقيا من يد أمريكا

نفوذ التنّين الصيني وإساءات ترامب يضيّعان أفريقيا من يد أمريكا

المصدر: إرم نيوز- حنين الوعري

باتت أفريقيا تتحول بسرعة، غير أن نهج الولايات المتحدة تجاهها لا يبدو أنه يجاري الوتيرة المتسارعة للتحول، وفقًا لمجلة ”فورين أفيرز“ الأمريكية.

وقالت المجلة إن التزامات الصين تجاه القارة الآن أقوى من أي وقت مضى، وهو ما يتضح من المنتدى المقبل حول التعاون الصيني الأفريقي، الذي ستقوم الصين والدول الأفريقية بتقويته بالتعاون فيما بينهما بشأن مبادرة ”الحزام والطريق“، التي تعرف أيضًا باسم ”طريق الحرير الجديد“، وتوقيع مجموعة من الاتفاقيات الثنائية، والتوقيع على بيان رسمي يدعو “ لمجتمع أقوى بمستقبل مشترك بين الصين وأفريقيا“.

وفي غضون ذلك،  قرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الانتظار عامين قبل أن يعين أخيرًا مساعدًا لوزير الخارجية الأمريكي للشؤون الأفريقية في الشهر الماضي، وقد ارتكبت إدارته سلسلة من الأخطاء الدبلوماسية في علاقاتها مع القارة، مثل ازدراء رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي في زيارة فاشلة لواشنطن ومعاقبة رواندا لفرض رسوم جمركية على الملابس المستعملة من الولايات المتحدة.

وعلى مستوى أعمق، فشلت الولايات المتحدة في تحديد أي نوع من الأجندة الجدية وطويلة الأجل للمشاركة مع أفريقيا، تاركةً قادة القارة يتساءلون عن مستقبل الشراكة بين الولايات المتحدة وأفريقيا.

وكانت ميلانيا ترامب قد أعلنت في 20 آب/أغسطس أنها ستقوم برحلة وحدها إلى أفريقيا في تشرين الأول/ أكتوبر المقبل رغم أن أهداف ومسار الرحلة لم يعلن عنهما بعد، لكن هذه الزيارة تأخرت كثيرًا، بحسب المجلة.

التنين الصيني يطرد العم سام

وأكدت المجلة أن التغييرات في الحظوظ الاقتصادية لأفريقيا قادت العديد من الدول لإنتهاز الفرص المتاحة هناك،. لتحل محل الفرص المحتملة للشركات الأمريكية، وكانت أكثر الدول عدوانية من بين هذه الدول هي الصين.

وبحلول عام 2016، أصبحت الصين أكبر شريك تجاري لأفريقيا، ومنشئة للوظائف، ومصدر للاستثمار الأجنبي المباشر، وفي أواخر شهر تموز/ يوليو من هذا العام، في أول رحلة خارجية لفترة رئاسته الثانية، أكمل الرئيس الصيني شي جين بينغ  جولة متعددة الدول في موريشيوس ورواندا والسنغال وجنوب أفريقيا.

ونبه الاستثمار الصيني الدول الأخرى للإمكانيات المالية للقارة، كما قالت الصحيفة، حيث أكمل رئيس الوزراء الهندي نارندرا مودي جولة الى دول متعددة في أنحاء أفريقيا في أواخر تموز/ يوليو، حيث زار رواندا وجنوب أفريقيا وأوغندا.

نمو تجارة الدول مع أفريقيا

وقد أشارت المجلة إلى نمو التجارة الثنائية بين الهند والدول الأفريقية من 5.4 مليار دولار في عام 2001، إلى ما يزيد عن 70 مليار دولار في عام 2013، وهو أكثر من التجارة الهندية الثنائية مع الولايات المتحدة في تلك السنة.

كما نمت التجارة الثنائية بين تركيا والدول الأفريقية بستة أضعاف بين عامي 2003 و2017، لتتجاوز 17 مليار دولار في ذلك العام، في جميع هذه الحالات الثلاث، الصين والهند وتركيا، اتخذت الحكومات قرارات سياسية متعمدة أسفرت عن نمو سريع في انخراطها الاقتصادي مع البلدان الأفريقية.

ولم يقتصر النفوذ الصيني على الجانب الاقتصادي، فبكين التي لطالما كانت مترددة في الانخراط العسكري خارج الدول المجاورة لها بشكل مباشر، أصبحت تملك الآن ما يزيد عن 2400 جندي لحفظ السلام يخدمون في ست عمليات حفظ سلام تابعة للأمم المتحدة، انطلاقًا من إدراكها بأن مشاريعها التجارية يمكن أن تزدهر فقط في بيئة من الأمن المادي.

وأصبحت جيبوتي الصغيرة التي تعد أصغر حجمًا من حيث المساحة وعدد السكان من الكومنولث ماساتشوستس، مواطنًا لأكبر عدد من القواعد العسكرية الأجنبية على مستوى العالم، حيث تستضيف قوات من الصين، وفرنسا، وإيطاليا، واليابان، والولايات المتحدة، وتحذو المملكة العربية السعودية حذوهم قريبًا. وتسمح هذه القواعد لشاغليها بدعم العمليات البحرية في ممرات شحن رئيسة في البحر الأحمر.

وأكدت المجلة أنه مع انتشار هذه الشراكات الدولية، أصبح هناك شعور عام بين النخب السياسية الأفريقية بأن الولايات المتحدة تفتقر إلى سياسة متماسكة تجاه أفريقيا، وأنها تتخلى عن موقفها كشريك مفضل للدول والمنظمات الأخرى، لا سيما الصين والاتحاد الأوروبي.

وشددت المجلة على أن فشل ترامب في تعيين مساعد لوزير الخارجية الأمريكي للشؤون الأفريقية، إلا بعد ما يقرب من عامين من رئاسته، أرسل رسالة سلبية حول وضع الولايات المتحدة أفريقيا كأولوية.

وشعر المسؤولون الأفارقة وغيرهم من الشركاء بالأسف لغياب المُحاور الرئيسي في الحكومة الأمريكية، إذ يستطيع تطوير سياسة الولايات المتحدة تجاه أفريقيا بشكل منهجي، سواء في واشنطن أو في الميدان.

وكان تعيين السفير تيبور ناجي مساعدًا جديدًا لوزير الخارجية للشؤون الأفريقية في حزيران/  يوليو 2018 تطورًا محمودًا، لكن لديه الكثير للتعويض عنه لتقوية العلاقات مع القارة، وسيحتاج إلى مساعدة الرئيس و الإدارة للقيام بذلك.

ترامب يسيء لأفريقيا

وأشارت الصحيفة إلى أن إدارة ترامب قوضت سلطتها بشكل كبير خلال زيارة وزير الخارجية السابق ريكس تيلرسون ”الكارثية“ إلى تشاد وجيبوتي وإثيوبيا وكينيا ونيجيريا في آذار/ مارس 2018.

وفصل ترامب تيلرسون بشكل غير منهجي، بينما كانت الرحلة لا تزال جارية، وهي خطوة ينظر إليها العديد من الأفارقة على أنها دليل آخر على أن الإدارة لا تأخذ أفريقيا على محمل الجد.

ولا تزال إشارة ترامب المشينة للدول الأفريقية بأنها ”دول حثالة“ في كانون الثاني/ يناير 2018 تثير الغضب، على الرغم من الرسالة التي بعث بها إلى جمعية رؤساء دول وحكومات الاتحاد الأفريقي أثناء تجمعهم في أديس أبابا بعد أيام قليلة من الإهانة، مسلطًا الضوء على  التعاون بين الولايات المتحدة وأفريقيا.

وبداعي الإنصاف، ذكرت المجلة أن البيت الأبيض قام ببعض الجهود لعكس التصورات بلامبالاته بأفريقيا، لكن هذه الجهود تأتي أيضًا بالمزيد من الأخطاء. ففي أيلول/ سبتمبر 2017، استضاف ترامب غداء عمل لتسعة رؤساء دول وحكومات أفارقة، على هامش اجتماع الجمعية العامة السنوي للأمم المتحدة.

وورحب ترامب خلال هذا الغداء عن طريق الخطأ برئيس ناميبيا بلفظه الاسم بصورة خاطئة قائلًا ”نامبيا“، لكنه قفز على نحو غريب إلى الاعتراف بالآفاق الاقتصادية المتزايدة للقارة بقوله ”أفريقيا لديها إمكانات تجارية هائلة“.

ثم قال ترامب في الاجتماع: ”لدي الكثير من الأصدقاء الذين يذهبون إلى بلدانكم، ويحاولون أن يصبحوا أثرياء، أنا أهنئكم“، كما استضاف الرئيس الأمريكي رؤساء النيجر وكينيا، ورئيس الوزراء الإثيوبي.

تصحيح المسار

ونوّهت المجلة إلى أن التحديات التي تواجه السياسة الخارجية لأمريكا في أفريقيا أعمق من مجرد اللباقة الدبلوماسية ونقص الموظفين. فأولًا لم تبدِ الولايات المتحدة أي رد فعل تجاه الأولويات التي وضعتها وحددتها الدول الأفريقية لنفسها. حيث تدعو خطة عمل الاتحاد الأفريقي 2036 – وهي خطة على مستوى القارة لتطويرها خلال فترة العشرينيات من القرن الحالي- لتطوير البنية التحتية، وضع الهيكل الأمني، وتطوير الصحة والتعليم.

وذلك من خلال برامج رائدة مثل شبكة السكك الحديدية عالية السرعة التي ستربط بين جميع العواصم الأفريقية، واستحداث منطقة تجارة قارية حرة متكاملة.

والأهم من ذلك بحسب المجلة هو أن ذلك الأمر بارز وواضح جدًا من الناحية السياسية لدرجة أن المسؤولين الأفريقيين دائمًا يشيرون إليه في نقاشاتهم السياسية على المستوى القاري والإقليمي والدولي، إلا أن الولايات المتحدة لم تُقدم على أي خطوة حقيقة من شأنها أن تضبط مساهمتها ومساعدتها على التطوير أو الانخراط سياسيًا، أو وضع إستراتيجية دبلوماسية تأخذ في الحسبان أهمية أجندة 2036 للقادة الأفريقيين وعلاقة الأمر بالشراكة الأمريكية الأفريقية.

وبحسب ما قال أحد مسؤولي الاتحاد الأفريقي: ”الأمريكيون ليسوا في أفريقيا من أجلنا، إنهم هنا من أجل أنفسهم“. في المقابل، فإن واحدة من المخرجات المتوقعة من اجتماع منتدى التعاون الصيني الأفريقي، هي أن تتم مزامنة مبادرة طريق الحرير الجديد مع أهداف أجندة 2063 وأهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة.

في أفريقيا في غنى عن واشنطن

وأكدت المجلة أنه بالنظر إلى أهمية أمريكا الدبلوماسية وقدراتها الأمنية وحجم اقتصادها، فإن لديها القدرة للمحافظة على شريك هام في أفريقيا إذا غيرت مسارها، غير أن ظهور شركاء جدد تتناسق أهدافهم مع الاتحاد الأفريقي، أضف إلى ذلك التأكيد المستمر من القادة الأفريقيين على حاجتهم الملحة للشركاء، عمل على تغيير طبيعة التعاطي مع الدول غير الأفريقية والمنظمات، وبشكل أكثر تحديدًا، فإن ذلك يعطي الأفريقيين خيارات أخرى للشراكة لم تكن متاحة لهم سابقًا.

وأشارت ”فوين أفيرز“ أنه بناءً على ما سبق، يتوجب على الحكومة الأمريكية أن تأخذ بعين الاعتبار اتباع خطوات من شأنها إعادة تموضع انخراطها الرسمي في أفريقيا، منها إجراء وزارة الخارجية حوارًا هيكليًا مع الاتحاد الأفريقي يدور حول أجندة 2063.

وبعد ذلك، على ترامب أن يرسل وزير الخارجية مايك بومبيو وتيبور ناغي مساعد وزير الخارجية لشؤون أفريقيا إلى القارة قبل نهاية عام 2018؛ من أجل تقوية العلاقات الإقليمية بين الطرفين.

وأشارت المجلة أيضًا إلى أنه يجب على مجلس الاستخبارات القومي، أن يقوم بتقييم رسمي للشراكات الخارجية الثنائية، والمتعددة الأطراف لحكومة الولايات المتحدة في أفريقيا؛ لفهم أثرها على المصالح الأمريكية.

وعلى ترامب أن يتبنى وبالكامل توصيات نيسان/ أبريل 2018، التي صدرت عن المجلس الاستشاري لممارسة الأعمال في أفريقيا، لتطوير إستراتيجية اقتصادية شاملة لانخراط القطاع الخاص في أفريقيا.

واختتمت مجلة ”فورين أفيرز“ مقالها بأنه يجب على الولايات المتحدة أن تتصرف بصورة سريعة وإستراتيجية، لتعديل نهجها تجاه القارة المتغيرة، وإلا فإنها ستتخلف عن الركب، وتفقد بسرعة نفوذها السياسي في أفريقيا، سواء على المستوى الثنائي أو متعدد الأطراف، وأن أفريقيا لا تقف مكتوفة الأيدي، بينما تفكر حكومة الولايات كذلك في الكيفية التي ينبغي أن تنخرط فيها وتتعافي من أخطائها.

لكن المكاسب التي سيحققها الشركاء الآخرون، مثل الصين والاتحاد الأوروبي، ستقيد في النهاية الخيارات المتاحة أمام الولايات المتحدة، لتشكيل التطورات في القارة بطريقة تدعم مصالحها الخاصة وكذلك أولويات البلدان الأفريقية.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com