عشية استحقاقات الرئاسة.. المحددات السياسية والخريطة الانتخابية بموريتانيا

عشية استحقاقات الرئاسة.. المحددات السياسية والخريطة الانتخابية بموريتانيا

المصدر: محمد نور-إرم نيوز

مع انطلاق الحملات الدعائية، بدأ العد التنازلي الفعلي إلى رئاسيات الثاني والعشرين يونيو/حزيران، وهو استحقاق استثنائي في تاريخ موريتانيا؛ إذ يفترض أن يجسد أول تناوبٍ فعلي على السلطة بين رئيس أكمل مأموريتين ويمنعه الدستور من ثالثة وبين رئيس قادم من رحم الإرادة الشعبية المعبر عنها عبر صناديق الاقتراع.

وأهمية هذا الاستحقاق الرئاسي تستدعي إلقاء الضوء على ميول الناخب والاعتبارات المتحكمة فيها، وتلك الموجهة للكتل الناخبة وطبيعة هذه الكتل نفسها؛ ديموغرافيا، إثنيا، سياسيا، واجتماعيا.

الحجر والمدر

أظهرت نتائج الإحصاء الانتخابي التكميلي الأخير وجود ثلث المنتخبين في العاصمة نواكشوط ، وهو أمر جدير بالاهتمام إذا ما استحضرنا السياق الموريتاني الخاص، فالمجتمع ذو طبيعة بدوية وما يزال يواجه صعوباتٍ جمة في التخلص من البنيات الاجتماعية التقليدية وآليات صناعة القرار الجمعي فيها، وهي آليات راسخة في الوسط القروي بينما تفقد كثيرا من قوتها في الوسط الحضري لما يتيحه من أسباب الاستقلال المادي والسياسي للأفراد عن مجموعاتهم القبلية وزعاماتها.

ويرى خبراء أن التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية بين الوسطين الحضري والقروي محدد رئيس لاتجاهات التصويت وميول الناخبين في الاستحقاقات الانتخابية في موريتانيا، حالها في ذلك حال الدول ذات البنيات الاجتماعية والأنساق الثقافية التقليدية.

ويستدل أولئك الخبراء بما ظلت عليه المدن (أو الحجر وفق تعبير ابن خلدون) من احتكار للنطاق الانتخابي الذي يعكس، بشكل أو بآخر، تطور الوعي الثقافي والسياسي، في حين ظل الوسط القروي (المدر) وفيا لطبيعته التقليدية ولآليات صناعة النفوذ والوجاهة السائدة منذ قرون.

ويرى الصحافي الموريتاني، إبراهيم ولد المصطفى، في تصريح لـ“إرم نيوز“، أنَّ التمدن “أتاح لفئات عريضة قدرا من التحرر من قبضة المحيط الاجتماعي وهيمنته المطلقة على أفراد المجموعة القبلية أو العرقية“.

وكان من تجليات هذا التحرر -يقول ولد المصطفى- التطور المضطرد للنتائج الانتخابية لأحزاب المعارضة في الحواضر الكبرى والمدن ذات الطبيعة الصناعية (انواكشوط، نواذيبو، الزويرات…) منذ دخول البلاد عهد التعددية السياسية في عام 1991.

مرشح للحراطين وآخر للزنوج !؟

ضمن المرشحين الستة لاستحقاق الثاني والعشرين يونيو المرتقب، نجد الناشط الحقوقي، بيرام الداه أعبيد، الذي يتزعم حركة “إيرا“ الحقوقية وجناحها السياسي ويحظى بدعم حزب الصواب البعثي، ويصر هو على التأكيد أنه ليس مرشحا للجهات سالفة الذكروحسب، بل مرشح لفئاتٍ واسعة من الشعب الموريتاني.

والواقع أن بيرام، الذي سبق وشارك في رئاسيات 2014 وحل ثانيا بنسبةٍ ناهزت 8%، يستند في تعبئته السياسية إلى شريحة الحراطين (العبيد السابقون) التي ينحدر منها، كما يحمل، بشكل هامشي، هم “الإرث الإنساني“ المتصل بالانتهاكات في حق الزنوج الموريتانيين (خاصة الفولان) إبان حقبة الرئيس الأسبق معاوية ولد الطايع.

ويرى مراقبون أن تبني بيرام للملف الحقوقي للزنوج هدفه سياسي وحسب، إذ يعول الرجل على نخب الفولان في نشاطه، وهو ما يعكسه حضورهم القوي في هياكل المنظمة والدعم الواسع الذي تحظى به داخل الجاليات الموريتانية في أوروبا والولايات المتحدة والتي يشكل الزنوج أغلبية أفرادها.

لكنّ تطورات المشهد السياسي، حملت للمرشح بيرام مفاجأة غير سارة أياما قليلة قبل غلق باب الترشح، فقد أعلن كان حاميدو بابا ترشحه للرئاسة مدعوما بطيفٍ واسع من الأطر الزنجية.

وعقد أولئك الأطر سلسلة اجتماعات بلوروا فيها رؤيتهم للمشهد السياسي والانتخابي وقرروا الدفع بـكان حاميدو إلى المعترك بصفته مرشحا للزنوج، وكان لافتا حضور أسماء وازنة من “حركة أفلام“ المدافعة عن حقوق الزنوج تلك الاجتماعات.

وعمليا، يعني ترشح كان حاميدو، وهو أحد الأوجه التاريخية للمعارضة ووجيه قبلي له مكانته، حرمان بيرام من دعم كثير من أطر الفولان ومن خزانه الانتخابي في حوض النهر حيث مضارب الزنوج وخاصة الفولان.

انتماءات إيديولوجية متشعبة

ورغم بروز المرشحيْن كان حاميدو وبيرام كمرشحين للزنوج والحراطين، فإن من أبناء الشريحتين من له انتماءات إيديولوجية لا تتزحزح، وهنا يجب التذكير بأن أول إطار سياسي وحقوقي مدافع عن حقوق الحراطين هو حركة “الحر“ التي تأسست نهاية سبعينيات القرن الماضي وظهرت إلى العلن مع بيان “أخوك الحرطاني“ الذي ضمنته مطالبها بالمساواة بين الموريتانيين ومحاربة الرق وتحرير العبيد وتجريم العبودية، وهي مطالب تحقق جزء منها في العقود اللاحقة.

وأغلب الزعامات التاريخية للحركة، مثل رئيس البرلمان السابق مسعود ولد بلخير، ونائب الرئيس الحالي للجمعية الوطنية، بيجل ولد حميد في صف مرشح الأغلبية محمد ولد الغزواني، كما يدعم قياديون من الصف الثاني المرشحين؛ سيدي محمد ولد بوبكر ومحمد ولد مولود، ويدعم أحد القيادات التاريخية للتنظيم، هو الوزير الأسبق عمر ولد يالي، المرشح بيرام.

ومع ذلك، لا بد من الإشارة إلى أن هذه القيادات فقدت كثيرا من شعبيتها بل إنها باتت متهمة من فئات من الحراطين.

ويرى خليفة ولد حمتو، وهو إطار سابق في الحر، في تصريح لـ“إرم نيوز“ أنَّ “زعامات الحر لم تعد لها مصداقية بسبب شراكاتها المشبوهة مع الأنظمة السابقة والنظام الحالي على حساب قضية الحراطين، وذلك هو ما أفسح المجال لبيرام لتصدر المشهد“.

والواقع أن إطارات الحراطين والزنوج يتوزعون بين انتماءات أخرى متعددة، فالبنسبة للزنوج، فإن عددا هاما من أطرهم ينتمون لليسار ممثلا في مدرسته المحلية التاريخية“حركة الكادحين“، ويقفون اليوم إلى جانب مرشح المعارضة التاريخية محمد ولد مولود، أما إطارات الحراطين فلهم حضور هام في التيارات القومية والإسلامية، كما تجد منهم المتحالفين مع الزعامات التقليدية لتجمعاتهم القبلية.

اعتبارات جهوية وقبلية

لا يمكن طي صفحة الاستحقاق الرئاسي دون التساؤل عن صوت العرب البيض “البيضان“ الذين يشكلون، إلى جانب الحراطين، الأغلبية العربية في البلاد ومركز ثقلها السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

ويقول خبراء اجتماعيون إن الإجابة لا تبدو تلقائية، ومع ذلك يرون أن العوامل الجهوية والقبلية وطبيعة العلاقات بين مجموعات الضغط داخل كل تحالف قبلي ستكون محددات هامة في رصد المزاج العام، باستثناء مجموعة من الإطارات ذات الانتماءات الإيديولوجية، وهي إطارات قليلة عددا وينحصر وجودها في الحواضرالكبرى.

وفضلا عن ذلك، فإن بروز ولد بوبكر وولد الغزواني كمرشحين ينتميان لنطاقين قبليين وجهويين متباينين وتحكم علاقتهما كثير من الصور النمطية الموغلة، بدأ عمليا يلعب دورا هاما في التعبئة والاستقطاب.

ومن تجليات ذلك موجات الهجرة والهجرة المضادة لمجموعات من الوجهاء والأطر في اتجاه الأغلبية والعكس؛ فمثلا تجد شخصية دعمت الرئيس ولد عبد العزيز طيلة عشرية حكمه واليوم ترفض دعم مرشحه، والعكس، تجد من عارض ولد عبد العزيز بشراسة وقد أعلن دعمه لخليفته المنتظر والرجل الثاني في نظامه.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com