بعد أن كان أشرس معارضيه.. هل يكون دولت بهجلي نائبًا لأردوغان؟

بعد أن كان أشرس معارضيه.. هل يكون دولت بهجلي نائبًا لأردوغان؟

المصدر: مهند الحميدي- إرم نيوز

ما زال الغموض يلف التحول الجذري في موقف زعيم حزب الحركة القومية اليميني، دولت بهجلي، وسط توقعات بوصوله إلى منصب نائب الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بعد أن كان أشرس الخصوم السياسيين لتوجهات الأخير وحكومة حزب العدالة والتنمية، ذي الجذور الإسلامية.

بهجلي وأردوغان؛ اتخذا على مدى أعوام من المنابر السياسية ساحة للحرب وتبادل الاتهامات، التي وصلت في كثير من الأحيان إلى حد التخوين، ولطالما كانت حديث الشارع، ومثار اهتمام ناشطي مواقع التواصل الاجتماعي.

تلك الحرب الكلامية باتت الآن من الماضي، عقب انقلاب فاشل، كاد يطيح بالحكومة وأردوغان شخصيًا، منتصف تموز/يوليو 2016، ليتحول أعداء الأمس إلى أبرز الحلفاء في الساحة الداخلية، ولتتردد أقلام الصحافيين في توصيف حزب الحركة القومية كحزبٍ معارض، كما درجت العادة.

ولم تشهد مرحلة ما بعد الانقلاب الفاشل، أي تعارض في التصريحات، بل تجاوز الأمر ذلك إلى الدعم الصريح، والدفاع المستميت عن رؤية الحزب الحاكم الرامية إلى تعديل الدستور، خلال الاستفتاء الشعبي المقرر إجراؤه في 16 نيسان/إبريل القادم، لتحويل نظام الحكم من برلماني إلى رئاسي، ما يمنح أردوغان المزيد من السلطات ويجعله أول رئيس تنفيذي لتركيا.

هل يتبوأ بهجلي منصب نائب أردوغان؟

وبعد التقارب غير المسبوق بين حزب الحركة القومية، والحزب الحاكم، يدور في الشارع التركي حديث عن إمكانية استلام بهجلي منصب نائب أردوغان في مرحلة قادمة، عقب الاستفتاء على الدستور.

وسبق أن اقترح عضو المجلس الوطني الكبير (البرلمان) عن الحزب الحاكم، أورخان دليجوز، أن يكون بهجلي مساعدًا (نائبًا) لأردوغان؛ قائلًا في تغريدة في صفحته على تويتر ”إن شاء الله ستكون نتيجة هذا الاستفتاء إيجابية لصالح التعديلات الدستورية الجديدة، وسيكون رئيسنا (أردوغان) رئيسًا للنظام الجديد، بينما سيكون دولت بهجلي نائبًا له“، إلا أنه سرعان ما حذف تلك التغريدة؛ وفقًا لما نقلته مواقع معارضة، اليوم الإثنين.

وكان الكاتب التركي المقرب من التيارات القومية، أحمد تاكان، ذكر في مقال سابق، نشرته صحيفة ”يني تشاغ“ نقلًا عن مصادر في القصر الرئاسي، إن ”بهجلي توصل إلى اتفاقٍ سري مع أردوغان.. يكون بموجبه نائبًا للرئيس“.

انقلاب أبيض داخل الحركة القومية

وفي آب/أغسطس 2016؛ في تحول لافت للأحداث، طالت حملة التطهير التي شنها أردوغان عقب المحاولة الانقلابية، أعضاء سابقين انشقوا عن حزب الحركة القومية، بتهمة انتمائهم إلى حركة ”خدمة“ التابعة لشيخ الدين المعارض، محمد فتح الله غولن، المتهم الأول بالوقوف وراء الانقلاب الفاشل.

وأثارت الاعتقالات بحق أعضاء سابقين في حزب الحركة القومية، حفيظة سياسيين أتراك؛ إذ أرسلت ميرال أكشنار، وزير الداخلية السابقة، والمرشحة السابقة لرئاسة ”الحركة القومية“، والتي تعرضت للفصل منه مؤخرًا، رسالة عبر الفاكس إلى المكتب الرئاسي، بعد فشلها بالاتصال الهاتفي، أكدت فيها  وجود خطأ فيما يتعلق بأسماء المعتقلين خلال حملة التطهير.

وقالت أكشنار -حينها- إن ”من اللافت اعتقال شخصيات داعمة لها في إطار الحملات الأمنية، وإن تصنيف القوميين الأتراك كأنصار لحركة الخدمة الإسلامية، يعتبر خطأً كبيرًا وإن المعتقلين من الأسماء المعادية للخدمة“.

وأشارت وسائل إعلام معارضة إلى أن الرئاسة التركية ردت على طلب أكشنار مؤكدة التدقيق في الادعاءات المتعلقة بالأسماء المشار إليها.

وكانت السُّلطات التركية أصدرت قرارات اعتقال بحق 33 شخصًا في إطار الحملة الأمنية التي بدأتها نيابة أنقرة، بدعوى ”تغلغل حركة الخدمة إلى حزب الحركة القومية“ وكانت اللجنة التأديبية التابعة للحزب صوّتت بالإجماع على فصل أكشنار، وكان من بين أسباب الفصل وصفها بأنها ”كبير الكيان الموازي“ من قبل رئيس الحزب دولت بهجلي.

وتأتي اعتقالات الأعضاء السابقين في حزب الحركة القومية، في إطار الحملات الأمنية الموسعة، من اعتقال وفصل ونقل، طال عشرات الآلاف من القضاة والعسكريين ورجال الشرطة والإعلاميين والمعلمين والأكاديميين، في عموم البلاد، بحجة انتمائهم لحركة ”خدمة“.

وعلى خلفية دعم بهجلي، لسياسات الحكومة، أصدرت أنقرة أحكامًا قضائية منتصف أيار/مايو 2016، بمنع انعقاد مؤتمر حزب الحركة القومية اليميني، لتشكل حجر عثرة أمام طموحات منشقين عن الحزب، في الإطاحة ببهجلي الذي استمر بتزعم الحزب لأكثر من 20 عامًا.

وسبق أن أصدر الأعضاء المنشقون بيانًا اتهموا فيه الحزب الحاكم ”بالتدخل سعيًا لمنع انعقاد المؤتمر.. إذ أصبح التغيير داخل حزب الحركة القومية كابوسًا لحكومة حزب العدالة والتنمية“.

ويفضل أردوغان بقاء الحال على ما هو عليه في صفوف حزب الحركة القومية، إذ يتلقى مشروعه الرامي إلى تغيير الدستور، الدعم من بهجلي، في حين أعرب المنشقون عن الحزب، في أكثر من مناسبة، رفضهم لطموحات أردوغان السُّلطوية.

ويستحوذ نواب حزب الحركة القومية على 40 مقعدًا في البرلمان، من أصل 550 مقعدًا، احتاج حزب العدالة والتنمية لأصواتهم للموافقة على التعديلات الدستورية.

استمالة قواعد الحزب اليميني

وشهد المزاج العام لدى القوميين الأتراك عقب الانقلاب الفاشل، تغيرًا ملحوظًا، تجلى في دعم الكثير منهم لسياسات أردوغان، بعد أعوام من العداء وتبادل الاتهامات، وسط تشكيك محللين في إمكانية استمرار مثل هذا التقارب.

إلا أن الشكوك حول ديمومة التقارب بين القوميين والحكومة، لا تنفي استمالة أردوغان لقواعد في حزب الحركة القومية، وسط مخاوفهم التي عاشوها ليلة الانقلاب، من إمكانية ضياع إرث الديمقراطية، واستلام العسكر لمقاليد الحكم في البلاد.

وخرج الآلاف من المواطنين المتحمسين للأفكار القومية، إلى الشوارع للتصدي للانقلابيين، ودعم الحكومة، كما شارك المئات منهم في مسيرة مليونية دعا لها وشارك فيها أردوغان، في آب/أغسطس 2016، وسط إسطنبول، كبرى المدن التركية، بحضور ممثلين عن الأحزاب المعارضة.

وجاءت مواكب القوميين المشاركة في المسيرة، لتقدم الدعم لأردوغان، رغم الخلافات السابقة؛ ورأى بعضهم في المحاولة الانقلابية الفاشلة، فرصة تاريخية، لمراجعة أردوغان لنهجه الداخلي في التعامل مع خصومه من القوميين، الذين ”سجلوا موقفًا تاريخيًا بالوقوف في وجه العسكر، والحفاظ على الديمقراطية“.

وتنبع مخاوف قواعد حزب الحركة القومية، من الأضرار التي كان من الممكن أن يعانوا منها، في حال نجاح المحاولة الانقلابية الأخيرة، في ظل إمكانية تغلغل أطراف إسلامية خارجة عن السيطرة، في المؤسسة العسكرية، بعد اتهام جماعة ”خدمة“ الإسلامية، بالتخطيط والوقوف وراء الانقلاب الفاشل، الأمر الذي تمكن أردوغان من استثماره، عبر حملة التطهير الموسعة.

كما دُفِع الكثير من الشباب القوميين إلى الساحات، دعمًا للحكومة، بسبب مخاوفهم من عودة البلاد إلى حقبة ما بعد الخمسينيات من القرن الماضي، التي شهدت انقلابات عسكرية، قوضت الديمقراطية في تركيا، وضيقت على الحريات العامة.

تراجع أردوغان عن مقاضاة أعضاء في الحركة

وفي تحول غير مسبوق للأحداث والمواقف الرسمية في تركيا؛ وبعد أعوام من العداء السياسي، أقدم أردوغان ورئيس الوزراء التركي، بن علي يلدرم، مطلع آب/أغسطس 2016، على سحب الدعاوى القضائية بحق شخصيات سياسية معارضة، والبالغ عددها 1500 دعوى؛ وعلى رأسها دعاوى الإهانة لشخص رئيس الجمهورية. ليتم إعفاء الكثير من أعضاء حزب الحركة القومية من تبعات الملاحقة القضائية.

واستثنى أردوغان الدعاوى القضائية المتعلقة بشخصيات مقربة من حركة ”خدمة“ التي تطلق عليها أنقرة وصف ”الكيان الموازي“ وتتهمها بمحاولة ”خلق دولة داخل الدولة“.

إسكات الغرب المنتقد

ويرى محللون غربيون في التقارب بين أردوغان و“الحركة القومية“ وإقدامه على سحب الدعاوى القضائية بحق أعضائه، خطوة غير متوقعة، تهدف إلى إسكات المنتقدين في الغرب.

وكثرت في الآونة الأخيرة المحاكمات بحق متهمين بإهانة أردوغان؛ من بينهم إعلاميون أو فنانون بارزون، وسط مطالبات زعماء أوروبيين، وجمعيات حقوقية غربية، برفع القيود عن حرية التعبير في تركيا.

وتصل عقوبة إهانة رئيس الجمهورية، إلى السجن عدة أعوام، بدأ العمل بها منذ وصول أردوغان إلى القصر الرئاسي في آب/أغسطس 2014، ولم يكن انتقاد أردوغان في السابق، يصل إلى درجة المحاكمة والسجن.

القضية الكردية

ورغم أهمية الأسباب الواردة أعلاه في تهيئة الأرضية لتقارب أردوغان وبهجلي، تبقى القضية الكردية، أهم وأبرز الأسباب المباشرة للتقارب، بعد إعلان أنقرة تجديد الحرب على حزب العمال الكردستاني، في تموز/يوليو 2015، وإنهاء مفاوضات السلام بعد نجاحها في تحقيق هدنة هشة استمرت حوالي ثلاثة أعوام.

وكانت مفاوضات السلام التي أدارتها المخابرات التركية، بدعم مباشر من أردوغان، وانطلقت عام 2012، أبرز أسباب الخلاف مع القوميين، الذين يصفون محادثات السلام، بأنها ”إهانة لسيادة الدولة“.

وما زال المواطنون الأتراك يتذكرون باستغراب خطابات نارية أطلقها بهجلي، تهجم من خلالها على أردوغان، والحزب الحاكم؛ ومنها تصريحاته خلال مؤتمر حزبه، في تشرين الأول/أكتوبر 2015 في مدينة إلازغ شرق الأناضول، والتي حملت اتهامات صريحة لأردوغان بتقديمه وعودًا لحزب العمال الكردستاني، بالسماح بإقامة ”حكم ذاتي“ للأكراد في مناطقهم، شرق البلاد.

كما اتهم بهجلي – حينها- أردوغان بتقديم ضمانات لإطلاق سراح الزعيم الكردي المعتقل عبد الله أوجلان، المحكوم بالمؤبد منذ 18 عامًا، وضمانات بالعفو عن عناصر من حزب العمال الكردستاني، مؤكدًا أن ”أردوغان باع الوطن رخيصًا للعمال الكردستاني“.

إلا أن مواقف بهجلي شهدت تحولًا بعد إعلان الحرب على ”الكردستاني“ ليعلن في آب/أغسطس 2015، أن حزبه ”لا يمانع فتح باب المفاوضات مع حزب العدالة والتنمية، في حال إعلانه قبول شروط الحركة القومية، بالتخلي عن فكرة عملية السلام والمصالحة الوطنية“.

شهر العسل ”لن يدوم“

ورغم الغزل السياسي الحالي، بين القوميين وأردوغان، يرى مختصون في الشأن التركي أن ما يجمع أعداء الأمس بعد الانقلاب، لا يُقارن بعمق الخلافات، حول غالبية القضايا الداخلية.

ويصف محللون التقارب الأخير بين أردوغان والقوميين الأتراك بأنه ”آني، وغير قابل للتعميم كتجربة ناجحة“ على وقع الاختلافات الجوهرية في الرؤى، وآلية إدارة البلاد.

ويؤكد خبراء أن من أبرز نقاط الخلاف التي من شأنها أن تخلق شرخًا في مستقبل العلاقات بين أردوغان و“الحركة القومية“ هو تدخل الحزب الحاكم في سير العملية التعليمية، والحيد عن إرث العلمانية التي أرسى دعائمها الزعيم العلماني الراحل، مصطفى كمال (أتاتورك) في عشرينيات القرن الماضي، في مختلف مرافق الدولة؛ كالجيش والقضاء، والجامعات.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com