حفيد رفاعة الطهطاوي يحصد جائزة “جيرار دي كريمونا”

حفيد رفاعة الطهطاوي يحصد جائزة “جيرار دي كريمونا”

في عام 1826، أبحرت السفينة الحربية الفرنسية (لاترويت)، متجهة إلى فرنسا، وعلى متنها الشيخ الأزهري ابن الرابعة والعشرين ربيعاً، رفاعة الطهطاوي، المولود في منتصف أكتوبر عام 1801، ضمن بعثة عددها 40 طالباً، أرسلها محمد علي باشا، لدراسة اللغات والعلوم الأوروبية الحديثة، حيث ذهب كإمام لها وواعظٍ لطلابها، وقفل راجعاً بعد 5 سنوات من المكوث في “باريز” كما كان ينطقها متحدثاً الفرنسية، ومؤسساً لتيار من المترجمين المصريين، نقلوا عن الفرنسية والتركية والإنجليزية وغيرها من لغات العالم في تلك السنوات الأولى من القرن التاسع عشر، ليتجلى المشروع الثقافي الكبير للشيخ المترجم، رفاعة الطهطاوي، في ترجمة العلوم الغربية ونقلها إلى المكتبة العربية، لإحداث ثورة معرفية عربية.

ومنذ ذلك التاريخ، وأبناء رفاعة الطهطاوي، وأحفاده من شباب المترجمين، يسيرون على خطى معلمهم وأبيهم الروحي، ليتوج المركز القومي للترجمة، وهو أحدث مؤسسة للترجمة بالقاهرة، الحفيد الأصغر، الذي خرج من عباءة “الطهطاوي”، الدكتور أنور مغيث، رئيس المركز، بجائزة “جيرار دي كريمونا الدولية للترجمة بضفتي البحر المتوسط” في دورتها الرابعة، حيث فاز بالجائزة في دورتها الأولى، المترجم الفلسطيني الكبير “صالح علماني”، الذي نقل إلى القارئ العربي أكثر من 100 كتاب عن الإسبانية، أشهرها روايات الكاتب الكولومبي الشهير “غابرييل غارثيا ماركيز: 100 عام من العزلة، والحب في زمن الكوليرا”، وغيرها من أعمال روائية خالدة، لكبار كتاب أمريكا اللاتينية.

وفي دورتها الثانية، منحت الجائزة، للمترجمة الإسبانية من أصل مغربي مليكة مبارك،، أما الدورة الثالثة للجائزة، فكانت من نصيب “مدرسة بيروت للمترجمين” اللبنانية.

وكان إعلان نتائج جائزة “جيرار دي كريمونا الدولية للترجمة بضفتي البحر المتوسط” قد تم في 30 سبتمبر الماضي، بالتزامن مع يوم الترجمة العالمي، وهي جائزة دولية معنية في المقام الأول، بالترجمة عبر دول حوض المتوسط،

حيث يتم منح الحاصلين عليها، سواء أكانوا مؤسسة كاملة معنية بشؤون الترجمة، أم أفرادا مترجمين، تمثالاً وشهادة تقدير، أما حفل توزيع الجوائز، فعقد يوم  الـ24 من اكتوبر في مالطة، ضمن منتدى أوروبا والبحر المتوسط، الذي تنظمه مؤسسة (أنا ليند) والتي أسستها “جامعة كاستيا-لامانتشا”، من خلال مدرسة المترجمين في طليطلة، وذلك بالتعاون مع مؤسسات عربية ومتوسطية عديدة.

ويعد المترجم الإيطالي الشهير “جيرار دي كريمونا”، المولود عام 1187، والتي تحمل الجائزة اسمه، من أهم علماء مدرسة طليطلة للمترجمين، الذين نقلوا المعارف والعلوم الإنسانية والفلسفية العربية إلى قراء أوروبا، ما كان له أكبر الأثر في إنعاش العلوم الأوروبية في العصور الوسطى بالقرن الثاني عشر، عن طريق نقل المعرفة العربية واليونانية في الفلك والطب وغيرها من العلوم.

ويكفي أن نعرف أن “دي كريمونا” قام وحده، بترجمة أكثر من 70 كتابًا إلى اللاتينية، وفتحت ترجماته الباب للحضارة الأوروبية، حيث ساهم ذلك في تقدم أوروبا العصور الوسطى، وبفضل أعماله وجدت أوروبا مدخلاً إلى المعارف الواسعة، التي كانت تقدمها بلاد الأندلس الإسلامية، والتي شكلت بذرة التقدم العلمي والتكنولوجي في أوروبا.

ولم يأت تتويج المركز القومي للترجمة بجائزة “جيرار دي كريمونا” من قبيل الصدفة، ففي عام 2006، احتفل المركز بإصدار الكتاب رقم 1000، وضمت الكتب الألف سلسلة هامة هي ميراث الترجمة، حيث نشر للمرة الأولى، وبعد  نفاد طبعتها بسنوات عديدة، تم ترجمة البستاني، لإلياذة هوميروس، الصادرة سنة 1904، مع ترجمة جديدة بمناسبة مرور 100 عام على الترجمة الأولى، كما أعادت نشر أول ترجمة لمسرحية شكسبير “هاملت أمير الدنمارك” بقلم طانيوس عبده، الصادرة في أواخر القرن التاسع عشر، وذلك بالتوازي مع نشر أحدث ترجمة لها بقلم الدكتور محمد مصطفى بدوي، وهو ما يوفر مادة خام للباحثين، لدراسة تطور لغة المترجمين، وحدود تصرفهم واختلاف الذائقة وأساليب التلقي.

تاريخ الترجمة في عصرنا الحديث، والذي وضع أولى لبناته الشيخ المترجم “رفاعة الطهطاوي” ومن جاء بعده، مُلئ بالجهد والدراسة والتحصيل للغات الأجنبية من قبل أجيال من المترجمين العرب، استطاعوا وعبر سنوات من الجهد المتواصل، أن تنشأ مدرسة الألسن في مطلع القرن التاسع عشر، ثم لجنة التأليف والترجمة والنشر، ومشروع الألف كتاب، الذي أصدر ما يقرب من ستمائة كتاب عند توقفه، أضف إلي ذلك مشروعين لم يكتملا، أولهما لجامعة الدول العربية، بإشراف عميد الأدب العربي، الدكتور طه حسين، وثانيهما لهيئة الكتاب المصرية، بإشراف الدكتور، سمير سرحان.