هزاع البراري: الكتابة مواجهة ومكابدة والإبداع فن مقارعة الأضداد

هزاع البراري: الكتابة مواجهة ومكابدة والإبداع فن مقارعة الأضداد

ينظر الكاتب والروائي الأردني هزاع البراري إلى الكتابة باعتبارها وحدة واحدة، ويجد في ذاته كاتبًا عابرًا للأجناس الأدبية، ويعزو ذلك لحالة التشظي الداخلي الكبير؛ وهو تشظي يقوده الوعي والإدراك لأهمية كل جنس أدبي وتفرد أدواته الخاصة.

البراري الخارج حديثًا من موقعه كمسؤول عن الثقافة في بلاده، يكشف في حواره مع "إرم نيوز"، أن الساحة الثقافية في الأردن من أنشط الساحات الثقافية في المنطقة، وأكثرها إنتاجًا وتميزًا، رغم التحديات التي تزداد شدتها، وهي تحديات عامة تلقي بظلالها الثقيلة على المنطقة برمتها.

وفي الحوار التالي يبوح "البراري" بالمزيد عن المشهد الثقافي والنزوح بين الأجناس الأدبية:

المكان هو صاحب الفعل الحقيقي في النص، ومن دونه تبقى الكتابة معلقة في الفراغ بلا هوية ولا رائحة، وبالتالي بلا ذاكرة.

المبدع والوظيفة الرسمية، ماذا تأخذ منه وماذا تضيف له؟ وأنت شغلت وظائف عديدة في وزارة الثقافة آخرها منصب الأمين العام لوزارة الثقافة الأردنية،  والآن تعود لمشروعك الإبداعي وقد تحررت من الوظيفة الرسمية.

من المؤسف أن حرفة الأدب لا تنفق على صاحبها، ولا تؤمن عائلته بمتطلبات العيش المادية، خاصة في عصر استهلاكي بشكل وحشي، ولعل المبدع في مجال الأدب وتحديدًا في الوطن العربي غالبًا هو من ينفق على إبداعه وأدبه وليس العكس، فهو إما يعيش في ضنك العيش أو يلتحق بوظيفة تؤمّن له ولو الحد الأدنى من متطلبات الحياة اليومية والعائلية.

وأنا لست استثناء، فكان عليَّ أن التحق بالوظيفة بعد مرحلة الجامعة مباشرة، فعملت في مجال التدريس في وزارة التربية والتعليم سنوات قليلة قبل أن انتقل إلى وزارة الثقافة لأعمل رئيسًا لقسم النشر ومن ثم مديرًا للدراسات والنشر ومستشارًا لوزير الثقافة وأخيرًا أمينًا عامًا لوزارة الثقافة 6 سنوات.

وبعد مغادرة الوظيفة الرسمية، أجد أنها بقدر ما منحتني فرصًا في الإدارة الثقافية وخبرات كبيرة في مجمل إدارة الفعل الثقافي سواء في النشر أو التراث أو المسرح والأفلام وثقافة الطفل وغيرها، بقدر ما استهلكت كثيرًا من طاقتي واستنزفت وقتي، وأثَّرت بشكل مباشر وغير مباشر على مشروعي الأدبي، حيث تباطأ، مع قلة وتيرة التراكمية فيه وإن جهدت أن أبقى مواكبًا ومنتجًا للأدب والمسرح وحاضرًا في الفعل الثقافي ولكن بجهد مضاعف ووتيرة أقل.

أنا مع عمل المبدع لأن العمل ليس فقط ضرورة حياتية بل هو ضرورة إبداعية، فالكاتب جزء من حياة الناس وتفاصيلهم، وخير من يغمس فيها ويعبر عنها، وإلا فقد مصداقيته.

إذا فقدنا الحب خسرنا الحرب، ربما نحن لم نتقن الحب بعد رغم تاريخنا الطويل فيه.

كيف تقيّمم الحراك الثقافي والفني في الأردن وأنت مواكب لهذا الفعل كقيادي في الإدارة الثقافية ومنتج ضمن هذا الحراك؟

من متابعتي الحثيثة للحركة الثقافية والفنية الأردنية واندماجي فيها وإطلالتي على ما يجري على الساحة الثقافية العربية، فإنني أجد الحراك الثقافي والفني الأردني من أقوى وأنشط الساحات الثقافية في المنطقة، وأكثرها إنتاجًا وتميزًا، رغم التحديات التي تزداد شدتها، وهي تحديات عامة تلقي بظلالها الثقيلة على المنطقة برمتها.

مثلًا الرواية الأردنية في مكانة متقدمة إنتاجًا وسويّة فنية وحضورًا في الجوائز والمحافل الخاصة بالرواية، والشعر في منزلة جيدة جدًا، والقصة لابأس في نتاجها، والمسرح الأردني حاضر بقوة داخليًا وعربيًا، والمهرجانات المسرحية الرسمية والخاصة لها حضورها القوي، والأفلام الأردنية القصيرة والطويلة تحقق حضورًا لافتًا.

وفي حين تراوح فيه الدراما التلفزيونية مكانها، وبحاجة إلى جهد كبير، ونقلة حقيقية على صعيد المحتوى والشكل والرؤى الفنية، فإن الفن التشكيلي يؤكد على مكانته، والموسيقى تبقي على حضورها النوع، في حين أن الأغنية الأردنية تحتاج إلى الأفق العربي بشكل أوسع وأكثر تأثيرًا.

لا أطرح نفسي شاعرًا ولا أدّعي الشعر، ولكنني أكتب نصوصًا، وأترك لذهنية وذائقة المتلقي حرية تلقيها كما يشعر بها وكيف يحسها.

تناولت إطروحات ورسائل جامعية أعمالك الأدبية وركز بعضها على ثنائية الحب والحرب في نصوصك، كيف يجمع الكاتب الأضداد في نص واحد؟

الكتابة مواجهة ومكابدة، والإبداع هو فن مقارعة الأضداد، والثنائيات تحكمنا في كل تفاصيلنا، الحياة والموت، الحب والحرب، والفرح والحزن، الثورة والخيانة، النصر والانكسار..

والقائمة تتوالد، فنحن خلاصة الضد بالضد، فطروادة أعظم الحروب في التاريخ وقودها الحب الذي ارتوى بالدماء من الطرفين، والحرب بيئة خصبة للحب من أجل مقاومة الموت الفناء.

إن فقدنا الحب خسرنا الحرب، ربما نحن لم نتقن الحب بعد رغم تاريخنا الطويل فيه، لذا نحن نتقن الخسائر في حروبنا الكثيرة، والنص كلما اكتنز بالإضداد كلما كان انتصارنا الحقيقي في ظل كل هذا الانكسار.

نجد أن المكان أخذ حيزًا بارزًا في كتاباتك، فماذا يشكل المكان لك ككاتب وإنسان؟

المكان هو صاحب الفعل الحقيقي في النص، ومن دونه تبقى الكتابة معلقة في الفراغ بلا هوية ولا رائحة، وبالتالي بلا ذاكرة، والمكان ليس مجرد وعاء للأحداث أو مسرحًا للصراع، وهو شريك حقيقي وفاعل يؤثر في اللغة وفضاءاتها، ينحت الشخصيات ومآلاتها، ويشي بالأفكار والأحاسيس، وينبئ بتاريخ الشخصيات وبوصلة الصراح.

المكان له ملامح وتضاريس وروائح وسطوة تجعل منه بطلًا من أبطال الفعل الروائي، فمن تاه منه المكان تاه نصه وفقد روح لغته، وجعل من شخصياته بلا ملامح يستدل بها ويُبنى عليها، والكتابة عندي تساوي المكان، والمكان عندي هو وطن الكتابة وبوصلة الحياة.

أخبار ذات صلة
كيف يؤثر صوت الكاتب داخل النص؟

أنت قاصٌ وروائيُّ وكاتب مسرحي يرى البعض أنك تذهب إلى الشعر عكس الشعراء الذين ذهبوا باتجاه الرواية، كيف ترى هذه الهجرة بين الأجناس الأدبية؟

أنا أنظر للكتابة باعتبارها وحدة واحدة، وأنا كاتب عابر للأجناس الأدبية، وربما مرد ذلك لهذا التشظي الداخلي الكبير، وهو تشظي يقوده الوعي والإدراك لأهمية كل جنس أدبي وتفرد أدواته الخاصة.

ومنذ بداياتي في الرواية والمسرح والنقاد يشيرون إلى ذلك الشاعر القابع خلف لغة هذه النصوص، مؤكدًا أنني لا أطرح نفسي شاعرًا ولا أدّعي الشعر، ولكنني أكتب نصوصًا وأترك لذهنية وذائقة المتلقي حرية تلقيها كما يشعر بها وكيف يحسها.

وصحيح أن الرواية تحولت إلى تلك الساحرة التي أفتتن بها كثير من الشعراء والقاصين، ولا ضير في ذلك، شرط أن تتوافر الموهبة الروائية وأدوات الرواية، وللأسف هذه لا تتوافر دائمًا لدى كل من كتب في الرواية، حتى صار هناك نتاج كمي كبير، وصل إلى حد الفوضى في بعض الأحيان، وقلة في التميز الفني الذي يضيف الجديد، ويحقق الدهشة والتقدير.

الأكثر قراءة

No stories found.


logo
إرم نيوز
www.eremnews.com