الأزمة السورية من نحس جنيف إلى بركة أستانة

الأزمة السورية من نحس جنيف إلى بركة أستانة

المصدر: تاج الدين عبد الحق

في العادة ، لا تكون الأخبار القادمة من كازاخستان مثيرة أو حتى كثيرة. ولم يُعرف عنها، رغم مساحتها المترامية ، وثرواتها المتنوعة أي  نشاط دبلوماسي بارز على الصعيد الدولي.

ولم تنخرط منذ انفصالها عن الاتحاد السوفياتي السابق  في ديسمبر من عام 1991 ، بأي نزاع مع جيرانها، ونجت من النزاعات الحدودية التي عصفت بالدول الآسيوية أو الأوروبية التي استقلت عن موسكو.

 وتخلت غداة استقلالها طوعًا عن الوديعة النووية السوفيتية،  التي كانت مخزنة في أراضيها ، بل إنها ابتدعت حلاً ذاتيًا لنزاع اثني كامن بينها وبين روسيا الاتحادية، لم يعترف به الكثيرون، ولم تعترف  كازاخستان بخطورته، وكان يمكن أن يشعل حربًا في وسط آسيا، إلا عندما قامت بنقل عاصمتها السياسية من المدينة التاريخية المآتي التي ظلت عاصمة للبلاد عقودًا طويلة، إلى الآستانه في الشمال والتي بنيت وفق ماكيت هندسي حديث، على الحدود مع روسيا، وذلك لإجهاض أي تفكير من موسكو، بضم المناطق الحدودية بذريعة أن فيها أغلبية ناطقة باللغة الروسية.

الأستانه التي تعني باللغة الكازاخية العاصمة، هي المرشحة اليوم لاستضافة جولة مفاوضات السلام السورية القادمة، علها تتخلص من نحس مدينة جنيف التي  أورثتها فشلاً متكررًا، وأبقتها تراوح في مربع أول لا تبرحه، إلا لخوض جولة أو جولات من الحرب الدموية.

ولولا الخوف من أن يوصف تفسير اختيار العاصمة الكازاخية كساحة جديدة، للتفاوض بين الأطراف السورية المتنازعة، بأنه تفسير تآمري، لقلنا إن اختيار الأستانه كان اختيارًا واعيًا ومقصودًا، وليس عشوائيًا.

فاختيار هذه المدينة للمفاوضات التي تضمن نتائجها وتصمم مسارها روسيا وتركيا، ينسجم مع حالة  الاستفراد التي بدأتها روسيا وتركيا بالمعركة السياسية التي تلت المعركة العسكرية في حلب، كما أنه يعد اختيارًا مناسبًا للدولتين الضامنتين من حيث الشكل أيضًا.

وجاء عقد المفاوضات في مناخ روسي بمسحة إسلامية، تكريسًا واضحًا لصعود نجم الروس على المسرح الدولي كشريك فاعل وأساسي في توجيه دفة الأحداث في الإقليم  وصياغة الخواتيم التي يمكن أن تنتهي لها.

وستكون روسيا قادرة بحكم علاقاتها  التاريخية والسياسية القوية بكازاخستان على امتلاك، زمام المفاوضات السياسية كما امتلكت من قبل زمام المبادرات العسكرية الميدانية التي أوصلت الأطراف المتصارعة لمائدة التفاوض.

أما تركيا فإن وجودها في دولة إسلامية ذات أغلبية سنية، سيجنبها الحرج أمام من أصبح يقول إن مواقف أنقرة تتراجع إزاء الأزمة السورية، وأن الضغط الروسي يؤتي أوكله ويجرها، لحضورمؤتمر بمقاس موسكو، وعلى هواها.

ويبدو أن هذا الاختيار يرضي أيضًا، الأطراف الإقليمية الأخرى المنخرطة أو المتأثرة بالازمة السورية والتي ستدعى للمشاركة أو الحضور.

من حيث الشكل، يبدو مؤتمر المصالحة مستوفياً لأسباب النجاح، أما في المضمون فإن الشكوك بنجاحه لا تزال كبيرة. ففضلاً عن المخاوف بأن لا يصمد وقف إطلاق النار بين المتحاربين ، فإن الإرث الذي خلفته الحرب الأهلية والتعقيدات السياسية التي نتجت عنها، والتداخلات الإقليمية والدولية ، تجعل توقع النتائج، نوعًا من التنجيم السياسي الذي لا تتوفر له معطيات مؤكدة، وتختلط فيه الأماني بالإمكانيات الواقعية ، وتتعلق فيه الحلول على تصريح هنا وموقف هناك.

مؤتمر الأستانة حتى لو فشل سيكون تجربة جديدة للعديد من المشاركين، وفرصة للتعرف على بلد ليس على أجندة كثير من السياسيين الذين اعتادوا أن تكون مرابط خيلهم في جنيف أو نيويورك .

 

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com