الأديب الغيني تييرنو مونينمبو وعلى اليسار غلاف رواية "بلاد"
الأديب الغيني تييرنو مونينمبو وعلى اليسار غلاف رواية "بلاد"(إرم نيوز)

"بلاد" للغيني تييرنو مونينمبو.. رواية تفكك تعقيدات الهوية الجزائرية

استحضر الأديب الغيني تييرنو مونينمبو العشرية السوداء، التي عاشتها الجزائر في روايته الأخيرة "بلاد" "BLED"، عبر البطلة زبيدة التي عانت من جحيم التقاليد ومن خلال رحلتها القاسية نحو التحرر والتمرد على المجتمع في سلسلة أحداث سلطت الضوء على تاريخ الجزائر من الاستعمار الفرنسي إلى الإرهاب الدموي سنوات التسعينيات مرورًا بما يسميه بتعقيدات الهوية الجزائرية.

أسقط مونينمبو التجربة التي عاشها في الجزائر خلال وجوده بها لأربع سنوات من 1979 إلى 1983، واشتغل أستاذًا في قسم البيوكيمياء بالمركزين الجامعيين لولايتي باتنة وتيارت، وحاول الكتابة عن هذا البلد كنوع من الاعتراف بالمعروف، واختار زمان الرواية بعناية تامة كما فعل مع المكان الذي فضل أن يكون في المنطقة التي قطن بها، وهي بلدية "عين قسمة" "AIN GUESMA" وتقع في ولاية تيارت غربي الجزائر.

وتبدأ وقائع الرواية في أوائل سنوات الثمانينيات، أين تشعر الشابة زبيدة بالملل بين أب يعذّبه سر ثقيل وأم صامتة، لكن وصول الكاميروني "ألفريد" الذي جاء للتدريس في البلدة الصغيرة النائية، كان بمثابة شرارة لسلسلة من الأحداث التي قادت الفتاة الصغيرة إلى الفرار من عائلتها ومجتمعها.

وتعقدت الأحداث حتى انحدرت زبيدة إلى الجحيم، وهي أم شابة تم طردها من قريتها النائية لأنها تتحمل العار الثلاثي المتمثل في إنجاب طفل خارج إطار الزواج من رجل فرنسي رفض الاعتراف بأبوته، وفشلت في الهروب من بيت دعارة قذر، فقتلت رجلا يشتغل هناك، وانتهى بها الأمر في السجن بعد محاكمة استعجالية.

حاول الكاتب الغيني، في هذه الرواية القاسية المليئة بالتوتروالقلق، رسم الجزائرالتي تبحث عن هويتها، بين الماضي الأسطوري والحاضر المعلق والمستقبل الغامض، مركّزا على الحرب ضد الإرهاب التي كانت مشتعلة آنذاك، دون أن يهمل ما كان يلوح في الأفق بخصوص مخاطر التيار الإسلامي الذي أغرق البلاد في عقد من الرماد والدم.

وفي مقابلة صحافية سابقة للكاتب الغيني، وفي إجابته حول المقارنة بين زبيدة بطلة روايته "بلاد" وبين نجمة بطلة رواية كاتب ياسين الشهيرة، قال مومينمبو "نعم، بطريقة ما، ولكن ليس بنفس القدر ونفس الشعر الذي كتبه كاتب ياسين في نجمته. هي الأخت الصغيرة لنجمة. إن حقيقة أن لديها هذا الطفل من هذا بريتوني الذي يأتي أيضًا من عين قسمة تعطي لمحة عامة عن كل تعقيدات الهوية الجزائرية. هذه الهوية أيضاً حبستها الشعارات. لقد بالغنا في تبسيط ما هو معقد للغاية. تتكون الجزائر من طبقات من الهوية، مثل الطبقات الجيولوجية. لقد مرت جميع الشعوب عبر هذا البلد. ولا نستطيع تلخيص هذا البلد بالعربي، فهذا غير ممكن". 

وبمناسبة تواجده بالجزائر حاليا، للمشاركة في صالون الجزائر الدولي للكتاب - الجارية فعالياته إلى غاية الرابع من نوفمبر المقبل - نبّه ثـييـرنو مونينمبو صاحب مقولة "أفريقيا تمنعني من النوم" إلى الدور الهام الذي يلعبه الكاتب الأفريقي في مواجهة أطماع القوى الاستعمارية، بالنظر إلى قدرته على التأثير في أصحاب القرار وتوجيههم، والمساهمة في رسم معالم المستقبل وإبداء الرأي وزيادة الوعي لمواجهة التحديات والفقر والحروب الأهلية، وغيرها.

الكاتب الغيني الذي يعتبر نفسه من الجيل الضائع الذي تمت التضحية به لما قال:  "نحن جيل مضحى به، جيل ضائع"، ركزعلى أهمية التزام الكتاب الأفارقة "بتقديم نقد بنّاء لأوضاعنا، والتمسّك بحق الحلم وزرع الأمل بين الأجيال القادمة رغم الافتقار للكثير من مقوّمات وظروف الكتابة في العديد من الدول الأفريقية".

وقال مونينمبو، في تقييمه لمستوى الكتابة عند الأجيال الأفريقية الحالية، "إن التواصل بين الكتاب الأفارقة جد مهم ومفيد لتفادي وجود هوة فكرية بين الأجيال، أتحدث مع الكثير من الشبان الكتاب وأقرأ لهم، ونتبادل الآراء فيما بيننا لما فيه خير ومصلحة القارة، هم محظوظون لوجود فضاءات متعددة أكثر حرية مما عايشناه سابقا مع بعض الحكام المستبدين، وأقلّ تضييقا على إبداعاتهم، ما يتيح لهم الانفتاح على التعددية الثقافية في أفريقيا وتصديرها لدول العالم الغربي، والكثير منهم جيّدون ويملكون مستويات جيدة وحسا ووعيا عاليين".

أضاف أن الأدب الأفريقي واكب تاريخ أفريقيا، ولا يمكن فصله عن مشاكل الراهن، مشيرا إلى أنه رافق التغيرات التي شهدتها أفريقيا، ورافق التاريخ الأفريقي ولم يكن يوما بمعزل عما تعيشه القارة السمراء.

وأشار إلى أن مكانة الأدب الأفريقي حاضرة في أفريقيا التي شهدت تغيرات وأحداث على أصعدة كثيرة، سواء في الأزمات السابقة التي عاشتها القارة أوالأزمات الحالية، قائلا إن الأدب الأفريقي لم يتخلف يوما عن تاريخ القارة، فهو يعالج قضاياها ويتطرق إليها مثله مثل الأدب الأمريكو-لاتيني.

وشدد على أن الكتاب يلعب دورا مهما في المجتمعات الأفريقية، لكن تبقى المقروئية ضئيلة جدا، داعيا إلى تطوير المجتمعات وتغيّرها بابتكار نموذج جديد لا يكون مستوردا، ولا مقلّدا للغرب، بل أفريقي خالص يقوم على مقومات الإرث والتنوع الثقافي، انطلاقا من التعاون الأفريقي وتعزيزه بالتبادل في ظل وجود قواسم وعوامل مشتركة كثيرة.

جدير بالذكر بأن روايات الكاتب الغيني تتناول في كثير من الأحيان عجز المثقفين في أفريقيا، وصعوبات حياة الأفارقة في المنفى في فرنسا، حيث ولد تيرنو مونينمبو في 21 جويلية 1947 في غينيا، ثم ذهب إلى المنفى في 1969 وعاش في السنغال وساحل العاج قبل أن ينتقل إلى فرنسا في 1973.

ألف مونينمبو أكثر من عشر روايات، منها "الإرهابي الأسود"، وقد نال عن أعماله بضع جوائز منها، جائزة الباوباب لعام 2022 في كندا، والجائزة الكبرى للفرانكفونية في 2017 وجائزة رينودو عن فيلم Le Roi de Kahel في 2008.

الأكثر قراءة

No stories found.


logo
إرم نيوز
www.eremnews.com