بعد مقهى الراوي.. مَن يقف وراء مصادرة الكتب في السعودية؟

بعد مقهى الراوي..  مَن يقف وراء مصادرة الكتب في السعودية؟

المصدر: مهند الحميدي - إرم نيوز

شهدت العاصمة السعودية الرياض، يوم الجمعة الماضي، مصادرة حوالي 7 آلاف كتاب، تتجاوز قيمتها 100 ألف ريال (حوالي 26.6 ألف دولار) من مقهى ”الراوي“ الشهير، بتوجيه من وزارة الثقافة، دون تقديم الأسباب الموجبة للمصادرة.

وقال ناشطون سعوديون، إن كتب المقهى لم تكن للبيع أو الإعارة، بل للاطلاع والقراءة، ولا توجد أي ممنوعات بينها.

غضب في مواقع التواصل

وفي ظل انتشار مواقع التواصل الاجتماعي، التي يتخذها الكثير من السعوديين منبرًا لبث آرائهم، ويجدون فيها فضاءً من الحرية للتعبير عن هواجسهم، امتلأت تلك المواقع بالانتقادات اللاذعة التي عكست غضبًا شعبيًا من سياسة منع الكتب ومصادرتها.

ووصلت آثار عملية مصادرة كتب مقهى الراوي إلى تحفيز بعض مشاهير المثقفين في المملكة للتعبير عن غضبهم تجاوبًا مع وسم أطلقه مغردون سعوديون تحت عنوان: ”#مصادرة_كتب_مقهى_الراوي“؛ وعلّق الكاتب جمال خاشقجي على ”تويتر“ قائلًا ”#مصادرة_كتب_مقهى_الراوي تبعث رسالة سلبية، أن انصرف أيها الشاب عن التفكير والثقافة وكن بسيطا وسطحيا، كان حري بالوزارة دعم مبادرة كهذه“.

وكتبت الإعلامية، إيمان الحمود ”كنّا ننتظر أن تحصل السينما على ڤيزا لدخول السعودية.. فإذا بها (الثقافة) قد حصلت على تأشيرة خروج بلا عودة! #مصادرة_كتب_مقهى_الراوي“، في إشارة إلى معاناة صنّاع السينما في المملكة التي تخلو منذ سبعينيات القرن الماضي من أي دار للعروض السينمائية، في ظل غياب البنية التحتية للفن السابع، في حين نجحت أفلام سعودية في الوصول إلى العالمية.

وقال أحد المدونين ”#مصادرة_كتب_مقهى_الراوي رسالة سلبية تكشف الخوف من الوعي“.

وأضاف آخر ”بعد #مصادرة_كتب_مقهى_الراوي أعتقد أن وزارة الثقافة أصبحت هيئة مكافحة الثقافة لأنهم شغالين حجب مواقع ومصادرة كتب ومنع كتب وهكذا“.

وعلّق خالد العلكمي ”لماذا هذا الفزع من الوعي؟! #مصادرة_كتب_مقهى_الراوي“.

وقال الكاتب السعودي عبد العزيز البرتاوي، في صفحته على موقع ”فيسبوك“ للتواصل الاجتماعي ”لقد كان المقهى ينبوع سلام، في مدينة الصحراء الجافة هذه، ويبدو أنهم ماضون جدّيًا في تجفيف كل منابع الوعي. ولا عزاء لقوم، يحسبون كل ثقافة عليهم“.

وأضاف المدون سعيد جبريل متسائلًا، أن ”هذا عجيب، ما حيثيات اتخاذ هذا القرار؟ ونحن الذين نفترض أن الأمور بطريقها للانفراج!“.

ويُعدّ مقهى الراوي؛ مبادرة ثقافية شبابية، تم تأسيسه في الرياض ليكون مُلتقًى للأدباء والكتّاب والمهتمين، ويضم مكتبة كبيرة فيها مجموعة واسعة من الكتب؛ ويقول القائمون عليه إنه ”لا يضم كتبًا ذات حساسية سياسية، إذ تم شراء معظم الكتب من المعارض الداخلية. (و) احتاج ذلك لجهد كبير ومبالغ مرتفعة.. (و) يضم قاعة هادئة مخصصة للقراءة والكتابة“.

ومع ارتفاع حدة هذه المواقف الغاضبة الصادرة عن عدد من قادة الرأي ومثقفي السعودية، يلفّ الغموض مستقبل المملكة الثقافي، إذ تتعارض رؤى الإصلاح المستقبلية مع منع منافذ الفكر والثقافة من تأدية دورها التنموي، على الرغم من أن الرقابة والمنع باتا -في ظل التطور المعلوماتي والثورة الرقمية- أمرًا غير ذي جدوى.

الرقابة تطوّق الكتّاب

وشهدت المملكة حالات كثيرة من منع نشر كتب بعينها؛ إذ سبق أن حُرِم الكاتب السعودي، عبده خال، الحائز على جائزة البوكر العربية، عام 2010، من نشر ثماني روايات من إنتاجه في السعودية، خلال مسيرته الأدبية، فيما سمحت السلطات ببيع روايتين له فقط في الأراضي السعودية، على الرغم من انتشار كتبه في معظم الدول العربية.

وفي العام 2012؛ منعت السعودية رواية الكاتب السعودي، عبدالله مفلح، التي حملت عنوان ”حكاية وهابية“ لاعتراض الرقابة على عنوانها.

ولم يسلم كبار كُتّاب المملكة من المنع؛ إذ طالت الرقابة الأديب السعودي المشهور الراحل، غازي القصيبي، وزير الثقافة السابق، إذ غابت غالبية مؤلفاته عن أسواق الكتب السعودية، حتى العام 2014، قبيل أشهر قليلة من وفاته وبقرار وزاري.

من يمنع الكتب؟

ويشتكي الكثير من كتّاب المملكة من أن حظر نشر مؤلفاتهم في بلادهم، غير مبرر، وغالبًا ما تمتنع الجهات المسؤولة عن المنع، عن تقديم تبرير واضح ومنطقي للحظر.

ويؤكد الكاتب السعودي، عبده خال أن الكتب لا تخضع لنظام معين، ويعود المنع بالدرجة الأولى إلى ”مزاجية الرقيب الذي قد يسمح أو يمنع من دون مسوغ منطقي“.

ووفقًا للقانون السعودي، تُعدّ وزارة الثقافة والإعلام الجهة المسؤولة عن الرقابة والمنع والمصادرة، عبر الاستعانة بمراقبين متخصصين بالعلوم الشرعية واللغوية والاجتماعية والسياسية والتاريخية.

إلا أن الأعوام الماضية شهدت تدخل جهات أخرى في العملية الرقابية؛ كان أبرزها هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي لها باع طويل في مصادرة الكتب التي ترى أنها مخالفة لمبادئ الإسلام، حتى لو تعارضت إجراءاتها مع موافقات الوزارة.

وسبق أن أكدت الشاعرة السعودية، فوزية أبو خالد، أن ما حدث في دورات سابقة من معرض الكتاب في الرياض، هو ”نتاج مجاملة الجهات الرسمية لبعض القوى الاجتماعية التي تجد في مثل هذه المناسبات المعقل الأخير لاستعراض قواها وتأكيد وجودها“.

معرض الرياض للكتاب

ولا تكاد تخلو دورة من دورات معرض الرياض الدولي للكتاب من مشادات بين مسؤولي المعرض وأعضاء في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بعد عمليات مصادرة بعض المؤلفات، في حين رصدت وسائل الإعلام، في دورات سابقة، حالات من الاعتداءات على مثقفين وإعلاميين متواجدين في المعرض.

وسبق أن رضخ معرض الرياض للكتاب لمنع قائمة طويلة من الكتب، تحت ضغط الجهات الرسمية، أو إصرار المحتسبين على عدم مواءمتها للعرض في السعودية؛ منها كتاب ”الملوك المحتسبون“ للكاتب منصور النقيدان.

وفي العام 2013، أغلقت السلطات جناح ”الشبكة العربية للأبحاث والنشر“ بالكامل في معرض الرياض، بحجة وجود كتب مخالفة.

إلا أن الدورتيْن الأخيرتيْن لمعرض الرياض، شهدتا تطورًا لافتًا، إذ عملت الوزارة على الحدّ من تدخل المحتسبين غير الرسميين في قرارات المنع، وبطبيعة الحال فإن الرقابة في المعارض الدورية تكون أقل وطأة.

البدائل الإلكترونية

ويجد الكثير من القرّاء السعوديين، ضالّتهم في الفضاء الإلكتروني، الذي يوفر لهم أحدث إصدارات الكتب، بضغطة زر؛ ما يجعل قوائم المنع الرسمية غير ذات جدوى.

ويلجأ كثير من السعوديين إلى تحميل الكتب الممنوعة من مواقع الإنترنت التي تتيح لهم قراءتها بعيدًا عن الجهات الرقابية.

ما هي الكتب الممنوعة؟

وتحوز الكتب السياسية على المساحة الكبرى في قوائم المنع، وتليها كتب الأدب والفنون، لتحل الكتب الدينية بالمرتبة الثالثة.

كما تتصف قوائم منع الكتب بالجمود، إذ لا يتم تحديثها، أو إعادة النظر فيها، بما يتواءم وتغيرات العصر.

المنع يزيد الإقبال

وكثيرًا ما تتسبب عملية حظر كتب معينة، بردود أفعال عكسية تجاهها، إذ تساهم في الترويج لها، وإثارة فضول القراء لاقتنائها والاطلاع على مضامينها؛ وكان الكاتب السعودي، عبد الله الغذامي؛ قال إن“ منع الكتب في المعرض ظاهرة غير صحية، وإذا أردت أن تروّج لكتاب فاسحبه، بل إن دُور النشر تبحث عمن يروّج لمثل هذه الإشاعات لتزيد من مبيعاتها“.

وأضاف أن ”ثقافة المنع تعطي نتائج عكسية، معظم العقول التي تتّجه نحو المنع هي تتحرك بسبب وجهة نظر لديها، بأن هذا الكلام مشبوه وأنه لا يصحّ، ولكن لو فتحت الموضوع للنقاش لسمعت رأيًا آخر، ليس بالضرورة أن يأتي الحكم على الأشياء، من مصدر واحد“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة