المسرحي يوسف الحمدان
المسرحي يوسف الحمدانمتداولة

المسرحي البحريني يوسف الحمدان: لا مسرح دون تيار فكري فلسفي عميق

من أبرز مسرحيي الخليج والعالم العربي، ومسكون دائمًا بهاجس المسرح والعمل الجاد العميق والملتزم. لا يتردد في المكاشفة وإبداء الرأي بجرأة حتى لو كانت جارحة. هكذا يبدو الكاتب والناقد المسرحي البحريني يوسف الحمدان، حاسمًا غير مهادن، وهو يفكك هموم أبي الفنون، في لقائه مع "إرم نيوز".

يتنهّد يوسف الحمدان بعمق، عندما نسأله عن رأيه بما كتبه صديقه أبو حازم، أيمن زيدان، عندما تساءل: "كيف أصبحت الدراما التلفزيونية هي حاملة المشروع المعرفي.. إن الأمم التي تزيح الأدب والرواية والمسرح من خريطتها الثقافية هي أمة محكومة بالموت السريري"؟.

يقول الحمدان: "السؤال شائك. فالتراجع لا يقتصر على المسرح، بل يمتد إلى الثقافة والفنون العربية كلها". ويؤكد الحمدان أن المسرح، يستحق لقب أبي الفنون، نظرًا للفضاءات الواسعة التي يتضمنها. ويضيف:

"المسرح ليس فنًا مجردًا. فهو مرتبط بحالة فكرية وفلسفية لابد أن يستند إليها كي يتطور بالشكل الصحيح. هكذا هو حال المسرح في أوروبا، والفلسفة هي الركيزة الأساسية التي تتكئ عليها العلوم الإنسانية".

ويعود الحمدان إلى فترات مضت، فيتذكر مراحل ازدهر فيها الحراك الفكري العربي، وانعكس الأمر على معظم أنواع الفنون. ويضيف: "في الثمانينيات السبعينيات، كان هناك اتجاهات أيديولوجية معرفية لها اتصال مباشر بالمجتمع. وكانت تتميز بقيم أخلاقية في مقدمتها الصدق. لكن الأمور، اليوم، تغيرت، وغابت الأسئلة العميقة".

ويؤكد الحمدان: "غابت أسئلة التفكيك، كما يسميها جاك دريدا، واختفى الحفر الأركولوجي المعرفي كما يسميه ميشيل فوكو، نحن أمة لا تحتفي بالفلسفة والعلوم الإنسانية إلا فيما ندر..".

ويرى الحمدان، أن هناك الكثير من الأسئلة المهمة التي عادت إلى الواجهة، مثل الانتماء والهوية. ويقول: "من نحن؟ وما هويتنا. هل نعاني من الهويات القاتلة كما يقول أمين معلوف"؟.

المشكلة ليست في الحرية

ورغم اعتراف الحمدان بأهمية الحرية كقيمة إنسانية كبرى، لكنه لا يعتقد بأنها ستحل المشكلة. فالمسألة لديه مرتبطة بتطور الفكر والمخيلة أولاً. ويقول: "الحريات لا تكفي. لابد أن تتشكل تيارات فكرية وفنية حقيقية. ربما نجد مثالاً جيدًا لذلك في تونس، لأنها على اتصال مباشر مع أوروبا والعالم. كما ظلت تونس مهتمة بالمسارح والفنون، والفلسفة لديها تُدرّس منذ المرحلة الابتدائية".

ويضيف الحمدان: "الحرية ستظل ميتة وعقيمة ما لم تتبناها تيارات مؤمنة بالحرية.. الحريات الخلاقة التي تنجم عن وعي بتعدد حريات الفكر والاتجاهات".

هل المشكلة فكرية؟

لا يتردد الحمدان في التأكيد: "أكيد 100%، تكمن المشكلة، في غياب التماس الساخن بين الفكر والتنظيم العام في المجتمع. نحن واقعون في إشكالية خطيرة".

ويفتح الحمدان النار على المسلسلات التلفزيونية، ويقول: "أصبح طغيان الدراما التلفزيونية هو السائد الآن.. المسرح العربي لا يطعم خبزًا، المسرح في أوروبا يعيش ويستمر ويبقى، ويأخذ فسحة كاملة من الاستقلالية. أما عندنا فلا".

ويتذكر الحمدان، بأسى، أسماء كان لها حضورها المسرحي البارز، ويقول: "أكثر المشتغلين في المسرح، اتجهوا إلى الدراما، خاصة في الخليج العربي وفي سوريا، وأذكر منهم أسماء مهمة مثل: فايز قزق، جهاد سعد، سلوم حداد، أيمن زيدان.. هؤلاء مازالوا متشبثين بالثقافة، نظرًا لمرجعيتهم المسرحية".

ويعود الحمدان إلى فترة كانت فيها الدراما التلفزيونية أعمق، عندما كتب قضاياها روائيون مفكرون محكومون بقضايا الأمة والمجتمع.. ويذكّر بمخرجين سوريين مبدعين مثل حاتم علي، وباسل الخطيب، ونجدت أنزور.

ويضيف الحمدان: "نجد الوهج الدرامي التلفزيوني في أغلب مشرقنا العربي هو البارز، وليس المسرح، نادرًا ما نجد، اليوم، عروضًا مشغولة بالهم العام".

المشكلة في عقم المخيلة!

ويرى الحمدان أنه لا مناص سوى باستيقاظ الأسئلة الكونية والتفكيكية للواقع، بحيث يتشكل تيار يمكنه تعرية كل ما من شأنه الوقوف في وجه الفكر والمخيلة. ويضيف: "المخيلة أهم من الماء، كما يقول أنشتاين. ومشكلتنا، اليوم، في عقم المخيلة، هناك هوس بالتكنولوجيا، وهي مهمة، ولكن لا تكفي دون فهم واعٍ وتوظيف فكري صحيح بما يتناسب مع المجتمع".

وفيما يخص التكنولوجيا، يذكر الحمدان من المسرحيين ممن وظفوا التكنولوجيا البصرية بصورة جميلة، مثل توفيق الجبالي. لكنه يعتقد أن المشكلة تبقى موجودة بسبب غياب المختبرات المسرحية والمحترفات.

هل هناك أزمة في النص المسرحي

لا يرى الحمدان، أن المسرح يعاني من مشكلة بتوفر النصوص المناسبة. فالنصوص كثيرة ويمكن تقديمها برؤى مختلفة. ويضيف: "يمكن أن نقدم مليون رؤيا لنص مسرحي شكسبيري، أو نص لسعد الله ونوس، المشكلة بالمخيلة والرؤيا التي تتأسس بالوعي، النص هو المختبر. بعض المخرجين يجدون نصوصهم في الجسد، فالجسد نص، السينوغرافيا نص، مجموعة نصوص تتقاطع، ومن يفعّلها هو صاحب المخيلة المشتعلة دائماً".

ويرى الحمدان أن المسرح مشغل حي في المجتمع، وهو قادر على التغير والإبداع اليوم. ويضيف: "لا يمكن أن تقدم عرضًا مسرحيًا، في اليوم التالي، يطابق، اليوم، الذي سبقه".

المتلقي الأعزل

ويعتقد الحمدان، أن المتلقي جزء مهم ومحوري في العرض المسرحي، يجب أن يتفاعل معه ويشارك فيه ويتلقاه بشكل صحيح. وقال:

"كيف نجعل المتفرج جزءًا لا يتجزأ من المسرحية؟ القارئ الثالث هو المتلقي، كيف يصبح جزءًا من العملية المسرحية، وكيف ينتج هذا العرض عروضًا أيضًا؟".

ويعتقد الحمدان، أن العرب لا يملكون دراسات نقدية مسرحية، خاصة المتعلقة بالمتلقي، فهي مفيدة في مواجهة الفراغ الحاصل. ويضيف:

"أتحدث عن النقد الحقيقي الذي يؤازر التجربة، ويخلق وهجًا جديدًا للتجربة، ويكون مشتبكًا مع الأسئلة الكبرى.. المجتمع لا يمكن أن يعيش على المكرر والمستهلك، ويدعي مواكبة السوشيال ميديا. المسرح لا يحتاج إنسانًا منصرفًا إلى أمور لا تهم المجتمع وأسئلته".

مشاريع جديدة

وعن مشاريعه الجديدة، يقول الحمدان: "لدي كتاب سيصدر بعنوان "صرخات في وجه النقد المميت"، وكتاب بعنوان "طرفة يطرق أبواب الريح"، وكتاب ثالث عن تجربتي الذاتية في المسرح بعنوان "طفلي يشاكسني ويسألني ما المسرح؟".

الأكثر قراءة

No stories found.


logo
إرم نيوز
www.eremnews.com