ما مستقبل العلاقات المغربية الموريتانية بعد وصول ولد الغزواني إلى كرسي الرئاسة؟‎

ما مستقبل العلاقات المغربية الموريتانية بعد وصول ولد الغزواني إلى كرسي الرئاسة؟‎

المصدر: الرباط – إرم نيوز

من المرتقب أن تدخل العلاقات المغربية الموريتانية والتي توصف بـ“المعقدة“، منعطفًا جديدًا، عقب وصول وزير الدفاع الموريتاني السابق محمد ولد الغزواني إلى كرسي الرئاسة خلفًا لمحمد ولد عبدالعزيز.

وقبل أن يكتسح ولد الغزواني صناديق الاقتراع، ظل هذا الأخير يبعث برسائل مشفرة إلى الرباط مفادها أن نواكشوط ستتعامل بطريقة مغايرة مع ”العدو“ الأول للمملكة وهي جبهة ”البوليساريو“ المطالبة باستقلال الصحراء. ومن بين تلك الرسائل رفض ولد الغزواني التعامل مع الجبهة، وكذا مراجعة منح ساكنة تندوف جنوب الجزائر أوراق الإقامة في نواكشوط.

أسباب الصراع

وشكلت قضية الصحراء الغربية مثار حساسية في العلاقات بين المغرب وموريتانيا في فترة الرئيس الموريتاني المنتهية ولايته، إذ اتهمت الرباط نواكشوط، بعدم الحياد في ملف الصحراء وانحيازها لجبهة ”البوليساريو“، الأمر الذي كانت تنفيه موريتانيا.

لكن استقبال مجموعة من المسؤولين عن الجبهة بقصر الرئاسة في نواكشوط من حين لآخر في عهد ولد عبدالعزيز كان يذكي الخلاف مع الرباط والتي تصر على أحقيتها في الصحراء.

وبسبب هذه القضية المثيرة للجدل، عاشت العلاقات المغربية الموريتانية أسوأ مراحلها بين 2011 و2016، رغم محاولة البلدين التعتيم على ذلك.

كما تسببت تصريحات الأمين العام السابق لحزب الاستقلال المغربي حميد شباط العام 2016، والتي اعتبر فيها موريتانيا جزءًا من المملكة المغربية، في أزمة حادة، قبل أن يعتذر حزبه، ويوفد الملك محمد السادس رئيس الحكومة يومها عبدالإله بنكيران للاعتذار للرئيس محمد ولد عبدالعزيز.

وقبل انتهاء ولاية ولد عبدالعزيز تطورت العلاقات الدبلوماسية بشكل ملفت وذلك بعودة السفراء بين المغرب وموريتانيا، لكن رغم ذلك ظل الحذر هو سيد الموقف في عدد من المناسبات.

دماء جديدة

ويرى مراقبون، أن محمد ولد الغزواني قد ينهي هذا الصعود والهبوط في العلاقات، كما بإمكانه أن يشكل الخيار المفضل للمغرب، بحكم موقفه من جبهة ”البوليساريو“، كما نسج الرئيس الموريتاني الجديد علاقات طيبة مع المسؤولين المغاربة حين كان مديرًا للأمن وقائدًا لأركان الجيش، وله علاقة شخصية وطيدة مع ياسين المنصوري، المدير العام لإدارة الدراسات والمستندات “لادجيد“.

وحيال ذلك، قال عبدالفتاح الحيداوي، المحلل السياسي المغربي، إن العلاقات بين الرباط ونواكشوط اتسمت بالحذر منذ سنوات طويلة لمجموعة من الأسباب أبرزها الخلاف الحاد حول قضية الصحراء، فالمعطيات الموثوقة تؤكد أن نواكشوط كانت تميل إلى أطروحة ”البوليساريو“ وتساندها بكل السبل على غرار الجزائر.

وأضاف الحيداوي في حديث مع ”إرم نيوز“، أن ”فكر الرئيس الموريتاني الجديد قد يكون مخالفًا لسلفه في هذه القضية بدليل الرسائل المشفرة التي بعث بها إلى المغرب في السابق“. مؤكدًا أن كلفة نزاع الصحراء أثرت على دول الجوار وعلى بناء حلم المغرب العربي القائم على التعاون.

وشدد المحلل السياسي، على أن المغرب يدرك بدوره أن العلاقات مع موريتانيا ورغم تحسنها بعض الشيء لم تصل بعد إلى حجم التطلعات.

ويعتقد المتحدث، أن العلاقات ستتحسن في عهد ولد الغزواني على كل الأصعدة لأن المرحلة والتطورات التي تعيشها المنطقة لا تسمح بمزيد من الصراعات.

ضرورات التوجه جنوبًا

في السنوات الأخيرة، اتبع المغرب توجهًا إفريقيًا ضمن استراتيجيته للتعاون جنوب-جنوب، وتجسد ذلك التوجه، من الناحية المؤسسية، في العودة إلى الاتحاد الإفريقي مطالع 2017 وطلب عضوية المجموعة الاقتصادية لدول إفريقيا الغربية في الشهر الموالي.

واستندت الاستراتيجية الإفريقية للمغرب على مستند اقتصادي قوي هو الحضور المتنامي للقطاع الخاص المغربي بعدد من بلدان المنطقة وفي قطاعات حيوية مثل البنوك والمالية، والفلاحة، والاتصالات، والكهرباء والطرق.

وفي السنوات الأخيرة، تحولت موريتانيا، بحكم الموقع الجغرافي، إلى حلقة وصل بين المغرب وغرب إفريقيا، وباتت ممرًا للحركة التجارية النشطة بين المملكة والمنطقة عبر السنغال ومالي.

ويرى الصحفي الموريتاني إبراهيم ولد سيدن، أنَّ “المعطى الاقتصادي والتجاري بدأ يؤثر في رسم علاقة البلدين، فموريتانيا توفر طريقًا لا محيد عنه للسلع والبضائع المغربية المصدرة إلى إفريقيا الغربية، وبالمقابل، فإن السوق الموريتانية باتت تعتمد بشكل كبير على السلع المغربية خاصة المنتجات الغذائية والفلاحية، كما أنَّ هذا النشاط يوفر فرص العمل في البلدين“.

وفي ضوء هذا المعطى، فإن البلدين حرصا في السنوات الأخيرة على تجاوز مرحلة الفتور التي طالت علاقاتهما بين 2010 و2016.

ويرى الكاتب الموريتاني، محمد حامدينو، أن “تعزيز التعاون في هذا الصدد سيعين البلدين على تقوية موقعيهما إزاء مجموعة (سي دي آ أو) التي ما يزال طلب المغرب الانضمام إليها عاثرًا، فيما يشوبُ قدرٌ من التوتر العلاقات التجارية بين نواكشوط والمجموعة التي تحظى بوضع شريك مفضل معها“.

ويفترض ألا تغيب هذه الحقيقة عن الرئيس المنتخب، سيما أنه أكد في مهرجاناته أولوية تعزيز العلاقات مع الجوار بالنسبة له، كما أنه بدا واعيًا بأهمية الإسهام الاقتصادي للجاليات الموريتانية في دول إفريقيا الغربية.

وفي ضوء “الموت السريري“ للاتحاد المغاربي، الذي جسده توجه البلدين ومعهما تونس للشراكة مع المجموعة الغرب إفريقية، يبدو فضاء “سي دي آ او“ المتنفس الوحيد لاقتصاد البلدين وهو ما يفرض عليهما قدرًا من التضامن وأخذ هذا المعطى الاقتصادي-التجاري في تدبير العلاقات الثنائية.

هواجس الأمن في الساحل

يفرض التهديد الأمني الكبير بمنطقة الساحل الإفريقي تحديات جمة بالنسبة لموريتانيا ولرئيسها الجديد، فالرجل قاد الجيش والأمن سابقًا وكان مكلفًا بالتنسيق مع الفرنسيين والأمريكيين في ملف الإرهاب، كما أنه أحد مؤسسي القيادة المتقدمة لمحاربة الإرهاب التي أقامتها بعض دول المنطقة بالتعاون مع الجزائر عام 2008 واتخذت من تمنراست مقرًا لها، وهو جهدٌ إقليمي تركَ مكانه لاحقًا لمجموعة الخمس للساحل التي أُنشئت بمبادرةٍ موريتانية عام 2014، وكان للرجل ضلع مهم فيها بحكم موقعه قائدًا لأركان الجيش.

وخلال حملته الانتخابية، اعتمد ولد الغزواني كثيرًا على “إنجازاته“ في مجال تأمين الحدود كميزة تميزه عن بقية منافسيه، وذكَّر كثيرًا بأن البلد لم يشهد اعتداءات إرهابية منذ أكثر من عشر سنوات، بينما يشهد الجوار الساحلي اضطرابات أمنية شديدة.

ويعتقد الصحافي ولد سيدن، في تصريح لـ“إرم نيوز“، أنَّ “هذه الحصيلة هي أبرز نقاط القوة التي رجحت كفة ولد الغزواني“.

بدوره ، يعتقد الكاتب ولد حامدينو أنَّ “ولد الغزواني سيستثمر حتما علاقاته بالفرنسيين والأمريكيين لتعزيز دور موريتانيا في محاربة الإرهاب بالساحل“، وهو جهد سيستحضر فيه الرجل علاقاته المميزة مع قيادات الجيش في الجزائر وأيضًا بمسؤولين أمنيين مغاربة من الصف الأول. فالرجل تربطه علاقات شخصية وثيقة بمدير إدارة الوثائق والمستندات المغربي، ياسين المنصوري، وهو أمرٌ قد يمهد لتقاربٍ بين نواكشوط والرباط بشأن الساحل بعد سنواتٍ من التباين في الرؤى يُرجع محللون سببها إلى “الفتور“ في علاقة الرئيس المغادر ولد عبدالعزيز بالرباط لاعتبارات للجانب الشخصي فيها دور كبير.

ويرى ولد سيدن أنَّ “المغرب مؤهل للعب دورٍ مهم في محاربة الإرهاب بالساحل نظرًا لتجربته المهمة في هذا المجال ولقدراته التقنية والعسكرية والأمنية الكبيرة“.

وفي مستوى آخر من قراءته للمشهد، يرى ولد سيدن أنَّ “سياسة ولد عبدالعزيز إزاء الساحل تميزت بتقاربٍ كبير مع الجزائر على حساب المغرب، وأنَّ علاقات غزواني الجيدة مع الجانب المغربي قد تمهد لمقاربةٍ جديدة أكثر شمولًا، ويمكن استثمارها في تعزيز علاقات البلدين في المجالات الأخرى“.

العاهل المغربي يهنئ الغزواني

ومما يؤكد هذا التقارب المنتظر، وكبادرة لدى المغرب لفتح صفحة جديدة مع موريتانيا، أعلن العاهل المغربي الملك محمد السادس، مساء اليوم الاثنين، استعداد بلاده العمل من أجل تعزيز وتطوير التعاون مع موريتانيا عقب انتخاب محمد ولد الغزواني رئيسًا للجمهورية الإسلامية الموريتانية.

وقال الملك محمد السادس في برقية تهنئة بعثها إلى ولد الغزواني عقب وصوله إلى كرسي الرئاسة نشرتها وكالة“ المغرب العربي“ للأنباء الرسمية: ”وإنها لمناسبة سانحة، لأؤكد لفخامتكم حرصي الشديد على العمل سويًا معكم من أجل إعطاء دفعة قوية لعلاقات التعاون المثمر القائم بين بلدينا، وتعزيز سبل الاستغلال الأمثل للفرص والمؤهلات المتاحة لهما، تجسيدًا لما يشد شعبينا الجارين من وشائج الأخوة والتضامن والتقدير المتبادل، وتحقيقاً لما ينشدانه من تقارب وتكامل واندماج جدير برفع مختلف التحديات التي تواجههما“.

وجاء في البرقية أيضًا: ”وإننا لنبارك لكم الثقة الغالية التي حظيتم بها من لدن الشعب الموريتاني الشقيق، تقديرًا منه لما توسمه فيكم من غيرة صادقة على خدمة مصالحه، وإرادة قوية للمضي به قدمًا على درب تحقيق التنمية الشاملة، في ظل الأمن والطمأنينة والعدالة الاجتماعية“.