اتجاهات

الانتخابات الفرنسية ومستقبل الاتحاد الأوروبي
تاريخ النشر: 25 أبريل 2017 12:12 GMT
تاريخ التحديث: 25 أبريل 2017 13:07 GMT

الانتخابات الفرنسية ومستقبل الاتحاد الأوروبي

الانتخابات الفرنسية القادمة ستكون محطة هامة لا في تاريخ فرنسا فحسب بل في تاريخ أوروبا أيضًا، ومهما كانت نتائج  هذه الانتخابات،  فإنها ستضع حدًا للمزايدات السياسية التي تنال من التجربة الأوروبية، حيث ستكشف مدى صعوبة ترجمة الخطاب الانتخابي الانفصالي  إلى برامج عمل حقيقية.

+A -A
المصدر: تاج الدين عبد الحق

حتى لو فازت ماري لوبان في الانتخابات الرئاسية الفرنسية، فإن ذلك لايعني انفراط العقد الأوروبي، ولا يمثل نعيًا للتجربة التي باتت عنوانًا من عناوين الحملات الانتخابية في طول أوروبا وعرضها.

فرغم الانتقادات الحادة التي توجهها المرشحة اليمينية لتجربة الاتحاد الأوروبي، ورغم المؤشرات العديدة على الوهن الذي يصيبها بسبب المصاعب الاقتصادية التي تعاني منها دول الاتحاد ، إلا أن الوحدة الأوروبية لم تعد اختيارًا سياسيًا، أو تعبيرًا عن موقف أيديولوجي، يمكن إخضاعه لمزاج انتخابي أو مزايدة حزبية.

الاتحاد الأوروبي بعد هذه السنوات، بات  خيارًا أمنيًا واقتصاديًا واجتماعيًا لا يمكن التراجع عنه بموقف حزبي أو توجه عنصري، وحتى لو ارتفعت الأصوات التي تنتقد التجربة، أو تدعو إلى الانسحاب منها، فإن ترجمة ذلك على الأرض ستكون صعبة ومحفوفة بالمخاطر.

بريطانيا التي علقت جرس الانسحابات من الكيان الأوروبي، وشجعت بعض الدول والأحزاب الأوروبية اليمينية عن الجهر برغبات مماثلة، لا يمكن القياس عليها، والاقتداء بها، ولا يمكن اعتبار انسحابها  سابقة يمكن السير على خطاها، والغزل على  منوالها.

فبريطانيا من الأساس، انضمت للاتحاد بشروط، وظلت طوال المدة التي قضتها في عضوية الاتحاد تتقدم خطوة وتتراجع خطوات، واحتفظت على الدوام بمسافة  واضحة تفصلها عن السياسات الأوروبية،  وتمسكت بامتيازات، أبقت لها شيئًا من الهوية الوطنية، واستقلالية القرار، خاصة في  الشأنين الاقتصادي والأمني.

ومع ذلك فإن الانسحاب  من الاتحاد الأوروبي كان مكلفًا لبريطانيا، وترك  الكثير من مشاعر الندم بين أوساط مواطنيها، بل ان من وقفوا خلف الاستفتاء على الانسحاب،  لم يتمكنوا  من استثمار نتائج التصويت سياسيًا، وتراجعت حظوظهم في استطلاعات الرأي بالمملكة المتحدة.

 وإذا كان الانسحاب البريطاني من الاتحاد الأوروبي بهذه الكلفة الباهظة  السياسية والاقتصادية، فإن كلفته بالنسبة لفرنسا أو ألمانيا أو غيرها من الدول المؤسسة للاتحاد ستكون أكثر بكثير، ومن المؤكد أن الناخب الفرنسي أو الألماني سيفكر ألف مرة قبل أن يصوت على ترك الاتحاد والانسحاب منه.

الأوروبيون يدركون في العمق أن لوحدتهم  طابعًا قدريًا، مستمدًا من تاريخ مشترك، وجغرافيا معقدة،  لا تسعفهم في العيش ضمن جزر صغيرة منفصلة. وهم يعلمون أن الضرورات الأمنية والاقتصادية، هي البوصلة التي توجه خيارهم، وتحدد اتجاهات تصويتهم في الانتخابات.

الانتخابات الفرنسية ستكون محطة هامة لا في تاريخ فرنسا فحسب بل في تاريخ أوروبا أيضًا، ومهما كانت نتائجها،  فإنها ستضع حدًا للمزايدات السياسية التي تنال من التجربة الأوروبية، حيث ستكشف مدى صعوبة ترجمة الخطاب الانتخابي الانفصالي  إلى برامج عمل حقيقية، بعد أن يدرك الساعون لترك الاتحاد الأوروبي أنهم يهربون من دلف المصاعب الاقتصادية التي نتجت عن التضحيات التي قدمت على مذبح  التجربة، إلى مزراب من المتاعب المالية والأمنية الناجمة عن خيار الانفصال.

 في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية الفرنسية  تبدو حظوظ  من يتمسك بالاتحاد الأوروبي أكبر من الداعين للانفصال، لكن حتى لو فازت المرشحة اليمينية فإنها ستكون أمام امتحان صعب يؤكد أن الفوز بالانتخابات لا يعني تفويضًا للانسحاب من تجربة الوحدة الأوروبية التي كانت فرنسا أحد أكبر مؤسسيها والمستفيدين منها.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك