سيناريوهات ضم المنطقة ”ج“ الفلسطينية.. عاصفة إقليمية على ضفتي نهر الأردن قريبًا

سيناريوهات ضم المنطقة ”ج“ الفلسطينية.. عاصفة إقليمية على ضفتي نهر الأردن قريبًا

المصدر: إرم نيوز

لم يكن حديث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التلفزيوني مساء أمس الثلاثاء، عن عزمه إقرار السيادة الإسرائيلية على مناطق المستوطنات في الضفة ومعها غور الأردن، هو الأول الذي يطرح فيه ضمّ المنطقة ”ج“ البالغة 63 % من أراضي الضفة الغربية، كما نصّت عليها اتفاقيات أوسلو.

لكنها المرة الأولى التي يثير فيها هذا الحديث المكرر ردود فعل فلسطينية وأردنية وعربية وإسلامية ودولية، تتابعت سريعًا وفي سياقات كلّية تشي وكأن المسرح الإقليمي يجري نصبه لمواجهة طارئة، فيها من الخروج عن الشرعية الدولية بقدر ما فيها من الأجندات الخفية والجاهزية للعنف، وبما يستدعي قراءة في السيناريوهات المختلفة، وبعضها يمكن أن يكون صادمًا.

المنطقة ”ج“ وصفقة القرن

الجديد في حديث نتنياهو يوم أمس يتجاوز محاولة تعميم الانطباع بأن قرار ضمّ المنطقة ”ج“ هو قرار جدي وليس ديماغوجيا انتخابية، قبل أيام من موعد الاقتراع المقرر في السابع عشر من الشهر الجاري.

فقد تحدث لأول مرة بوضوح مباشر عن أن هذا القرار ”يستفيد من خطة السلام الأمريكية للشرق الأوسط (صفقة القرن) لضمّ مستوطنات إضافية“.

وكان نتنياهو قد كشف قبل عدة أشهر أنه تحدث مع الرئيس الأمريكي وطاقم ”صفقة القرن“ عن خطة ضمّ المنطقة ”ج“، وجاءته بعد ذلك ردود علنية من اثنين من مساعدي جاريد كوشنر رئيس فريق ”الصفقة“، بأنهما يؤيدان خطوة الضمّ.

ونشر الصحفي الإسرائيلي عكيفا إلدار، أن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو ألمح إلى أن ”ضمّ الضفة الغربية أو على الأقل المنطقة (ج) يُعدّ جزءًا من التنازلات التي يتوجب على الفلسطينيين تقديمها“.

ويزيد في الشكوك أو القناعة بأن ضمّ المنطقة ”ج“ يُشكّل جزءًا من صفقة القرن، حتى وإن لم يُدرج في نصوص ورقة جزئها السياسي التي يُرجح نشرها بعد الانتخابات الإسرائيلية، كون وزارة الخارجية الأمريكية حذفت (قبل بضعة أسابيع) اسم السلطة الفلسطينية من قائمة الكيانات السياسية في الشرق الأوسط التي تتعامل معها واشنطن.

وقبل ذلك كانت الخارجية الأمريكية قد ألغت مصطلح ”محتلة“ عند إشارتها إلى الضفة الغربية وقطاع غزة ومرتفعات الجولان، في تقاريرها الشهرية عن حال حقوق الإنسان، كما أغلقت مكتب سفارة فلسطين في واشنطن، في سياقات أوسع شملت الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وأوقفت مساعداتها لوكالة غوث اللاجئين ”أونروا“ في نطاق رؤية مستجدة لإعادة تعريف اللاجئين الفلسطينيين، وبالتالي تعديل أو شطب حق العودة المنصوص عليه في مؤسسات الأمم المتحدة، وفي الحل النهائي ضمن اتفاقيات أوسلو.

عناصر الأزمة القادمة

التسلسل الزمني للعاصفة الإقليمية إذا جاز التعبير، القادمة، أخذ حتى الآن تدرجًا بدأ بقرار الخارجية الأمريكية حذف اسم السلطة الفلسطينية من قائمة الكيانات السياسية.

وبعد الانتخابات الإسرائيلية سيجري كما قال البيت الأبيض، نشر الجزء السياسي من ”صفقة القرن“، بعد أن كان جزؤها الاقتصادي قد نُشر في ورشة البحرين.

ويعقب ذلك قرار إسرائيلي بضمّ المنطقة ”ج“، بعد أن تكون السلطة الفلسطينية قد رفضت الصفقة الأمريكية بشقيها الاقتصادي والسياسي، وهو توقيت قال نتنياهو إنه مقصود، فالرفض الفلسطيني كما يراهن عليه نتنياهو، سيكرس مقولة إنه لا يوجد طرف فلسطيني للتفاوض معه، فضلًا عن أنه سيجعل الدعم الأمريكي لقرار الضمّ وما سيتداعى بعده، دعمًا قويًا في مواجهة أي ارتدادات رافضة، سواء على المستوى الدولي، أو على المستوى الفلسطيني الداخلي.

ما هي المنطقة ”ج“؟

أهمية ضمّ المنطقة ”ج“ في سياق نهج إسرائيلي موصول بقضم تدريجي للمناطق المحتلة، تكمن في التوصيف الجيوسياسي لهذه المنطقة التي تعادل ثلثي أراضي الضفة الغربية مع غور الأردن.

وجغرافيًا، تمثل المنطقة ”ج“ واحدة من ثلاث مناطق تتكون منها أراضي الضفة الغربية، تضمنتها اتفاقيات أوسلو عامي 1993 و 1995، وفي مقابل المنطقتين ”أ“، التي تشكل 18 % من مساحة الضفة، والمنطقة، ”ب“، التي تبلغ 21 % من مساحة الضفة، فإن المنطقة ”ج“ تزيد عن 60 %.

التوصيف القانوني للمنطقة ”ج“ كما ورد في المادة 17 من اتفاق أوسلو هو أنها ”مناطق فلسطينية ستُنقل للسلطة الفلسطينية تدريجيًا خلال 18 شهرًا من تنصيب المجلس التشريعي“.

وكان مفترضًا تسليم السلطة الفلسطينية جزءًا من المنطقة ”ج“ بنهاية عام 1999 واستكمال الانسحاب على ثلاث مراحل بدون نقل السيادة للفلسطينيين، وهو ما لم يتحقق.

والحجم الذي سينزع من السلطة الفلسطينية، فضلًا عن كونه مخزون الثروات الطبيعية التي كانت مرصودة لاقتصاد الدولة الفلسطينية، سوف يعيد بحسب توصيف رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتية القضية الفلسطينية كلها إلى المربع الأول في حال نفذته إسرائيل نهاية العام الحالي، وهو تقريبًا مضمون قول حنان عشراوي، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، بأنه ”تغيير لقواعد اللعبة“.

وسوف يوسع الترابط والتداخل بين قرار ضم المنطقة ”ج“ وصفقة القرن (حتى وإن لم يكن منصوصًا عليه)، من طرح السيناريوهات المحتملة، لما يمكن أن يتداعى من تطورات.

خط رئيس مع بدائل واحتمالات

وكان نتنياهو قد طرح مشروع ضمّ المستوطنات وغور الأردن عام 1999 في كتابه المسمى ”السلام الدائم“ معتبرًا أن ما تضمّنته اتفاقيات أوسلو بخصوص المنطقة ”ج“، هي مناطق عازلة ذات وظيفة استراتيجية في حال أي نزاع مسلح مع دول الجبهة الشرقية، وأنه يتوجب ضمّها.

وترفض أحزاب ولوبيات ضغط عديدة في إسرائيل، ضمّ المنطقة ”ج“ بسكانها الذين يزيدون عن 300 ألف نسمة، باعتبار أن إجراء كهذا يعني العودة إلى تابو ثنائية الدولة اليهودية، وتسريعًا لانفجار ما يسمى بـ ”القنبلة الديمغرافية“ المتمثلة بسرعة نمو المكوّن العربي الفلسطيني في الدولة.

ورفعت القيادات الأمنية السابقة في إسرائيل قبل عدة أشهر، عريضة تطالب نتنياهو بإجراء استفتاء شعبي قبل أي قرار لضمّ المنطقة ”ج“، وكان تقديرهم أن قرار الضمّ يعني النهاية القانونية والإجرائية لاتفاقات أوسلو، كما يعني عمليًا تفكيك السلطة الفلسطينية والانتقال إلى حالة فوضى يصعب التحكم بها أو تقدير مآلاتها.

ويبدو أن قناعات المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تذهب الى أن ضمّ المنطقة ”ج“ هو استحقاق تاريخي استراتيجي يجب تنفيذه على يد تشكيلة الأحزاب اليمينية المتطرفة التي تحكم المشهد الإسرائيلي، بغض النظر عمن سيشكل الحكومة الإسرائيلية المقبلة، وفي تقديرهم وجود الرئيس دونالد ترامب في البيت الأبيض، فرصة يجب عدم تفويتها.

عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، حنان عشراوي، كان رأيها يقول إن الخيارات السياسية الفلسطينية محدودة وضيقة في مواجهة الظروف الإقليمية والدولية الراهنة، حيث لا يوجد من يراهن على الشرعية الدولية في الأمم المتحدة.

وفي حدود رؤية كهذه لا يختلف عليها الكثيرون، فإن السيناريوهات الفلسطينية على أرض الواقع الجديد الذي سيصنعه قرار ضمّ المنطقة ”ج“ جاء مدعومًا من واشنطن، ومتوازيًا مع صفقة القرن، ويمكن لهذا المسلك أن تتضمنه جُملة من التفريعات والاحتمالات الأمنية والسياسية والخيارات الديمغرافية.

الخيار الأول هو ”برمجة إسرائيلية لعملية تفكيك السلطة الوطنية الفلسطينية، واستبدالها بإدارة ذاتية مدنية، بعد أن يكون اتفاق أوسلو قد أُلغي بحكم تغيير بنوده من طرف واحد“.

ففي عام 2012 كان الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد هدد إسرائيل بأن يرمي لها مفاتيح الضفة لتتحمل هي مسؤوليتها، ما دامت لا تنفذ اتفاقيات أوسلو، وبضمّ المنطقة ”ج“، تكون إسرائيل هي التي بادرت بما يماثل التقاط المفاتيح والمباشرة ببدائل أوسلو بعد أن أسقطت حل الدولتين، واعتمدت خيارات أخرى ربما بينها مشروع قدمته لها مؤسسات أبحاث تحت مسمى ”أرض واحدة وكيانان“، وفي هذا المشروع كيان فلسطيني مرحلي، فيما بقي من الضفة الغربية، وهو أقرب للإدارة المدنية الذاتية، بانتظار ما يستجد من ترتيبات إقليمية بعضها يتعلق بمستقبل غزة.

 ويرى السيناريو الثاني أن قرار الضمّ والرد الفلسطيني عليه، والذي قد يتضمن تنفيذ توصيات المؤسسات القيادية في حركة فتح بإلغاء اتفاقية أوسلو، يعني إلغاء التنسيق الأمني بين الطرفين، وهو الذي حفظ استقرار الضفة طوال السنوات الماضية.

وفي مثل هذه الأجواء المحتملة، فإن الانتفاضة الفلسطينية الثالثة التي يرجحها الكثيرون، يمكن أن تأخذ طابعًا من العنف لم تشهده الانتفاضتان السابقتان، وكانت نُشرت مؤخرًا تقارير عبرية تزعم بأن حماس تجهّز لقيادة الانتفاضة المتوقعة، وتقارير أخرى تهوّل في حجم السلاح الجاهز داخل المخيمات الفلسطينية، فضلًا عن تقارير دورية تروّج لتنافس مُرجّح بين قيادات فتح الحالية والمنشقة، على خلافة الرئيس محمود عباس.

 أحد أشكال الانتفاضة الثالثة المحتملة، جاء في ثنايا الخطاب الذي ألقاه مؤخرًا الرئيس الفلسطيني محمود عباس خلال زيارته مخيم الجلزون، فقد هدد عباس بمسيرة مليونية تدخل القدس، فيما كان الحضور يرددون نشيد العودة للقدس.

أما السيناريو الثالث فيتعلق بعملية التهجير القسري التي سيتعرض لها سكان المنطقة ”ج“ جراء التضييق المضاعف الذي سيفرض عليهم بعد قرار الضمّ، سواء حصلوا على الجنسية الإسرائيلية، أو طال بهم انتظار المستجدات في ظروف أمنية واجتماعية ومعيشية أقسى من إصرارهم على التشبث بالأرض، والحال نفسه، يمكن أن يتوسع الى المناطق ”أ“ و ”ب“.

وبالطبع، فإن الوجهة الطبيعية لتهجير فلسطيني الضفة الغربية، هي الضفة الشرقية لنهر الأردن، وهو مشروع ليس جديدًا، لكنه هذه المرة يبدو جدّيًا ويتحسب له الأردن في رفضه المطلق لما يسمى بـ ”الخيار الأردني“ أو ”الوطن البديل“.

واعتبر العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني هذا الموضوع خطًا أحمر ضمن لاءات ثلاث أصبحت عنوانًا للعمل السياسي والأمني الأردني، والتي تمثّلت في “ لا للقدس، ولا للتوطين، ولا للوطن البديل“.

وتعتبر الهواجس الأردنية من ارتدادات الإجراءات الإسرائيلية المدعومة أمريكيًا، في ملفات القدس ورعاية الأماكن المقدسة في القدس، وكذلك اللاجئين وتهجير فلسطينيي الضفة الغربية الذي يمكن أن ينفجر بعد ضمّ المنطقة ”ج“، هواجس علنية مرفوقة بأوضاع اقتصادية ومعيشية صعبة.

وقبل بضعة أشهر زار الأردن اثنان من قيادات الكونغرس الأمريكي، هما ميت رومني وكريس ميرفي، وفي لقاء مع بعض الصحفيين بعد عودتهما لواشنطن قالا (حسب تقرير نشر في تموز الماضي) إن الإدارة الأمريكية لا تعرف مدى الخشية والتوجّس اللذين يسودان دوائر صنع القرار في عمّان تجاه ”صفقة القرن“ التي قالا إنها تهدد استقرار الأردن.

وكانت الإجراءات الإسرائيلية في القدس، وبخصوص المسجد الأقصى تحديدًا، قد أنتجت غضبًا سياسيًا طال مجمل العلاقات المبنيّة على اتفاقية السلام بين الأردن وإسرائيل، وظهر ذلك في مسيرات شعبية طالب بعضها بإلغاء اتفاقية الغاز بين البلدين، واتفاقية السلام التي عدّل الأردن أحد بنودها باستعادة أراضي الغمر والباقورة، بقرار يبدأ تنفيذه بانقضاء 25 عامًا على الاتفاقية، أي بتاريخ 26 أكتوبر/ تشرين الأول 2019، وهو تاريخ يصادف ذروة الأزمة الإقليمية المحتملة جراء تصميم نتنياهو على ضمّ المنطقة ”ج“، في إجراء وصف بأنه سيغيّر قواعد اللعبة بالمنطقة، ويعيد القضية الفلسطينية كلها إلى المربع الأول، بسيناريوهات تبقى مفتوحة.