مهارة الالتقاط في السرد عند السعودي عبد العزيز مشري في“ الوسمية“

مهارة الالتقاط في السرد عند السعودي عبد العزيز مشري في“ الوسمية“

المصدر: حسام معروف-إرم نيوز

يعطينا الأديب السعودي عبد العزيز مشري، نقاط إضاءة عن مجتمع القرية القديم، في خمسينيات القرن الماضي، من خلال نصوصه السردية في “ الوسمية“ الصادرة عن دار أثر للنشر والتوزيع 2018.

وبمهارة متقنة، يتمكن الكاتب السعودي من طرق أبواب مختلفة، متعلقة بآداب وعادات القرية، التي تتشابه كثيرًا في البلاد العربية، لكن يتبقى لكل قرية أصالتها، ونمطها الخاص، تلك الهوية التي تشبه بصمة الإصبع للإنسان، ومن طبع الإنسان العربي، خاصة القروي، المباهاة  بعاداته وتقاليده ويكون شديد الانتماء لها.

لقد أظهر مشري ما يمكن تسميته صلب العادات في هذه القرية من حيث الفكر، والعادات، والمشاكل اليومية البسيطة في المنظور، لكنها معقدة للمجتمع البسيط الذي كان ينشأ وقتها. فتعرض  الأديب السعودي لعادات أهل القرية متمثلة بكرم الضيافة، وما اعتادوا أن يقدمو ه، من الذبائح، والقهوة، والشاي، وغيرها.

ورصد كيف ينتظر سكان القرية نزول المطر، وكيف يقومون بأخذ الاحتياطات اللازمة لنزوله، بإغلاق فتحات الأسقف، ويظهر كم المعاناة في تعامل أهل القرية مع نقص المطر، وشح الماء، وكيف  كان يتسبب حفر الآبار في موت الأشخاص. ويعرج  المشري في نصوصه الـ 13، على الكثير  من القضايا المتعلقة بحل النزاعات بين أهل القرية، وكيف كانت تتخذ الأحكام، وطريقة التحري عن الحق، وطريقة أخرى للتأكد من لجنة التحري البسيطة، ومن ثم الحكم بين الطرفين.

وتناول المشري دور المرأة في ذلك المجتمع البسيط، حيث أثبت تواجدها في مساعدة الرجال، وقدرتها على التدخل في حل المشاكل، كما حدث في نهاية النصوص، عندما أخذ برأيها للفصل في الحق. كما تناول الكاتب قدرة المرأة في القرية على الدفاع عن نفسها ولجم الفكر الذكوري، ونقل المشري في ”الوسمية“  عادات أهل القرية في الأفراح، بلغته المركبة ما بين الفصحى والعامية، بشكل رصين.

كما نوه الأديب السعودي إلى نكبة فلسطين وقتها، وكيف صار نزوح الفلسطينيين عن أراضيهم، هو السائد، وانتقالهم للعمل في دول الخليج، التي احتضنتهم بكل رحابة. وتحدث عن العلاقات الطيبة التي نسجت وقتها بين الفلسطينيين والسعوديين، وكيف أنها تحولت إلى صداقات امتدت لسنوات طويلة، وتوجت  بتبادل الزيارات. ويعرفنا الكاتب السعودي على مصطلحات متداولة بين أفراد القرية، مثل الراتب وهو الدعاء بالانتقام، والوسمية، وهي موسم المطر، والرشاش وهو أول المطر، والماطور وهو بئر لتجميع المطر. ويأخذنا في جولة مع القناعات والمقولات المتداولة وقتها مثل :“ موت من ماء، ولا موت من ظمأ“، وكذلك “ إذا طاعك الزمان فطيعه“، وما كان يقوله الطفل للشمس عند خلع ضرسه ”خذي  يا عين الشمس ضرس حمار وأعطيني ضرس غزال“ . وتناول كذلك فكرة دخول النفط للقرية، وتواجد أول سيارة ، وكيفية تعامل المجتمع القروي مع الاكتشاف الغريب، تلك الدهشة التي تخرج الإنسان عن وعيه، وفي ذلك رمزية إلى القرية بعد الحداثة، كيف تغيرت عاداتها مع الزمن.

ويقدم مشري في عرضه لربما بلهجة اجتثاث الآفات لبعض العادات السيئة، مثل قمع المرأة،  أو لربما إخراج مجتمع كامل إلى الضوء، كأنهم فريق يصعد إلى المسرح. وقد كان بلغته البسيطة، ينقب عن الأصالة، والحنين لربما، إلى تلك اللحظات البسيطة التي كان فيها أكبر هموم الإنسان انتظار هطول المطر.

من الملفت أن النمط السردي لعبد العزيز مشري في ”الوسمية“، قد لامس روح نجيب محفوظ، الذي كان يلتقط قصصه، ورواياته، من نبض المواطن المصري، لينقل له صورة واقعه بلغة بسيطة، فيها من التلميحات التي تصل بسلاسة للجميع.

يأخذنا مشري في جولة من اللغة البسيطة، لغة السرد الغير محملة سوى بواقعها، وعلى شاكلة ما يفعله الحكواتي في رواية قصصه الشعبية، تنقل الأديب السعودي بين المظاهر والموضوعات بحنكة ومهارة الالتقاط للمواقف المتنوعة التي تفرزها الحياة القروية، لقد برع الكاتب في ذلك حقًا، وسرد ما أراده بشكل فيه لباقة، تكفي لشد القارئ إلى آخر الخيط السردي.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com