رواية “الدانوب يعرفني”.. حينما يتحول الوطن إلى “الفردوس الغريبة”

رواية “الدانوب يعرفني”.. حينما يتحول الوطن إلى “الفردوس الغريبة”
المصدر: نعمة عز الدين- إرم نيوز

على الرغم من أن سنوات عمرها الشابة والفتية، تجعل قراءة سيرتها الذاتية يشوبها الكثير من التوجس والحذر النقدي، إلا أن المتأمل لمشوار الروائية السودانية الدكتورة إشراقة مصطفى حامد، والتي أصدرت منذ أيام قليلة، الجزء الثاني من سيرتها الذاتية تحت عنوان “الدانوب يعرفني”، عن دار “الآن ناشرون وموزعون”، مكملًا للجزء الأول “أنثى الأنهار.. من سيرة الجرح والملح والعزيمة”، سيكتشف هذا الصوت السردي الشجي المليء بتفاصيل الطفولة والصبا الفقيرة، وبقوة الارتباط العاطفي كأنثى بالأشخاص، وتقدير العلاقات الإنسانية، واتساع الذاكرة، حتى للأشخاص العابرين، وسنوات الكفاح المريرة التي عاشتها الكاتبة مع آلاف الشباب السوداني المتطلع للعدالة الاجتماعية، وحياة ديمقراطية رحبة، تستوعب جميع الأطياف والتكتلات السياسية.

سرد عذب

الروائية السودانية إشراقة مصطفى حامد، تسرد في عذوبة سنوات طفولتها الأولى، قائلة: “علمتني أمي عائشة (عواسة الكسرة)، وهي خبز شعبي من الذرة، يطهى على صاج في شكل طبقات رقيقة، تمردت في البداية بحجة أني صغيرة لكني تعلمتها وكنت أنوب عن أمي أو جدتي عندما تصابان بالإعياء لبيعها، لذا عرفت منذ نعومة أظافري كيف نقاوم قسوة الحياة بضحكاتنا العالية وسخريتنا من واقع البيوت التي تتساقط تحت زخات المطر لا سيما وأن المنطقة معروفة بخريفها القاسي”.

كما لم تجد حرجًا في سرد تجربتها مع الحياة، بداية من عملها كبائعة شاي “الزولة”، تحلم بأن تكون صحافية ذات شأن، إلى بائعة سندوتشات في شارع “الله والرسول”، وهي طالبة دبلوم عالٍ.

من بيع الشاي إلى الأدب

وتقول إشراقة عن هذه التجربة: “عملت في بيع السندوتشات لزميلاتي وزملائي بالدبلوم العالي بجامعة الخرطوم، وكنت أصحو باكرًا لإعدادها بجانب بيع الشاي لأي عابر، وهي تجربة ثرية وإنسانية ولا تختلف عن تجربة شاب ولد في عهد النظام الحالي، تخرج في الجامعة، ليجد نفسه سائقًا لـ”ركشة”، وهي دراجة نارية بثلاثة إطارات، بعد أن تخلت الدولة عن سنده في تحقيق أحلامه، وهذا ينطبق على كثير من الشابات اللائي لهن من الأحلام ما يغيّر خارطة العالم لو وجدن فرصة”.

وفي فقرة كاشفة من ذكريات طفولة الروائية السودانية، تروي عن سخرية رفاقها الصغار في مدينة كوستي من طفل يكبرهم، كان يعمل في مهنة حمل الجرادل، التي تحوي الفضلات الآدمية، قائلة: “كنت أحس بمشاعر غريبة تقبضني حين أرى كوكو الأكثر فقرًا، يحمل ذلك الجردل، والصغار يجرون خلفه ويهتفون: عيفونة سلطة بليمونة، أنزل الجردل بكل عفونة الظلم والمهانة من رأسه وجرى خلفنا..تساءلت إشراقة – الطفلة حينها -، لماذا هو بالذات ومن يشبهونه؟ لماذا ليس عبدالله جارنا أو أخي مثلاً؟”.

وتتابع: “ذلك المشهد المأساوي المعتاد، الذي لم يستوقف حتى أولي الأمر، ناهيك عن عامة الناس، هو البذرة التي أنبتت ما نحن فيه الآن من حروب ونزاعات وخيبات، فهو تجسيد حي للتخلف المركب في دولتنا ومجتمعنا، تخلف في العمران والمدنية، حيث لا نظام حديث للصرف الصحي، وتخلف في القيم والأخلاق، حيث العنصرية في تقسيم العمل، والاستعلاء على من يخدم المجتمع خدمة حيوية ومعاقبته بالسخرية والازدراء، بدلاً من شكره أو حتى تركه وشأنه”.

وتقدم سيرة الروائية السودانية إشراقة مصطفى حامد، المولودة في منطقة كوستي، بولاية النيل الأبيض في السودان، درسًا كبيرًا، يحتاجه الشباب من الجنسين بشدة، مفاده: أن لا يأس مع الحياة، حيث درست في ظروف معيشية شديدة القسوة، الصحافة والإعلام بجامعة “أم درمان” الإسلامية، وتخرجت بدرجة الشرف، أنجزت بعدها الدبلوم العالي في الإعلام بجامعة الخرطوم.

عين على السودان من النمسا

وفي عام 1993، غادرت حامد وطنها السودان، متجهة إلى النمسا، لنيل الماجستير من جامعة فيينا في الإعلام وعلوم الاتصالات، لتبقى هناك ولا تعود إلى الوطن، ولكنها ورغم سنوات البعد، عيناها لا زالت ترى الوطن الفردوس الغريبة المفتقدة شمسه ودفء ناسه ومحبتهم، فتصف بلغة سردية شاعرية ، لحظة مغادرتها مطار الخرطوم، وهي تهم بالرحيل من السودان: “صالة المغادرة هذه أصبحت جرحًا وطنيًا، ما زال ينزف بلا توقف، أفضل الأطباء وأفضل المهندسين وأفضل الإداريين والصيارفة والاقتصاديين والصحافيين وأساتذة الجامعات وأصحاب الرؤى المستنيرة، غادروا البلاد في أكبر عملية تجريف لرأس المال البشري”.

لذلك، ربما كان إصرار الروائية إشراقة مصطفى حامد، على تسجيل تفاصيل حياتها في دفتر السرديات، لعل الأجيال السودانية القادمة التي تملك بذرة الإبداع ترى في حياتها ما يستوقفها، أو كما اعترفت هي عن السبب الذي جعلها تحول سيرة حياتها إلى باب من زجاج، يستطيع الجميع رؤية ما خلفه، قائلة: “أﻫﺪي ﺳيرة دﻣﻌﻲ وﻣﻠﺢ اﻟﺤﻴﺎة وعزيمتي ﻟﺒﻨﺎت ﻣﻨﺴﻴﺎت في ذاﻛﺮة المدن والأرياف اﻟﺒﻌﻴﺪة، ﻷوﻻد ﻇﻠﻮا ﻣﻤﺴﻜين ﺑﺠﻤﺮﺗﻬﻢ ﻧﺤﻮ اﻟﺨﻼص، ﻧﺤﻮ اﻟﻐد، للآتي واﻟﺬﻳﻦ وﻟﺪوا ببيوت اﻟﻄين، وﻇﻠﺖ اﻟﻘﻨﺎﻋﺔ زادﻫﻢ رﻏﻢ اﻟﻮاﻗﻊ القاسي، إﻧﻬﻢ ﺑﻌﺾ ﻫﻮﻳﺘﻲ.. وﻛﻞ آمالي”.

أو كما تضيف الروائية السودانية في الجزء الثاني الصادر حديثًا من السيرة: “إنها ليست قصتي وحدي ولا ينبغي لها، فهي تستمد طاقاتها من عيون تدمع حنينًا للأزقة البعيدة، لصوت الجدّة الحنون، لصوت أذان في الحلة القريبة من بيتنا، يُنادي على الصلاة ثم يدعو الناس للمحبة والسلام”.

يذكر، أن إشراقة مصطفى حامد، صدر لها من قبل دواوين شعرية، هي: أحزان شاهقة، ومع ذلك أغنّي، وأنثى المزامير، وشعر، ووجوه الدانوب 2014، ومن أعمالها في الترجمة: الخندريس (من يخاف عثمان البشري)، رواية لعبد العزيز بركة ساكن، 2011.

كما نالت الدكتورة إشراقة مصطفى، جائزة هيرتا بامر للحركة النسائية الكاثوليكية، لنشاطها الأدبي، ومساهماتها وسط النساء المهاجرات من أفريقيا والوطن العربي، عام 1997، وجائزة ليوبلد اشتيرن الأدبية، عن قصتها “ثلاثة وجوه مفرحة تتجاوز الحدود”، عام 2002.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث