غنام غنام: المسرح اليوم مناضل بوعي ودون استسهال

غنام غنام: المسرح اليوم مناضل بوعي ودون استسهال

يؤمن المسرحي الفلسطيني الأردني غنام غنام، بـ"تحيين" الصراعات والأسئلة والشخصيات في أعماله حتى ينقل الرسالة والقضية التي يثيرها العمل بكثير من الفائدة والمتعة، لذلك تترك مسرحياته في كل مرة بصمتها لدى المتفرج، وهذا من أسرار نجاح مسرحياته على مدى مسيرة فنية ثرية ومتنوعة.

ووصف غنام غنام، الملقب بـ"الفنان الشامل"، لمراوحته بين التمثيل والإخراج والتأليف، في حواره مع" إرم نيوز"، المسرح، اليوم، بـ"المناضل بوعي وتحدٍ أعلى" في ظل تداعيات الأوضاع السياسية على المشهد الثقافي، مشيرًا إلى أن" المسرح الذي يمتلك وعيًا، ويقدم فنًا محكمًا غير مستسهل، له جمهور كبير في الوطن العربي".

وغنام غنام واحد من أبرز المسرحيين العرب، ومن أبرز مسرحياته "سأموت في المنفى"، وكذلك هو من الفنانين المدبلجين، ومن أعماله في الدبلجة: "مغامرات سميد"، و"حياتنا أمل"، و"زيكو العجيب"، و"المغامرون الأبطال"، و"السلطان محمد الفاتح"، و"فتيات حائرات"، وغيرها.

ما يدور في الحياة منذ بدء الخليقة من أحداث وصراع وتركيب شخصيات هو ذاته، لدرجة أن بعض الباحثين يعتبرون أن الحياة هي عبارة عن 40 موضوعًا.

مسرحية "سأموت في المنفى" هي آخر أعمالك.. لماذا لم تقدم عملًا مسرحيًا جديدًا بعدها؟ ولماذا اخترت أداء المونودراما أو ما يُعرف بمسرح الممثل الواحد؟

"سأموت في المنفى – بدل فاقد" هي العمل قبل الأخير لي، فقد بدأت، في أكتوبر الماضي، بتقديم عملي الجديد "بأم عيني 1948" وهو الذي نوهت اللجنة به عند منحي جائزة الفنون ضمن جوائز دولة فلسطين.

والعمل الجديد هو استكمال لذات النهج الفني والفكري الذي حملته "سأموت في المنفى"، بل إن الأحداث (الحقيقية) التي بنيت عليها العمل بدأت مع بداية عروض سأموت في المنفى، العام 2017، في فلسطين، حيث قمت بمساعدة بعض الأصدقاء بالدخول (تهريب) للأرض المحتلة، منذ العام 1948، والتي تحت سيطرة الاحتلال.

بالتالي، قدمت في العمل الجديد شواهد من الأرض المحتلة وأهلها تثبت بأن الاحتلال وبعد 70 عامًا ما زال غير قادر على تغيير ضمير الناس ولغة الأرض، ويتلقى كل يوم هزائم صغرى يحققها الفلسطينيون، وهذه ليست أضغاث أحلام بل شواهد واقعية.

وكل عمل مسرحي يفرض معالجة فنية، و"سأموت في المنفى" تطلّب مني أن أصوغه كعمل مونودراما أو "الممثل الواحد"، لأنني ما زلت غير واثق من مفهوم المونودراما، وإذا ما كان عملي ضمن هذا التصنيف، وما يهمني أنه عرض مسرحي يؤديه فنان واحد.

لذا، فالخيار فني دون تردد، ولكن الشيء الذي لا بد من معرفته، أنني اخترت نفسي ممثلًا منطلقًا من أن النص مُسْتَلٌ من السجل العائلي والشخصي لغنام غنام، وهو الأمر الذي فرض عليَّ أن ألعبه بنفسي.

هل تعتقد أن مسرح المونودراما بات، اليوم، الأقرب إلى الناس رغم الجدل المثار حوله وانتقاد البعض له كون المسرح يكون جماعيًا بالأساس؟

حين أتحدث عن عرض مسرحي، فإنني لا أفرض حجرًا على الشكل الذي يريده صانع العرض، لكنني أطالبه بتحقيق الهدف الأساس الذي يجب أن يحققه العرض وهو المتعة والفائدة.

فإذا توافرت المتعة والفائدة لي كمشاهد، هذا يعني أن العرض متناسق العناصر ومتوافق الأداء والأدوات، وعليه فليس هناك قاعدة لا يمكن الحياد عنها تقول إن العرض المسرحي فيه (جماعة) من الممثلين، والعرض يمكن أن يكون بممثل، باثنين، بثلاثة، وبألف ممثل، وأعود إلى فكرة المتطلب الفني الذي هو من يحدد، ولذلك لا آبه بالجدل والانتقاد.

في حوارات يخوضها مسرحيون، قرأت مرة أنه لا عرض دون سينوغرافيا ومؤثرات، وأنا كخيار فني (أقولها وأكررها) تخليت عن الديكور والإكسسوار والإضاءة في عديد عروضي، وبالنسبة لي فهذا تصميم سينوغرافي (حيوي ومتحرك) خيار فني، وهذا الخيار يحتم أن ألعب العرض في فضاء مفتوح، بلا ديكور ولا مؤثرات سمعية أو بصرية.

أكثر من 70 عرضًا ولم يسأل كل مَن حضر سأموت للمنفى أين السينوغرافيا، لماذا؟ لأن العرض منح المتلقي فرصة أن يبني في فراغ فضاء اللعبة السينوغرافيا التي تدور فيها الأحداث، أين؟ في خياله.. في رأسه، تمامًا كما تفعل القصيدة والموسيقى والأغنية، وكما تفعل الروائح، وكما تفعل الحكاية، والقصة، والكتب السماوية، التي تصل بالمؤمن إلى أن يرسم صورة للنعيم والجحيم، والشيطان والملاك.

تجربتك المسرحية ثرية بين التمثيل والتأليف والإخراج، وقد لخصت في تصريح سابق الفعل المسرحي بـ"إعادة تحيين فكرة وتحيين الأسئلة".. كيف ذلك؟

ما يدور في الحياة منذ بدء الخليقة من أحداث وصراع وتركيب شخصيات هو ذاته، لدرجة أن بعض الباحثين يعتبرون أن الحياة هي عبارة عن 40 موضوعًا، ولا أدري كيف حددوها بذلك، لكن لو افترضنا أنها أكثر من ذلك أو أقل، فإنها تتشكل بشكل مختلف، تبعًا لاختلاف الزمان والمكان.

فجريمة قابيل وهابيل، مستمرة بتجليات كثيرة وأحدث تحيين لها هو ما يحدث في فلسطين وأوكرانيا، وما يحدث في صراعات الأسر العادية والحاكمة في نفس الوقت على مدى العصور، لذلك اؤمن بأننا إنما نقوم بتحيين الأفكار والأسئلة، وقد وضعت هذا نصب عيني عندما عملت على الحكايات الشعبية والملاحم الشعبية مثل: عنتر، والزير، والهلالية، وغيرها..

لقد قمت بتحيين الصراعات والأسئلة، وقمت يتحيين الشخصيات، وبالتالي تحيين الأسئلة والإشارات، وإلا كيف يمكن أن أقدم "عائد إلى حيفا" التي كتبها غسان كنفاني، العام 1968 العام 2009، ونحن نرى ونعيش المتغيرات الدراماتيكية التي عاشتها وتعيشها القضية الفلسطينية.. إنه التحيين كلمة سر إعادة إنتاج الرواية ومحتواها، ولا أقول إعدادها فأنا لا أؤمن بهذا المصطلح السائد، وأقترب أكثر من التحيين مع المسرحة.

أنا كمسرحي أردني لست بلا آباء في المسرح، فأنا ابن شرعي مسرحيًا لمؤسس المسرح الأردني الحديث هاني صنوبر، والذي أسس أول تنظيم محترف للمسرح في الأردن وتابع لوزارة الثقافة مطلع الستينيات.

ما رسالة مهرجان المسرح العربي الذي تعد من مؤسسيه والذي يحط الرحال سنويًا في بلد عربي، وقد اختار هذه المرة المغرب؟

يمكن تحديد الرسالة من الناظم الذي يحمله المهرجان، منذ العام 2009، منذ الدورة الأولى وهو "نحو مسرح جديد ومتجدد"، فإذا أضفت إليها الناظم الذي نبني عليه المؤتمر الفكري في المهرجان وهو فعالية رئيسة لا تقل أهمية عن العروض سنجد "المسرح مشغل الأسئلة ومعمل التجديد".

إذن هكذا نجد أن المهرجان يعمل بهذين الناظمين، إضافة لتحقيق أهداف أخرى عديدة من خلال أن يحط رحاله كل عام في بلد عربي، حيث يساهم بتفعيل المشهد المسرحي في البلد المضيف، فتتحول البلد المحتضنة للمهرجان من خلال تعاون الهيئة مع الجهات المسؤولة عن المسرح والمعنية به إلى قبلة يحج لها المسرحيون فعلًا.

فمثلًا هذه السنة في الدار البيضاء، هناك حوالي 500 مشارك بشكل رسمي في المهرجان، وهناك حوالي 100 مسرحي قدموا على حسابهم للمواكبة، وبالتالي صار نبض المدينة مسرحًا عربيًا، ناهيك عما يحمله المهرجان من سوق لإصدارات الهيئة وورش تدريب وندوات نقدية ومؤتمرات صحفية وتكريمات، وكذلك الحدث المهم الاحتفال باليوم العربي للمسرح وإلقاء صاحب الرسالة لرسالته في افتتاح المهرجان، نحن نرددها ونعنيها "مهرجان المسرح العربي أكبر من مجرد مهرجان".

غنام غنام: المسرح اليوم مناضل بوعي ودون استسهال
العرض الإماراتي "رحل النهار" يفوز بجائزة مهرجان المسرح العربي

هل تكفي المساءلة التي تقوم بها الندوات الفكرية لهذا المهرجان لتقييم التجربة المسرحية؟

بالتأكيد لا تكفي، لكن يكفيها أن تفتح الباب للمساءلة، ويكفيها أن تلقي حجرًا في الماء الراكد، ويكفيها أن تجمع الباحثين مع المبدعين على طاولة المساءلة والبحث، ويكفيها أن تجمع الأجيال المختلفة مع بعضها تحت نفس السؤال الكبير، والمسرح عمومًا فن طرح الأسئلة.

ودون مبالغة، ندوات "نقد التجربة – همزة وصل" والتي أسست لهذا الاتجاه في الندوات الفكرية، وفي كل بلد نظمت فيه، كان يأتي صوت المسرحيين ليقول، لماذا لم نفكر بهذه الندوة من قبل، وشكرًا للهيئة لأنها جمعتنا، وهكذا دواليك.

لقد دفعنا العديد من الفرق إلى إصدار بياناتها الفكرية والجمالية، وكذلك أصحاب التجارب وضعناهم وجهًا لوجه مع أمر لم يمنحوه ما يكفي من الوقت والجهد، وهو التنظير لما يفعلونه، وبيمكن القول إن هذا الحراك يعيد للتنظير والبحث مكانتهما.

قدمت مؤخرًا قراءة لتجربة المسرح الأردني في بحث أكاديمي، لماذا ركزت فيها على فكرة التوثيق؟

هو ليس بحثًا أكاديميًا..هو محاولة فردية لتوثيق ببلوغرافي من خلال جداول للمسرح الأردني، من 1918 إلى 2006، وقد صدر بطبعته الأولى، العام 2007، وعادت وزارة الثقافة وطبعته ضمن منشورات مكتبة الأسرة العام 2022.

وبالطبع 2018 إلى ثمانينيات القرن الماضي اعتمدت على كتب صدرت وأهمها ما أنجزه عبد اللطيف شما، واعتمدت كذلك على البحث عن بعض العاملين من حقب الستينيات والذين ما زالوا على قيد الحياة، وأما من الثمانينيات فصاعدًا فقد كنت جزءًا من الحركة المسرحية وكان سهلًا علي التيقن والتثبت فما زال صناع المسرح موجودين، وبالطبع كان لما أنجزه شما، ومحمود إسماعيل بدر، دور مهم.

ولا أدّعي بأنني مؤرخ أو موثق، أنا كاتب ومخرج وممثل، ولكن عندما كنت أشارك في مهرجانات عربية وجدت أن هناك جهلًا عربيًا عامًا بتاريخ المسرح في الأردن، والذي كان قبل نشوء الدولة الحديثة جزءًا من تقسمات سياسية سابقة، حيث كانت سوريا الكبرى تحتوي ممالك صغيرة، وولايات عثمانية و ما إلى ذلك.

لذا فالأردن جزء من هذه المنطقة، يعني كيف يمكن أن تحسب أن المسرح بدأ في دمشق أو بيروت أو يافا وهي كانت مع السلط والكرك مدنًا شقيقة في بلد واحد، لذا وجدت أنه لا بد أن أنجز كتابًا مختصرًا يحمل تأريخا للحراك المسرحي، لأنني كمسرحي أردني لست بلا آباء في المسرح، فأنا ابن شرعي مسرحيًا لمؤسس المسرح الأردني الحديث هاني صنوبر، والذي أسس أول تنظيم محترف للمسرح في الأردن وتابع لوزارة الثقافة مطلع الستينيات، وكان قبل ذلك قد أسس المسرح القومي في سوري نهاية الخمسينيات، وهو من أسس أول فرقة مسرحية في قطر مطبع السبعينيات.

هذا كان المنطق الذي انطلقت منه للكتاب، جعلت رصدًا عامًا لأهم ملامح كل عشرية، وثبتً لجدول المسرحيات (المؤلف، المخرج، الفرقة، تاريخ الإنتاج ومعلومات مختصرة من مساراتها المهمة).

مقارنة بالمسرح خلال السبعينيات والثمانينيات، ما الذي ينقص الحراك المسرحي العربي حاليًا ليعيد لهذا الفن دوره وجمهوره؟

المقارنة غير عادلة وغير دقيقة، خاصة أنني أرى أن المسرح الذي يمتلك وعيًا ويقدم فنًا محكمًا غير مستسهل له جمهور كبير في الوطن العربي، والأجيال الجديدة أجيال مغامرة وخلاقة، وما يختلف بين هذه المرحلة وتلك المراحل ليس المسرح، بل المناخ السياسي وما خلفه من خراب اجتماعي واقتصادي وثقافي.

المناخ السياسي هو الذي ينقصه (الموقف، والإيديولوجيا، والإرادة الوطنية، والإيمان القومي، والامتداد الأممي) ليعود إلى دوره الذي يجعل الجماهير تؤمن به، وهو في هذه الحالة يؤمن بالفن والثقافة، ويبتعث الشباب لنهل الثقافة والفنون من كافة أقطار العالم.

والجمهور، اليوم، لا يؤمن بالنظم السياسية القائمة إلا بقدر حاجته للقوت اليومي وعدم الموت، من هنا فإن المسرح، اليوم، مناضل بوعي وتحدٍ أعلى.

وبناءً عليه، أعني على تخريب الثقافة، انتقلت عدوى الاستهلاك والاستسهال لقطاع من الفنانين، وهذا ما تجب معالجته لا لنعود إلى سبعينيات القرن الماضي بل كي نمضي إلى سبعينيات القرنين الحالي والمقبل.

غنام غنام: المسرح اليوم مناضل بوعي ودون استسهال
حكيم حرب: المسرح صامد إلى ما لا نهاية رغم التكنولوجيا الحديثة

الأكثر قراءة

No stories found.
logo
إرم نيوز
www.eremnews.com