مشاورات أستانة.. ماذا بعد؟ – إرم نيوز‬‎

مشاورات أستانة.. ماذا بعد؟

مشاورات أستانة.. ماذا بعد؟

د. سامي عمارة - إرم نيوز

الكثير من الشواهد تقول إن مشاورات الأستانة تظل علامة فارقة في تاريخ الصراع الذي يتواصل للعام السادس على التوالي بين أبناء الوطن الواحد.

فليس ثمة شك في أن هذه المشاورات، وبغض النظر عما أسفرت عنه من نتائج متواضعة حسب تقدير الكثيرين، تعتبر ”اختراقًا هائلًا“ كسر حالة الجمود التي طالما حددت معالم العلاقة بين النظام الحاكم والمجموعات المسلحة ذات النفوذ الحقيقي داخل مناطق كثيرة في سوريا، بعيدًا عن فصائل المعارضة السياسية التي يسمونها على سبيل التندر ”معارضة الفنادق ذات الخمسة نجوم“، على حد تعبير مصادر رسمية روسية.

ومن اللافت أن عدد المجموعات المسلحة التي وافقت على المشاركة في مشاورات أستانة لم يكن كبيرًا في البداية، إلا أنه ومع اقتراب الموعد المحدد لبداية هذه المباحثات تزايد عدد الراغبين ليبلغ ما يقرب من 15 مجموعة مسلحة، تمثل مختلف أطياف المعارضة المتعددة الانتماءات والمواقف، بما فيها الراديكالية والمعتدلة.

وكانت موسكو تعتبر بعض هذه المجموعات، وحتى الأمس القريب، ”منظمات إرهابية“ طالبت بإدراجها ضمن قائمة الأمم المتحدة للمنظمات الإرهابية مثل ”جيش الإسلام“، و“أحرار الشام“ التي وإن لم تشترك رسميًا إلا أنها كانت ممثلة ضمن وفد الهيئة العليا للمفاوضات.

ومن هذا المنظور، يمكن ملاحظة تعدد التوجهات بقدر تباين التبعية والمصالح، فمنها من يخضع لتركيا بحكم مواقع تواجدها في شمال غربي سوريا، ومنها ”العلماني المعتدل“ ممن يرتبط أكثر بالأردن بحكم مواقعه في الجنوب، وفي خلاف عقائدي مع منظمات الشمال الغربي ذات الاتجاهات الإسلامية الراديكالية، وإن كانت الأغلبية تمثل فصائل الشمال المرتبطة بتركيا، والتي جاءت إلى الأستانة يحدوها أمل تأكيد الحد الأدنى من مطالبها تجاه تعزيز نظام وقف إطلاق النار واعتماد الآلية اللازمة للرقابة بعيدًا عن هيمنة إيران، والتوجه نحو تنفيذ قرار مجلس الأمن 2254 ، والاتفاق حول تغيير نظام بشار الأسد، سواء من خلال الإطاحة برأس النظام أو الاكتفاء مرحليًا بتفكيك مؤسساته.

وكان واضحًا أن الرغبة في المشاركة اقتضتها ظروف وتطورات الصراع في الفترة الأخيرة، والتي شهدت تحقيق النظام الحاكم العديد من الانتصارات العسكرية والنجاحات بمساعدة مباشرة من جانب القوات الجوية الروسية، والمساعدات العسكرية من جانب روسيا وإيران.

وذلك ما كان رعاة المشاورات يدركونه ويعملون من أجل توجيهه نحو الاتفاق حول المسار المنشود بعيد المدى، والذي يتعدى المشاركة في مباحثات جنيف المقرر عقدها في الثامن من فبراير المقبل بعد توقف طال لما يقرب العام .

وكشفت مصادر رسمية روسية، أن المطلوب يتلخص لاحقًا في ”المضي إلى ما هو أبعد، من خلال الاتفاق حول التعاون من أجل اجتثاث الإرهاب الدولي والقضاء على فصائله ومنظماته الرئيسية من أمثال ”داعش“ و“جبهة فتح الشام“، مع ضرورة توخي الحذر من احتمالات السقوط في شرك تكريس الأمر الواقع بما يهدد بتقسيم سوريا، والركون إلى سيطرة كل من الفصائل والمجموعات المشاركة على المناطق التي تسيطر عليها“.

 وعلى الرغم مما شاب مشاورات الأستانة من تراشق إعلامي بين ممثلي الجانبين، ورفض المعارضة المسلحة التفاوض المباشر، فقد نجح رعاة ذلك الحدث التاريخي في وضع الطرفين حول مائدة واحدة لأول مرة في تاريخ الصراع منذ بدايته في العام 2011، وهو ما وصفه ألكسندر لافرينتيف رئيس الوفد الروسي بأنه ”انتصار دبلوماسي باهر، وانجاز فائق الأهمية“.

 وذلك ما كان المقدمة المناسبة للتوصل إلى الوثيقة الختامية التي حظيت بموافقة الجانبين، وهو ما علّقت عليه مصادر روسية بقولها: ”كانت الدعوة تبدو وكأنها تحذير واضح اللهجة، إما الاستجابة والمشاركة في مشاورات الأستانة لتكونوا شركاء في العملية السياسية حتى بلوغ الهدف المنشود، أو اعتباركم منظمات إرهابية سيتم التعامل معها بموجب ما ينص عليه القانون الدولي بشأن التعامل مع الإرهاب“.

وكشف مراقبون كثيرون في موسكو عمّا يراودهم من آمال في التعاون لاحقًا مع الإدارة الأمريكية الجديدة في الحرب ضد الإرهاب ورموزه الرئيسية في المنطقة، مثل ”داعش“ و“جبهة النصرة“، على ضوء ما تعهد به دونالد ترامب في معرض حملته الانتخابية. وفي هذا الصدد أيضًا يشير هؤلاء إلى ما يمكن اعتباره تحولًا نسبيًا في موازين القوى الفاعلة في الساحة السورية، من حيث ابتعاد روسيا عن تبني الكثير من الأطروحات الإيرانية، والاقتراب أكثر من تركيا التي يتزايد التنسيق معها منذ لقاء المصالحة التاريخية بين الرئيسين فلاديمير بوتين ورجب طيب أردوغان في سان بطرسبورج، والتي ثمة من يقول إنها شهدت مولد ”فكرة عقد مشاورات الأستانة“.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com