إيلاريون كبوتشي.. درْب واحد إلى السماء

إيلاريون كبوتشي.. درْب واحد إلى السماء

المصدر: إرم نيوز - خالد أبو الخير

يرحل اليوم المطران إيلاريون كبوتشي مثلما رحلت أشياء كثيرة جميلة دون وداع.. ومثلما رحلت حلب التي كانت مسقط رأسه  حزينة ومدمرة ومستلبة، تعصف بها رياح الموت وتئن تحت وطأة قوى الظلام ولا متنبئ يرثيها ولا أبا فراس.

يرحل في صلاة القدس، المدينة التي ارتبط اسمه بها، يرتفع الأذان في مساجدها ليعانق أجراس الكنائس في درب واحد إلى السماء.

 سيرته تعطر درب النضال العروبي والفلسطيني، حين حمل الصليب بيمناه وفلسطين في قلبه، فكان مثالاً لرجل الدين الذي حمل تطلعات رعيته والحق الفلسطيني وسار غير هيّاب في درب الجلجلة.

العام 1965 أصبح مطرانًا لكنيسة الروم الكاثوليك في المدينة المقدسة، وعاش بعضًا من أجمل سنين عمره في المدينة التي حل بها المسيح، وبها أماكن كثيرة شهدت معجزات المسيح وقيامه وفيها سقط أول شهيد مسيحي هو اسطفانوس.

سقوط زهرة المدائن في أعقاب حرب 1967، تركت جرحاً عميقاً في قلبه، وعرف عنه الجهد الذي بذله في مداواة الجرحى وتقديم المعونة وإقامة صلوات للمدينة التي هجرها السلام.

نضال ضد الاحتلال

لمس كبوتشي معاناة الفلسطينيين عن قرب، وأدرك وهو ابن هذه البلاد، ابن هذا الوطن العربي، أن النضال ضد الاحتلال الإسرائيلي حق وفرض عين على كل قادر.

مشهد يورده كبوتشي حين كان برفقة الشيخ سعد الدين العلمي يوم 9 حزيران/ يونيو 1967، حينما عثرا على جثث شهداء مبعثرة وملقاة على الطرقات، قال عنهم: ”كانوا قد أنتنوا لأن المحتل أصر على تركهم أيامًا تحت الشمس المحرقة، فعملنا سماحة الشيخ سعد الدين العلمي وأنا مع شبان متطوعين على لملمتهم، ومن ثم دفناهم في حفرة واحدة، سماحته تلا صلاته راحة لأنفسهم وأنا بعده، كذلك دون تمييز بين مسيحي ومسلم لأن دينهم بعد استشهادهم هو شهادتهم“.

أدرك كبوتشي مبكراً مرامي الاحتلال بتهويد مدينة القدس، فعمل مع شخصيات فلسطينية على استنهاض الهمم ودعا إلى المقاومة بكل أشكالها وإقامة المسيرات المنددة بالاحتلال .

”من ليس له سيف فليبِع ثوبه ويشترِ سيفاً“، عبارة في الإنجيل، حولها كبوتشي إلى واقع حين عمل سراً على دعم المقاومة، ومدها بالمال والسلاح إلى أن أوقفته سلطات الاحتلال أثناء عودته الى مقر مطرانيته العام 1984، وفتشت سيارته فعثرت بها على أسلحة كان بصدد إيصالها إلى الفدائيين الفلسطينيين.

أثناء التحقيق معه أنكر كبوتشي التهمة أولاً، وقال إنه تم نقل الوسائل القتالية إلى سيارته دون علمه، غير أن ورقة عُثر عليها لدى تفتيش أمتعته كتب عليه بخط يده رقم المسؤول الفتحاوي في لبنان وهو الشخص الذي كان يتواصل معه، أدت فيما بعد  إلى اعترافه بمسؤوليته عن حمولة السيارة.

حكمت عليه محكمة عسكرية بالسجن 12 عامًا، ثم أفرج عنه بوساطة من الفاتيكان بعد أن أمضى في السجن 4 سنوات، في إطار مساع إسرائيلية لتحسين علاقتها مع الفاتيكان بشرط ”أن يغادر فلسطين دون عودة وأن يلتزم الصمت حيال القضية الفلسطينية“.

مساعدة الشعب الفلسطيني

يقول كبوتشي: ”ضميري ووجداني فرضا عليّ أن أهب لمساعدة هذا الشعب، ولقاء مساعدتي ودفاعي عن حقوقه، ألقي القبض عليّ وحُكم علي بالسجن 12 عاماً، قضيت منها 4 سنوات خلف القضبان“.

وعلى مدى عقود، أمضاها كبوتشي مبعداً في روما، غدا على غير ما أرادت إسرائيل وبخلاف تعليمات الفاتيكان له، من دعاة القضية الفلسطينية في العالم، وصوتاً يكرس في الغرب أن فلسطين أرض عربية مغتصبة، معتبراً محاولات إسرائيل فرض واقع جديد على المدينة المقدسة عند المسلمين والمسيحيين تزييفاً للحقيقة والتاريخ.

لم تغب القدس أبداً عن فؤاده، بل اعتبر إبعاده عنها موتاً، فهو يقول: ”ما الموت إلا فراق ما هو عزيز، عائلة أولاد أصدقاء أملاك مال إلخ، وهل أعز عند الأسقف من شعبه ومن أرضه؟ هذا الفراق القسري المفروض عليّ هو الموت المعنوي يموت الإنسان مرة فقط جسدياً ويموت 100 مرة في النهار معنوياً“.

محاولة العودة إلى فلسطين

حاول مطران القدس العودة إلى فلسطين مرتين، الأولى من ضمن المتضامنين مع الشعب الفلسطيني، حين شارك في أسطول الحرية العام 2009،  وعلى متن السفينة مرمرة في أيار/ مايو من العام 2010، وكان ناهز الـ 87 عاماً من عمره ولم يسأمِ.

 اليوم.. نودع المطران الذي كان خير راع، ليس لرعيته الدينية فقط وإنّما لكل الفلسطينيين ولكل المستضعفين والمقهورين.

ستظل كلماته ناقوساً يتردد مع قرع أجراس الكنائس وكل أذان ”الكرامة هي الحياة والوطن عنوانها، الفلسطينيون ليسوا مجرد لاجئين هم شعب من 6 ملايين نسمة من حقهم إذن أسوة بشعوب العالم كلها، تقرير مصيرهم وإقامة دولتهم المستقلة على أراضيهم المغتصبة، نحن لا نستجدي، هذا حقنا“.

يرحل اليوم المطران كبوتشي بصيغة المضارع، لأن من كان مثله صعب أن يصير ماضيًا، ولا يجب أن يصير ما دمنا نقارع الاحتلال والظلام ونسير إلى النور مهما كلفنا المسير.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com