الإخوان ومحمود عباس يجتمعون على إقصاء محمد دحلان – إرم نيوز‬‎

الإخوان ومحمود عباس يجتمعون على إقصاء محمد دحلان

الإخوان ومحمود عباس يجتمعون على إقصاء محمد دحلان

عدلي صادق

منذ منتصف يوليو 2016 عندما وقعت محاولة الانقلاب في تركيا، كان التركيز الهجائي “الإخواني” على النائب الفلسطيني المنتخب محمد دحلان، لافتا. واتسم الهجوم بضراوة غير مسبوقة، لاسيما في تعبيراته وفرضياته.

كثير من هذه الفرضيات، على ضراوته، لا يخلو من خفة. فقد جعل الخطاب التركي ـ القطري المشترك، ومن ورائه جماعة الإخوان، الرجل قادرا على تدبير انقلاب في بلد كبير، وإغواء نحو عشرين جنرالا من أسلحة البر والبحر والجو، وألوف الضباط والجنود، ومئات الأساتذة الجامعيين وعشرات الشخصيات السياسية منها من كان حليفا للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ودفعهم جميعا إلى محاولة الانقلاب عليه.

وتوالت الاتهامات وامتدت سياقاتها. وكان واضحا أن موقف محمد دحلان الرافض للحكم “الإخواني” في أيّ بلد من الإقليم، هو السبب الرئيسي والوحيد للهجمة الضارية التي ارتجلت موضوعاتها وسخر منها المتابعون. وبحكم تواجد محمد دحلان في دولة الإمارات العربية المتحدة، وقربه من القيادة فيها، وهي ـ كما هو معلوم ـ تتحسس خطورة الحكم “الإخواني”، في أيّ بلد عربي، على السلم الأهلي والنسيج المجتمعي وتماسكه وثقافاته الوطنية، أصبح دحلان وكأنه صاحب هذه الوجهة وسببها، وليس هناك من سبب آخر لها، شعبي أو سياسي أو حتى أيديولوجي إسلامي.

كانت الهجمة التي أعقبت محاولة الانقلاب في تركيا، استطرادا لهجمة “إخوانية” سابقة، بدأت مع انقلاب أسبق، طال النظام السياسي الفلسطيني، وشقه إلى جزأين على الأرض وفي السياسة.

في ذلك الانقلاب، الذي وقع في منتصف شهر يونيو 2007، وأدى إلى سيطرة الحلقة “الإخوانية” الفلسطينية على غزة؛ كان دحلان الهدف الأول للجماعة باعتباره رجل السلطة الفلسطينية القوي، والضامن لاستمرار مشروعها وتماسكه وهيبة النظام السياسي.

انقلاب فلسطيني

وكان من الطبيعي أن يصبح الرجل هدفا، في الوقت الذي تسعى فيه “الجماعة” الى إحراز جغرافيا سياسية لنفسها، ولو في رقعة ضيقة من الأرض، تمتشق فيها رمزية الكفاح الفلسطيني المسلّح، الذي يلقى استجابة شعبية فلسطينية بحكم انسداد الأفق السياسي وفشل التسوية والجرائم الإسرائيلية.

غداة ذلك الانقلاب، تعرض محمد دحلان لاتهامات مختلقة، جعلتها “الجماعة” ذريعة لانقلابها الدموي، على الرغم من حيثيات كثيرة تدحضها، من بينها علاقة محمد دحلان وجهاز الأمن الوقائي، الذي أسسه بعد تأسيس السلطة، بالمقاومين من كل الفصائل، وصداقاته مع قادتهم.

في ذلك الوقت، جرى التركيز على المرحلة التي كانت فيها الأجهزة الأمنية الفلسطينية معنية بإتاحة الفرصة لتطبيق اتفاق التسوية وبلوغ المرحلة النهائية منه ومنع العمل المسلح، وبخاصة التفجيرات التي تطال المدنيين، وتصعيد اليمين الإسرائيلي المتطرف الذي يرفض التسوية بشدة ويتمسك بالاحتلال. وغنيّ عن القول إن ذلك كان في حينه قرار القيادة الوطنية الفلسطينية، وليس قرار محمد دحلان.

أفضى انقلاب 2007 إلى سيطرة حماس على غزة، وربحت إسرائيل أول خطوة لتفكيك وحدة الفلسطينيين. وبعد انعقاد المؤتمر العام السادس لحركة فتح في الرابع من أغسطس 2009، وقد تم بتحالف الرئيس محمود عباس مع محمد دحلان، وانتُخب الثاني عضوا في اللجنة المركزية لحركة فتح، بدأ سيناريو التفكيك لكي تنشطر حركة فتح أو تعاد صياغتها في حجم مقلّص بمفاعيل الإقصاء.

شق التحالف

استمر مسلسل الهجاء التخويني “الإخواني” عبر الإعلام القطري. وبحكم معرفة الجانب الإسرائيلي لطبيعة موقف عباس المتمسك بالتنسيق الأمني دون سياق سياسي، والرفض تماما لأيّ نوع من المقاومة، سواء كانت مسلحة أو حراكا شعبيا حقيقيا، كان ضروريا بالنسبة إليه تهيئة المناخ لشق التحالف بين عباس ودحلان، وإسقاط الأول في غواية التفرد والحاكم الفرد في الضفة الغربية، دون مؤسسات ضامنة لسلامة المسار بمعايير العمل الفعلي على الأرض، وإحلال الهزال والسلطوية الجامحة في الداخل الفلسطيني محل الشروط السياسية وحيثيات العمل الوطني ذي البعد الإجتماعي.

في ذلك المنحنى، كان هاجس محمود عباس بعد إحكام قبضته على السلطة وحركة فتح، هو التفرد دون أن يعترضه أحد. وهذا يتطلب ألاّ يكون هناك أيّ رجل قوي بجانبه في قيادة فتح وفي السلطة. وهذا هو السبب الذي يمثل جذر مشكلة دحلان مع عباس، المصرّ على الاستمرار في مشروعه الخاص دونما إدراك بأن شرط نجاح مشروعه هو تماسك الحركة الوطنية الفلسطينية.

فبعد المؤتمر السادس لحركة فتح بدأ عباس يشعر أن المشهد الفتحاوي قد آل إليه، وأنه امتلك السيطرة على المقدّرات المالية دون رقيب أو حسيب، وبات هناك، في حساباته، عنصران أساسيان أو وظيفتان أساسيتان لكل من المال العام والنفوذ الرئاسي، وإن كان يرى، أن المشهد لن يكتمل بوجود أيّ صوت وأيّ رجل لديه الشجاعة لأن يطرح ملاحظات اعتراض أو نقد.

وللأسف، لم يكن هناك صوت يطرح اعتراضات أساسية وعامة، سوى عضو اللجنة المركزية المنتخب والنائب المنتخب محمد دحلان. فلو كان هناك أعضاء آخرون متضامنون وغيورون، لما كان عباس هو الذي نجح في خلق مأزق للجميع، بل إن الجميع سيكون قادرا على أن يصنع له مأزقا عميقا، لا انفراج له إلا بأحد اثنتين، إما إقصاؤه أو إلزامه بمنهجية مسلكية تقوم على أسس نظامية في الحركة ودستورية وقانونية في رئاسة السلطة!

وعندما جوبهت ممارسات عباس بنقد محمد دحلان واعتراضه، ترسخت القناعة لدى محمود عباس بأن العائق الوحيد أمام تفرده وهيبته وتسلطه هو محمد دحلان دون سواه. ظهرت تلك الحقيقة، في الإطار الأوسع، أثناء دورات انعقاد المجلس الثوري لحركة فتح، التي تميزت بمداخلات نقدية نوعية لعضو اللجنة المركزية محمد دحلان.

وبعد توزيع المهام في إطار اللجنة المركزية؛ تواصلت اتصالات الأخير، المكثفة، على المستويات المحلية والإقليمية والدولية، فيما كان دحلان يمارس عمله مفوَّضا للإعلام. وفي السياق، بدت الأمور، بالنسبة إلى عباس، وكأن المشهد الفلسطيني قد بات برأسين، الأمر الذي يراه عباس تهديدا خطيرا لمشروعه الشخصي.

ولعل استمالة محمود عباس السابقة لمحمد دحلان، بمنطق التُقية والتحريض على الرئيس الشهيد ياسر عرفات، هي التي جعلته على يقين، بأن محمد دحلان شخصية وازنة. ولم يكن عباس يستطيع أن يعترض على شيء في حياة الزعيم الشهيد، علنا، بغير وجود محمد دحلان إلى جانبه، علما بأن دوافع محمد دحلان كانت إصلاحية بحتة، في ظروف عسيرة وملتبسة، بينما دوافع عباس إقصائية، تتوخى الخلاص من الرئيس عرفات ووراثته، باستغلال تداخل الأمور وتعقيداتها والمداخلات الاستخبارية الخارجية الكثيرة، أثناء محاولة التوصل إلى التسوية، أي في المرحلة التي كان فيها محمود عباس يرى نفسه الضامن لنجاح عملية التسوية والعارف بأسرارها، والمستحوذ على علاقات سلسة مع أطرافها.

ثم إن محمد دحلان، عضو اللجنة المركزية، بات يمتلك هامشا واسعا من الحركة يُقلق طموحات عباس، لاسيما بعد أن استطاع التفوق عليه في مناطق علاقاته التقليدية مع أقطار الخليج العربي. فعباس كان تاريخيا، يستمد عناصر وجوده نفسها، في حياة الزعيم الشهيد ياسر عرفات، من تلك العلاقات، سواء بالمبالغة في وصف عمقها، أو بحقيقة أن هذه الأقطار مفتوحة له في كل وقت، ومعطوفة على علاقاته بأوساط دولية معنية بتعزيز ما تسمّيه الخط المعتدل في القيادة الفلسطينية على حساب الخط المتشدد الذي يمثله ياسر عرفات.

وشهدت مرحلة حرب الخليج الثانية، واحتلال القوات العراقية الكويت، ذروة التحريض العباسي لدى أقطار الخليج، على الرئيس عرفات، باعتباره مقرّبا من صدام حسين ومؤيدا له، على الرغم من أن العكس هو الصحيح. فقد بذل ياسر عرفات جهودا مضنية لإقناع صدام حسين بإخراج القوات العراقية من الكويت.

وعلى امتداد زمن التوتر في العلاقة بين عرفات وعباس، كان هناك الكثير من المعطيات التي تؤكد على هذا الخلاف داخل حركة فتح، بين رجل يسعى بكل وسائل الضغط والمقاومة إلى بلوغ هدف حركة التحرر، وآخر تسووي حتى النخاع لا تساعده ثقافته على وضع أيّ مقاربات أو محاذير لكي يتريث أو يحاذر.

وعندما تعرض الرئيس ياسر عرفات إلى التسميم، كانت الخصومة على أشدها، ولم يلتق الرجلان حتى وفاة الزعيم الفلسطيني. وقد خف خصمه إلى باريس، لكي يؤمّن لنفسه وراثة الراحل التاريخي الكبير.

عقدة عباس

عندما ورث عباس رئاسة السلطة، وكان دحلان سنده ويده اليمنى، أصبح التفرد هدفه التالي. ولم يكن هذا الهدف سيتحقق، قبل استكمال التمكين، من خلال عقد المؤتمر العام السادس لحركة فتح. فهو لا يستطيع الوصول إلى الهدف قبل الاستحواذ على شرعيته كرئيس للحركة مفوّض من مؤتمر عام.

اقتضى ذلك الصبر على كل رأي أو اعتراض ومحاولة استرضاء الجميع. وما أن توصل مؤتمر فتح العام إلى نتائجه وجرى منح عباس منصب رئيس الحركة بالتزكية ودون تصويت، حتى بدأت المرحلة التالية وهي تفصيل الحركة لكي تلبّي عنصر الخضوع الذي يريده عباس من موالين.

عندئذ، كانت العقدة بالنسبة إليه تتمثل في صاحب الصوت النقدي الأعلى، وبالتالي أصبح إقصاء محمد دحلان هدفا لعباس لكي يؤمّن مستقبله السياسي ويكرّس هيبته وتفرده ويسيطر على مآلات النفوذ والمال والقرار السياسي.

في ذلك السياق، استعار عباس من حركة حماس كامل هجائها لمحمد دحلان. ولم يتردد في ذلك حتى وإن كان هو نفسه وأجهزته الأمنية يعززون تعاونهم مع إسرائيل دون أيّ عملية سياسية، كما كان حال الأجهزة الأمنية قبل انهيار التسوية، وكأن من أدى مهمته الأمنية في إطار عملية سياسية وبتعليمات من الرئيس عرفات وفي ظروف مغايرة، هو الآثم أما الذين يعززون التعاون الأمني مع إسرائيل دون عملية سياسية فهم المنزهون عن الاتهام!

لم تأت الرياح بما تشتهي سفينة عباس. فقد توسع نفوذ دحلان في غزة والضفة والشتات الفلسطيني، إذ استطاع تأمين المساعدات من دولة الإمارات العربية المتحدة للمجتمع الفلسطيني، وتوصل إلى تفاهمات مع قيادة “حماس” في غزة، متساميا على الجراحات، وأسهم في تصفير مشكلة “حماس” مع مصر وتحويلها إلى علاقات تعاون، وذهب في مشروع المصالحة المجتمعية وتسوية مشكلات الدم، وأطلق برنامج التكافل الاجتماعي واتسعت شعبيته.

وتمسّك الرجل في لغته السياسية بالمشروع الديمقراطي والتمكين للإرادة الشعبية، ورفض أن يُفرض هو أو أيّ شخص غيره، على الشعب الفلسطيني وتجاوزا عن إرادته.

بسبب هذه المآثر وغيرها، استشاطت جماعة “الإخوان” غضبا، واستمرت في اجترار اتهامات سقطت، وزادت عليها اتهامات مفبركة، جعلت الرجل وكأنه مصدر الأعاصير في الدنيا بأسرها. كل ذلك في إطار محاولات إبعاد دحلان عن أيّ دور مستقبلي، لاسيما بعد أن ثبت فشل حكم “الإخوان” في غزة، ورواج فكرة الحكم الديمقراطي الذي يستكمل بما فيه من محددات العدالة، مشروع الاستقلال الفلسطيني، وفق المرجعيات الدولية.

العرب

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com