تعديل الدستور الكويتي يثير الجدل حول مدنية ودينية الدولة

تعديل الدستور الكويتي يثير الجدل حول مدنية ودينية الدولة
kuwait city, KUWAIT: A number of Kuwaiti MPs walk out of the parliament in Kuwait City 15 May 2006 in protest at attempts to block a redrawing of constituencies intended to counter alleged vote-buying. The Kuwaiti parliament broke up in chaos as reformist deputies left the session when voting began on a motion tabled by conservative and tribal MPs that sought to refer a government-backed bill reducing the number of consituencies from 25 to 10 to the constitutional court. EDS NOTE: Adding byline. AFP PHOTO/YASSER AL-ZAYYAT (Photo credit should read YASSER AL-ZAYYAT/AFP/Getty Images)

المصدر: وكالات- إرم نيوز

يومًا بعد آخر، يتزايد الانقسام ويتصاعد الجدل في الكويت بين فريقين، أحدهما إسلامي يدعو إلى توافق القوانين مع الشريعة الإسلامية، وآخر ليبرالي يخشى من احتمال تحويل الكويت من دولة مدنية إلى دينية.

ومشفوعًا بتوقيع 26 من أصل 50 نائبًا في مجلس الأمة، تقدم النائب محمد هايف المطيري، الأربعاء الماضي، بطلب لتعديل المادة 79 من الدستور، لإضافة اشتراط توافق القوانين مع الشريعة الإسلامية.

وبينما تنص المادة 79 على أنه ”لا يصدر قانون إلا إذا أقره مجلس الأمة وصدّق عليه الأمير“، ينص التعديل المقترح على أنه ”لا يصدر قانون إلا إذا أقره مجلس الأمة وصدّق عليه الأمير وكان موافقًا للشريعة الإسلامية“.

ودعمًا للنائب المطيري، أعلنت حركات دعوية وسياسية إسلامية، عبر بيان مشترك صدر الجمعة الماضي، تأييدها لتعديل المادة الـ 79 من الدستور، معتبرة إياه ”واجبا شرعيا ومطلبا شعبيا“.

وهذه الحركات هي: الحركة الدستورية الإسلامية (الإخوان المسلمون)، والتجمع السلفي، والكتلة السلفية، وتجمع ثوابت الأمة، والحركة السلفية، ورابطة دعاة الكويت.

وقالت الحركات سالفة الذكر، في بيانها، إن ”هذا التعديل يتوافق مع الدستور كما جاء في المادة الثانية (دين الدولة الإسلام والشريعة الإسلامية مصدر رئيس للتشريع)، وغيرها من المواد، التي تثبت هوية المجتمع الكويتي والتزامه بمبادئ الشريعة الإسلامية“.

واعتبرت أن ”التعديل سيدفع عجلة التقدم للبلاد، ويجعلها في مصاف الدول المتقدمة“، داعية الشعب الكويتي بعلمائه ووجهائه ومسؤوليه إلى دعم هذا التعديل المقترح.

انتكاسة للديمقرطية

في المقابل، رفضت الحركات الليبرالية التعديل الدستوري المقترح؛ إذ رأى فيه  ”التيار التقدمي الكويتي“ ”محاولة لإلهاء الناس عن قضاياها ومطالبها الرئيسة المتصلة بالإفراج عن المحكومين في قضايا الرأي والتجمعات، وإلغاء القرارات الجائرة بإسقاط الجنسية الكويتية أو سحبها من عدد من المواطنين لأسباب سياسية“.

وأضاف التيار التقدمي أن ”من شأن التعديل عمليًا في حال إقراره إلغاء الطابع المدني للدولة، والعمل على تحويلها إلى دولة دينية“.

واعتبر التحالف الوطني أن ”التعديل المقدم يمثل انتكاسة خطيرة للديمقراطية والدولة المدنية“.

وقال أمين عام التحالف، بشار الصايغ، في تصريح صحفي، إن التعديل ”يستبدل التشريع القانوني بالفتاوى الدينية، ويفرغ مواد الدستور من محتواها، ويجعل الدولة رهينة الفتاوى والإسلاميين فقط، ويصادر آراء الآخرين وتنوعهم الديني والفكري وحقوق الأقليات“.

مصدر رئيس للتشريع

دستوريًا، اعتبر أستاذ القانون الدستوري في جامعة الكويت، إبراهيم الحمود، أن ”تعديل المادة الـ 79 من الدستور يغني عنه ما هو موجود في المادة الثانية، التي تنص على أن الشريعة الإسلامية مصدر رئيس للتشريع“.

وأضاف الحمود، في حديث للأناضول، أن ”اقتراح تعديل المادة الـ 79 غير دستوري، وليس في محله، والأمير رفض هذا المقترح في 2012، ولا يمكن إجراء أي تعديل دون موافقته“.

وعند رفضه تعديل تلك المادة، سابقًا، قال أمير الكويت إنه ”لا يجوز دستوريًا“، وإن ”التعديل يعارض نصوصًا دستورية، ويؤدي إلى خلاف سياسي، وفتنة مذهبية“.

وأضاف الأمير أن ”الدستور الكويتي بطبيعته ذو توجه إسلامي بما تتضمنه مواده وألفاظه“، وأن ”الشريعة الإسلامية بحر واسع عميق تتلاطم فيه الأمواج، وتتعدد الاتجاهات، وتتباعد فيه الآراء، وتختلف المرجعيات“.

فوضى قانونية

واعتبر الخبير الدستوري، هشام الصالح، أن ”مقترح تعديل المادة الـ 79 من الدستور يتعارض مع المادة الثانية من الدستور، التي أجازت الأخذ بالشريعة الإسلامية، وأيضًا أجازت الأخذ بغير الشريعة الإسلامية“.

وتابع الصالح أنه ”إذا جرى تعديل هذه المادة، وإضافة عبارة مع الأخذ بالشريعة الإسلامية، سنكون أمام نصين متعارضين، ومن المستحيل أن يتم التوافق بينهما، بل يؤديان إلى التناقض في أحكام هذا الدستور”.

وأوضح أن ”الدستور الكويتي في المادة رقم 174 اشترط أن يكون التعديل لمزيد من الحريات والمساواة“، معتبرًا أن ”الحديث عن تعديل المادة الـ 79 يتضمن تحويل الكويت من دولة مدنية إلى دولة دينية، وبالتالي ففيه اعتداء على الحريات ومحاولة فرض الوصاية على المجتمع“.

وحذر الصالح من أن ”تعديل المادة الـ 79 سيؤدي إلى إشكاليات دستورية وفوضى قانونية؛ بحيث سيتم الطعن في جميع القوانين القائمة حاليا، باعتبارها تتعارض مع نص المادة الـ79 إذا تم تعديلها، وبالتالي ستكون عرضة للبطلان والإبطال باعتبارها غير دستورية وتخالف النص الجديد، فبعض القوانين الراهنة لا تتفق مع الشريعة الإسلامية“.

رفض متوقع

من جانبه، أوضح أستاذ القانون الدستوري في ”الهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب“ (حكومية)، غازي العياش، أن ”إجراءات تعديل الدستور ليست كإجراءات تعديل القوانين، وإنما هي إجراءات معقدة وتحتاج إلى موافقة وتصديق سمو الأمير، وموافقة البرلمان، وبالتالي لابد أن يكون هناك توافق بين السلطة والبرلمان بشأن تعديل مواد الدستور“.

وتابع العياش: ”إذا كانت هناك فكرة لتعديل الدستور، فلابد أن يكون هناك مشروع كامل، بحيث يتم تعديل جميع النصوص الدستورية التي تحتاج إلى تعديل، أما أن يدور الحديث عن تعديل مادة واحدة، فأعتقد أن الرفض سيكون حليف هذا الموضوع، خصوصًا وأن السوابق تشهد على ذلك“.

رفض مؤقت

ومتفقًا مع العياش، توقع الكاتب في صحيفة ”الجريدة“ الكويتية ، حسن العيسى، ”ألا يجد مشروع تعديل المادة الـ 79 من الدستور طريقًا إلى النور في هذا المجلس، أو أي مجلس قادم في المستقبل القريب“.

ثم استدرك العيسى، في مقال له بالصحيفة، قائلاً إن هذا التعديل المقترح ”لن يجد أرضًا يقف عليها في الوقت الحاضر، لكن في المستقبل، ومع خواء الطرح الجدي المعارض لقضايا إنسانية من علمانيي وليبراليي حفلات هلا فبراير، وعيد الحب ، مثل سحب الجنسية وملاحقات أصحاب الرأي وغيرها من قضايا إنسانية غائبة عن مفرداتهم سيكون الأمر مختلفًا.. سيكون هناك فراغ، وسيكون هناك من يملؤه“.

وتابع الكاتب الكويتي بقوله إن ”انسحاب الدولة وتقلص دورها الاجتماعي بالتبعية من توفير الوظيفة المريحة والخدمات للمواطن من المهد إلى اللحد يحدث فراغًا في المكان، سارعت الجماعات والأحزاب الدينية إلى ملئه، فتلك الجماعات كانت لها أفضلية على غيرها في الزمن الماضي، حين كانت تعمل بحرية لنشر أفكارها القروسطية حين شجعتها أنظمة الحكم السلطوية لكسب الشرعية الدينية، التي كانت تسد نقصًا في الشرعية السياسية للنظام الحاكم“.

ليست دولة مدنية

من جانبه، قال الناطق باسم التجمع السلفي، النائب والوزير السابق، أحمد باقر، إن ”التجمع يؤيد كل تعديل دستوري أو قانوني يؤدي إلى استكمال تطبيق الشريعة الإسلامية، شريطة أن يكون مدروسًا لتحقيق الغرض منه“.

وتابع باقر، في تصريح صحفي، أنه ”لا يوجد في الدستور بأكمله وصف للكويت بأنها مدنية، وإنما جاء في الدستور أن دينها الإسلام، والشريعة الإسلامية مصدر رئيس للتشريع.. إذا كانوا يقصدون أن الكويت دولة علمانية، فنقول إنه لا يوجد دولة علمانية واحدة في العالم ينص دستورها على أن الدين مصدر رئيس للتشريع“.

وتابع بقوله إن المذكرة التفسيرية للدستور نصت على ”يوجه المشرع وجهة إسلامية أساسية“، كما نصت على أن هذا النص ”إنما يُحمل المشرع أمانة الأخذ بأحكام الشريعة الإسلامية ما وسعه ذلك، ويدعوه إلى هذا النهج دعوة صريحة واضحة“.

ومستنكرًا، تساءل باقر: ”فهل يعقل بعد هذه النصوص الواضحة والملزمة بإجماع الفقه الدستوري الكويتي أن يقول بعض النواب ما قالوه بشأن تعارض الأخذ بالشريعة مع المذاهب أو الأديان في البلاد؟“.

وختم الناطق باسم التجمع السلفي حديثه بأن اعتبار الأخذ بالشريعة ينافي الحريات أمر ”مضحك“، مشدّدًا على أن ”جميع نصوص الحريات التي وردت في الدستور جاءت مقيدة بأنها وفقًا للقانون“.

دولة مدنية

وردًّا على تصريح باقر، شدد النائب الكويتي، راكان النصف، على ”الهوية المدنية للنظام الكويتي“، وقال إن ”المادة السادسة من الدستور أكدت أن نظام الحكم في الدولة ديمقراطي السيادة فيه للأمة“، معتبرًا أن ”هذا النص يؤكد مدنية الدولة“.

ومضى النائب الكويتي قائلاً إن ”المذكرة التفسيرية للدستور بينت أن النظام الديمقراطي الذي تبناه الدستور وسط بين النظامين البرلماني والرئاسي مع انعطاف أكبر نحو أولهما“، مشدّدًا على أن ”تلك الأنظمة لا وجود لها في الشريعة الإسلامية، بل هي أنظمة مدنية“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com