السودان… إلى أين؟

السودان… إلى أين؟

تاج الدين عبد الحق 

خرج عمر البشير من السلطة تاركًا وراءه قوتين تتنازعان تركته: الأولى الجيش والقوات المسلحة، والثانية التيارات السياسية الإسلامية، التي تحاول اختطاف حراك الشارع، اعتمادًا على قوتها التنظيمية، وتجربتها السياسية، التي جعلتها على الدوام حليفة ”متعبة“ لكل أنظمة الحكم التي تعاقبت على السودان منذ عهد الرئيس الراحل جعفر نميري، وانتهاء بحكم الرئيس المخلوع عمر حسن البشير.

لكن أيًا من القوتين لا تبدو حاليًا قادرة على استمالة الشارع، وحسم الموقف لصالحها. وقد بدا ذلك واضحًا في ردة فعل الشارع على القرار الأول الذي صدر عقب خلع الرئيس البشير، وتعيين الفريق أول عوض بن عوف رئيسًا للمجلس العسكري الذي تولى مقاليد السلطة ليوم واحد قبل أن يجبره المحتجون على التنحي، بعد أن اتضح أنه الوجه الآخر لحقبة البشير.

وقد كشفت ردة الفعل، التي أجبرت بن عوف على التنحي، تدني ثقة الشارع السوداني بالمؤسسة العسكرية، ومدى خوفه من تكرار تجربة العسكر إبان حكم النميري وتاليًا حكم البشير.

ومع أن خليفة بن عوف في رئاسة المجلس العسكري الفريق أول عبدالفتاح البرهان، تجاوب إلى حد كبير مع مطالب المحتجين، إلا أنه لم يستطع فيما يبدو تبديد أجواء عدم الثقة لدى الشارع الذي ظل متحفزًا للاعتراض على أي قرار يشتم منه محاولة من الجيش للتمسك بالسلطة أو البقاء فيها.

أما في المقلب الآخر، فإن المحتجين يتخوفون من اختطاف الجماعات السياسية الإسلامية لحركة التغيير، لتحويلها إلى تجربة أخرى من تجارب الانقضاض على السلطة والسيطرة على القرار السياسي، إما مباشرة أو بالواسطة كما كانت تفعل طوال نصف قرن.

المواطن السوداني يعيش حالة قطيعة مع تلك الجماعات التي حولت البلاد إلى مزرعة لنفوذها، وجيرت كثيرًا من الموارد لخدمة مشروعاتها السياسية والحزبية.

بل إن هذه الجماعات التي كانت في مرحلة من المراحل، كغيرها من القوى السياسية ضحية من ضحايا السلطات الانقلابية التي تعاقبت على حكم السودان، تجد نفسها أمام حساب عسير بسبب تحالفاتها السابقة المريبة واتفاقاتها المشبوهة التي حولتها إلى سلطة قمعية تعتدي على الحريات الأساسية للأفراد، وأقحمت البلاد في أجندات وعلاقات خارجية ضارة بمصالح السودان وموارده.

على أن المشكلة الأصعب التي يواجهها الحراك الشعبي في السودان، لا تكمن في المواجهة مع الجيش أو قوى الإسلام السياسي المتحفزة، بل في إمكانيات التوافق بين مكوناته، على شكل ومحتوى التغييرات المطلوبة.

فالحراك ليس تنظيمًا واحدًا، ولا حتى ائتلافًا بين تنظيمات واضحة المعالم، وما يفرزه الشارع من رموز وقيادات، لا يشكل قاعدة يمكن الاعتماد عليها في عملية استلام السلطة، وإدارة العملية الانتقالية التي لا غنى عنها لاستكمال الأطر الدستورية والقانونية اللازمة لقيام حكومة مدنية ديمقراطية.

إضافة إلى ذلك، فإن البرامج والمطالب التي ينادي بها المحتجون لا تعكس أولويات وطنية جامعة، وهي في الأغلب أولويات ظرفية؛ وهو ما قد يخلق تنازعًا في الأولويات وتباينًا في الاجتهادات مع مرور الوقت.

المشكلة الأخرى التي تطل على المشهد السوداني في المرحلة الانتقالية، هي كيفية التعامل مع ذيول الحروب الأهلية خلال عهد البشير، فمشاعر الانتقام الدفينة قد تطل برأسها بعد أن أصبحت فرص التعبير عنها متاحة وممكنة.

ولعل أبرز المشكلات في هذا المجال، الوضع في دارفور الذي بدأ يشهد موجات من العنف تنذر بحرب أهلية جديدة إن لم يتداركها المحتجون في الخرطوم عن طريق احتواء خلافاتهم السياسية والانتقال بسرعة إلى بناء مؤسسات الدولة المدنية، المترهلة أصلًا، بعد أن فقدت الكثير من حيويتها بسبب تراكم إخفاقات مراحل الانقلابات العسكرية المتعاقبة.

والخوف كل الخوف أن يجد جمهور الحراك نفسه في حالة من الفوضى التي لا تمكنه من التعاطي مع متطلبات المرحلة الانتقالية، وألّا يكون بمقدوره تلبية الآمال العريضة التي يعلقها السودانيون على عملية التغيير التي تبشر بها قيادات الحراك، وينتظرها الشارع، حتى وهو يرى أن خلع البشير، قد لا يكون وحده خشبة الخلاص من مرارات حقبة مؤلمة طويلة.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com