الإرهاب في قندهار ليس أعمى

الإرهاب في قندهار ليس أعمى

المصدر: تاج الدين عبد الحق

لم يكن الإرهاب، الذي استهدف البعثة الدبلوماسية والإغاثية الإماراتية في قندهار بأفغانستان إرهابا أعمى. ولم تكن الصدفة، هي مَن جعلت المهمة الإنسانية التي كانت تقوم بها، هدفا له.

الإرهاب لم يكن أعمى، وهو لم يكن كذلك في يوم من الأيام. فهو سلاح واع، يعرف هدفه، ويرصده ويحدده، وينفذه بدقة، ويحضر له، بتأن وروية، وبدوافع ونيات معروفة؛ حتى لو لم يميز بين ضحاياه.

هو سلاح  بيد دول وتنظيمات استخدمته وتستخدمه لتحقيق أهداف سياسية، أو لخدمة أجندات، مرسومة في صراعات إقليمية مفتوحة هدفها الهيمنة وتقاسم النفوذ .

وحتى في الحالات القليلة التي لم يكن فيها الهدف السياسي للإرهاب، واضحا أو مؤكدا، فإن الابتزاز المادي والمعنوي كان هو البوصلة التي وجهت سلاح الإرهابيين وحددت أهدافهم.

ومنذ استقلال الإمارات قبل أكثر من 40 عامًا تعرضت هذه الدولة،  التي يضرب بها المثل في التسامح والانفتاح،  لأشكال وصنوف عديدة من العمليات الإرهابية، دفعت الإمارات بسببها، العديد من خيرة أبنائها.

كان من بين من استشهدوا على مذبح الإرهاب وزير الدولة للشؤون الخارجية الأسبق سيف غباش. وعضت الإمارات يومها على جرحها، ورفضت -رغم علمها بالفاعلين- أن تدخل مزاد الاتهامات حفاظًا على التضامن العربي ومنعًا لمزيد من الانشقاق فيه.

كان من هؤلاء -أيضا- سفراء ودبلوماسيون استهدفوا، ابتزازا لكسب مادي، أو موقف سياسي.

اليوم تتطاول يد الشر والإرهاب، على يد الخيرالإماراتية  الممدودة، لإغاثة المكلوم، والتخفيف عن المظلوم، والاستجابة للملهوف. والهدف واضح هو منع دولة الإمارات من القيام بدورها، خاصة بعد تنامي هذا الدور إقليميا على المستويين الإنساني والسياسي، وتحوله إلى عنصر هام من عناصر الاستقرار والأمن في  المنطقة.

استقراء، دوافع العملية الإرهابية في قندهار، وتتبع الخيوط التي تربط بينها وبين المستفيدين منها، يؤكدان أنّ العملية هي رسالة قد لا تكون الإمارات وحدها معنية بها،  بل كامل الدول العربية في  الإقليم .

وإذا كانت الإمارات تترفع، لحين الانتهاء من التحقيقات وظهور النتائج، عن توجيه الاتهام المباشر لمن يقف وراء هذه الجريمة، فإن المراقبين والمحللين الذين رصدوا  العملية الإرهابية، وتتبعوا خيوطها،  لم يجدوا صعوبة في كشف الكثير من الشواهد التي تشير إلى إيران كطرف مستفيد من هذه الجريمة، أو كجهة تملك أكثر من دافع للقيام بها مباشرة أو بالواسطة، خاصة بعد أن أعلنت حركة طالبان، تبرأها من العملية، وعدم وجود مصلحة لها في استهداف البعثة الإماراتية.

فإيران التي لها نفوذ واسع في الساحة الأفغانية  خاصة في صفوف التنظيمات المسلحة، أو بين بعض القبائل، والتي تجند منهم يوميا وبالآلاف، ولاعتبارات طائفية، مرتزقة يقاتلون في سوريا والعراق ، تحاول ملء الفراغ الذي تخلفه الولايات المتحدة بعد انسحاب قواتها من هناك، وهي تريد في نسخة جديدة لما فعلته بالعراق، الاستفراد بالساحة الأفغانية، وتحويلها إلى ميدان لتدريب وإعداد ميليشيات طائفية تدفعها إلى المناطق الساخنة التي تسعى طهران لفرض هيمنتها عليها أو إثارة القلاقل بها. والشواهد المادية واضحة وجلية في سوريا، والعراق  إذ تدفع إيران بالمئات من الأفغان للقتال هناك، إما لدوافع مادية أو لأسباب طائفية.

إيران -أيضا- تحاول من خلال مثل هذه العمليات تقليص الدور المتنامي الذي بدأت تلعبه دول الخليج العربي في حماية أمن واستقرار المنطقة، وإجهاض مبادراتها في  التصدي للنفود الإيراني المتمدد من الشمال في سوريا والعراق، مرورًا بالتدخل في شؤون بعض دول الخليج لدوافع طائفية ومذهبية، وانتهاء باليمن.

إيران تحاول -أيضا- الإبقاء على أفغانستان مرتعًا للفوضى، ومنع كل من يحاول المساعدة، وتقديم العون والإغاثة لها، ضمانًا لإبقائها حديقة خلفية تمارس فيها نفوذها السياسي وتجييشها الطائفي.

الثمن الذي دفعته دولة الإمارات في عملية قندهار ثمن باهظ بلا شك، لكن الأرواح الغالية التي فقدتها، هي من نوع التضحيات الكبرى التي تعطي للانتماء معناه، وتدفع للوطن ضريبته العادلة.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة