رغم انتخابهم قيس سعيّد.. الإحباط يسيطر على شباب تونس – إرم نيوز‬‎

رغم انتخابهم قيس سعيّد.. الإحباط يسيطر على شباب تونس

رغم انتخابهم قيس سعيّد.. الإحباط يسيطر على شباب تونس

المصدر: رويترز

لا يبدو أن التصويت للتغيير في تونس سيقنع الشباب التونسي لعدم البحث عن بدائل لتوفير حياة كريمة، إذ لا تزال قوارب الهجرة تغادر باستمرار، وسط حالة إحباط يعانيها التونسيون خصوصًا فئة الشباب.

وتناولت وكالة ”رويترز“ في تقرير معاناة الشباب في تونس، ورغبتهم الكبيرة للهجرة، بسبب الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، واقتناعهم بأن الرئيس الجديد قيس سعيد لن يكون قادرًا على إحداث التغيير المنشود.

ونقلت الوكالة قصة الشاب فاخر الحميدي، الذي استغرق 10 دقائق فقط ليتسلل إلى خارج منزله ويشق طريقه أمام مقاهي حي طينة، حيث يقضي شبان عاطلون عن العمل أغلب ساعات يومهم، قبل أن يصل إلى الشاطئ وينقله قارب صغير إلى مركب اكتظ بعشرات المهاجرين أبحروا خلسة من تونس باتجاه سواحل إيطاليا.

الوصية الأخيرة

وغادر الحميدي بيته الواقع جنوب العاصمة في ساعة متأخرة من الليل قبل أن تصل أول أخباره للعائلة في اليوم التالي، حيث اتصل بوالده مذعورًا من رقم هاتف محمول إيطالي ليخبره بكلمات ستظل عالقة في ذهنه طويلًا: ”إننا في خطر.. المركب يغرق قرب السواحل الإيطالية.. اطلب من أمي أن تسامحني.. سأموت“.

وكان الحميدي، البالغ من العمر 18 عامًا، واحدًا من عدة أشخاص من حي طينة بصفاقس ومن بين عشرات آخرين ما زالوا في عداد المفقودين بعد أن انقلب مركبهم قبالة جزيرة لامبيدوسا الإيطالية قبل نحو أسبوعين، مع انضمام المزيد من التونسيين المحبطين إلى رحلات المهاجرين للحلم الأوروبي.

وهذه الخسارة الفادحة لعائلة الحميدي والرغبة الجامحة بين العديد من شبان طينة وغيرها من مناطق البلاد شمالًا وجنوبًا للقيام بنفس الرحلة المحفوفة بالمخاطر، تظهر بوضوح الإحباط الاقتصادي الذي دفع الناخبين إلى الرفض الشديد للنخبة السياسية الراسخة في البلاد في الانتخابات الأخيرة.

وفي انتخابات برلمانية جرت في السادس من اكتوبر الحالي، أي قبل يوم من غرق قارب الحميدي قرب سواحل إيطاليا، لم يفز أي حزب بأغلبية مريحة وتم انتخاب الكثير من المستقلين.

ويوم الأحد الماضي، انتخب التونسيون أستاذ القانون قيس سعيد الذي لم ينفق على حملته الانتخابية إلا القليل، وهو وافد جديد على الساحة السياسية، رئيسًا للبلاد، فيما أصبح يُعرف في تونس بأنه زلزال سياسي.

وفي بيت الحميدي المتواضع وهو من البيوت الشعبية التي باعتها الدولة بأسعار منخفضة نسبيًا والذي تكافح الأسرة من أجل تسديد أقساطه في موعدها، يجلس والداه يمزقهما الحزن.

ويقول مختار (55 عامًا) والد الشاب الضحية: ”الشباب هنا محبطون للغاية. لا توجد وظائف.. ليس لديهم ما يفعلونه سوى الجلوس في المقاهي وشرب القهوة أو تعاطي المخدرات، وسط لا مبالاة تامة من الحكام المنغمسين في معاركهم على الكراسي.“

وفقد مختار وظيفته كسائق قبل عامين، ولم يتمكن من العثور على عمل منذ ذلك الحين.

أما زكية والدة فاخر فتطبخ في البيت ”البريك“ وهي أكلة تقليدية تونسية معروفة وتبيعه لجني القليل من المال الإضافي، وتعمل أختاه سندس (29 عامًا) وناهد (24 عامًا) في متجر للملابس.

وصرفت العائلة كثيرًا من المال الذي امتلكته على ابنهم فاخر الذي كان يحلم بالهجرة إلى أوروبا، التي كانت تغريه كثيرًا، و كان يردد ذلك بصوت مرتفع في البيت.

ولم يكن فاخر الحميدي وعائلته بحاجة سوى للصعود إلى سطح البيت ليروا قوارب المهربين تنطلق مكتظة بمهاجرين محليين وأفارقة. يقولون إن ”شاطئ الطابية“ في طينة أصبح مثل ”محطة حافلات“، في إشارة لتواتر الرحلات من نفس المكان.

نصف الشباب يفكر في الهجرة

وفي مقهى على مقربة من بيت الحميدي يجلس العشرات معظمهم من الشبان ليدخنوا السجائر ويحتسوا القهوة.

منجي كريم (27 عامًا) أحد هؤلاء الشبان المحبطين قال إنه سيأخذ القارب التالي إلى أوروبا إذا توفر له ما يكفي من المال لدفع ثمن الرحلة، على الرغم من أنه فقد أصدقاء له في البحر في طريقهم لأوروبا.

وأظهر استطلاع أجرته شبكة ”البارومتر“ العربي للبحوث أن ثلث التونسيين وأكثر من نصف الشباب يفكرون في الهجرة إلى إيطاليا، في ارتفاع بنسبة 50 % تقريبًا منذ ثورة 2011.

وفي الأسابيع الأخيرة زادت مراكب الهجرة باتجاه إيطاليا من تونس، ليستغل المهربون انشغال الأمن بالتركيز على الانتخابات البرلمانية والرئاسية.

وفي كثير من الأحيان تخرج عدة مراكب من نفس المكان في وقت واحد وتصل في وضح النهار إلى صقلية ولمبيدوسا، حيث يفلت كثيرون من المراقبة الأمنية ويصلون إلى داخل إيطاليا بعد ذلك بعيدًا عن أعين الشرطة.

وتتراجع وتيرة هذه الرحلات أحيانًا ولكنها لم تتوقف قط رغم سن إيطاليا تشريعات صارمة خلال العام المنصرم لإثناء سفن الإنقاذ عن العمل في البحر المتوسط، في محاولة لخفض عدد طالبي اللجوء الذين يصلون إلى البلاد.

الشاب كريم مثل كثير من أقرانه في المنطقة عاطل عن العمل وأحيانًا يعمل لأيام قليلة، وهو محبط من الوضع الاقتصادي وفقدان فرص العمل ومن تردي مستوى المعيشة والخدمات العامة.

ويشير كريم بيده إلى الطريق قائلًا:“انظروا حتى الطريق غير معبد كله حفر.. انظروا الأوساخ ملقاة يمينًا وشمالًا.. لا شيء يُعجب هنا“.

بسبب البطالة وسوء الأوضاع يلقي هذا الشاب باللوم على الحكومة، وهو لم يصوت في الانتخابات البرلمانية أو الرئاسية، ويقول إنه غير مهتم بالحياة السياسية.

ويوضح: ”السؤال ليس لماذا لم أصوت.. الأصح لماذا يجب أن أصوت أصلًا؟ لم يتغير شيء بل الوضع يزداد سوءًا كل يوم“.

وتصل معدلات البطالة في تونس إلى 15.3 %، وبطالة الشبان وخصوصًا حاملي الشهادات الجامعية معضلة حقيقية تؤرق الحكومات المتعاقبة.

أمل مع قيس سعيّد

وفي الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية التي أجريت في 15 سبتمبر/ أيلول وفي الانتخابات البرلمانية كانت نسبة إقبال الناخبين الشبان ضعيفة.

ولكن مع ترشح قيس سعيد المناهض للمؤسسة السياسية الراسخة للجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية دعمه الشبان بشدة وأقبلوا على الاقتراع، وكانوا قوة حقيقية ساهمت في فوز كاسح على منافسه نبيل القروي ومهدت الطريق ليصبح رئيسًا للبلاد.

لكن دعمهم لمرشح يروج لخروج واضح عن السياسة التقليدية لما بعد الثورة يلقي الضوء بالخصوص على إحباطهم من الاتجاه الذي سلكته تونس في ظل الحكومات السابقة، وعدم معالجة مشكلات البطالة والفقر والخدمات العامة.

وفي طاولة بجانب كريم في المقهى يرفع فتحي الحاج البالغ من العمر 32 عامًا إصبعه الذي لونه الحبر مثبتًا أنه صوت يوم الأحد، وقال: ”لا يمكنني تخيل شاب صوت لغير قيس سعيد في جولة الإعادة.. هو ليس اقتناعًا كاملًا لسعيد بقدر ما هو عقاب لطبقة سياسية باعتنا الأوهام“.

ويقول مختار الحميدي والد فاخر إنه حين اندلعت ثورة تونس 2011 كان لدى الناس أمل كبير في أن تتغير الأوضاع للأفضل، لكن من الناحية الاقتصادية ساءت الأمور.

ويضيف أن ابنه فاخر لم يكن يرى إلا القليل من الأمل في السياسة، وهو يرى أن السياسيين لا يكترثون إلا بالمناصب ولا يهتمون بتوفير مستقبل جيد له ولأنداده.

وعلى الرغم من الزيادة الواضحة في الدعم الشبابي لسعيد كرئيس، فقد كان حريصًا على عدم تقديم أي وعود بشأن مستقبل تونس لا اقتصاديًا ولا اجتماعيًا، بل تعهد تحديدًا بأن يطبق القانون بقوة وبعدالة.

وسيكون الملف الاقتصادي من أبرز التحديات التي تواجه الحكومة المقبلة التي لن يكون تشكيلها سهلًا؛ بسبب النتائج التي أفرزت برلمانًا أشبه بالفسيفساء يضم تيارات متنافرة ومستقلين.

الأولويات المقبلة لأي حكومة ستكون محاربة تفشي البطالة ومقاومة التضخم وتحسين الخدمات العامة والموازنة بين طلبات النقابات وضغوط المقرضين الدوليين.

وأي تحسن سيكون متأخرًا للغاية بالنسبة لعائلة الحميدي التي تعاني لوعة فقدان ابنها، والتي لا تزال تنتظر منذ أسبوعين أي إشعار من السلطات التونسية أو الإيطالية عن مصير الشاب.

ويقول مختار الحميدي وهو يبكي بحرقة هو وزوجته زكية: ”فاخر كان يقول لي دائمًا: أريد الذهاب إلى فرنسا. هذا حلمي. ليس هناك مستقبل هنا. لا يمكنك العثور على وظيفة منذ عامين. فكيف يمكنني ذلك؟“

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com