دولتان في أرض واحدة

دولتان في أرض واحدة

المصدر: تاج الدين عبد الحق

إذا صحت التسريبات حول اتفاق مرتقب على تهدئه طويلة الأمد بين حماس وإسرائيل في غزة، وتأكدت جدية مشروع التسوية المطروح بشأن الضفة الغربية، الذي يقضي بقيام دولتين افتراضيتين  فلسطينية وإسرائيلية، في كونفدرالية جغرافية واحدة، أو ما يعرف بدولتين على أرض واحدة دون تحديد حدود جغرافية نهائية تفصل بينهما، نكون أمام مقاربة جديدة لتسوية غير نهائية، لكنها طويلة الأمد.

ماهو مطروح أو متداول بين نخب فلسطينية وإسرائيلية، يستجيب للخلفيات الإيديولوجية التي تحكم مواقف القوى المتشددة من الجانبين، الفلسطيني والإسرائيلي. فالإسرائيليون الذين يرفضون الانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة؛ بذريعة الأسطورة الدينية عن أرض الميعاد التي تشمل كل فلسطين، بما فيها الأراضي التي احتلت عام 1967، يلتقون مع الفلسطينيين الذين يرفضون تسوية يتم التنازل فيها عن الحق التاريخي للشعب الفلسطيني في كامل أرض فلسطين، من النهر إلى البحر.

اتفاق التسوية المطروح على أساس تهدئة لا يحسم الخلافات، لكن يؤجلها إلى أجل غير مسمى، وهو صيغة معدلة لمشروع سبق لإسرائيل أن طرحته، ويقضي بإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة بحدود مؤقتة أو غير نهائية، وكانت هذه الصيغة محاولة إسرائيلية لإخراج التجمعات الاستيطانية في الضفة الغربية عمليًا من الحدود المؤقتة للدولة الفلسطينية المقترحة، وإخضاعها للقوانين واللوائح الإسرائيلية، دون أن تلحق جغرافيًا بالكيان الإسرائيلي .

الطرح الجديد الذي يتحدث عن كونفدرالية بين دولتين على أرض واحدة، إن صحت التقارير المتداولة بشأنه، يلتقي مع أدبيات فلسطينية تاريخية نادت بحل على أساس قيام دولة فلسطينية ديمقراطية، تجمع الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي، وهو مخرج كانت التنظيمات الفلسطينية اليسارية قد طرحته، منذ نهاية الستينيات ومستهل السبعينيات من القرن الماضي، بعد أن تبين استحالة تغيير الواقع الديمغرافي والسياسي الذي نتج عن قيام إسرائيل .

 ذاك الطرح بدا طوباويًا وخياليًا؛ لأنه كان يتضمن بالضرورة تخلي إسرائيل عن الفكرة الصهيونية القائمة على وجود حق تاريخي لليهود في فلسطين. بالطبع تلك الصيغة لم تكن مقبولة من الإسرائيليين، بما فيهم قوى اليسار والاعتدال، بل إن تل أبيب رفضت تاليًا أي فكرة تسمح بقيام دولة فلسطينية، وكان أقصى ما وافقت عليه هو الحكم الذاتي في بعض مناطق الضفة الغربية وفي قطاع غزة.

لكن الضغط الديمغرافي الفلسطيني والمقاومة الشعبية الفلسطينية، منذ ثمانينيات القرن الماضي وحتى الآن، أجبرت تل أبيب على تعديل موقفها الرسمي، وقبلت على مضض فكرة الدولة الفلسطينية كمفهوم سياسي، دون القبول بالمضامين العملية التي تجسدها واقعًا، وتجعل منها حلًا مقبولًا للفلسطينيين.

 فقد اصطدمت الدولة الفلسطينية المقترحة، بمشكلة المستوطنات ومشكلة اللاجئين، والقدس الشرقية التي احتلت في حزيران من عام 1967، كما أن الإسرائيليين تذرعوا دومًا بقضايا الأمن لرفض أي حدود للدولة الفلسطينية المقترحة؛ مما أفقد قبول إسرائيل بفكرة الدولة أي قيمة، وجعله دون معنى فعلي  .

وكان أقصى ما وافقت عليه إسرائيل عمليًا، القبول بصيغة أوسلو التي تمثلت بسلطة فلسطينية ضعيفة على بعض مناطق الضفة الغربية، ضمن قيود إدارية وأمنية شديدة وغير إنسانية، حولت الضفة إلى سجن كبير لملايين الفلسطينيين ممن يعيشون فيها، أو حلمًا بعيد المنال لمن حرموا من  العودة إليها والوصول إلى بيوتهم وأراضيهم التي شردوا منها.

هذا الوضع الشاذ وغير المقبول إنسانيًا وسياسيًا وأخلاقيًا، ظل ضاغطًا وعاجزًا عن نزع فتيل الصراع، الذي كان دومًا متفجرًا ومنذرًا بالخطر، لا على أطراف الصراع، بل على الأمن الإقليمي برمته.

عندما يتجدد الحديث، الآن، عن التسوية – أو التهدئة طويلة الأمد – اليوم،  فإنه يأخذ منحى مختلفًا، حيث يتركز البحث حول مسائل تتعلق بحل المشكلات الحياتية اليومية للفلسطينيين في غزة والضفة الغربية، وفرملة الأطماع الاستيطانية الإسرائيلية، بحيث تكون مخرجات هذا الحل بداية لخلق ديناميكيات عمل سياسية مختلفة، تسمح باتفاق الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي في مرحلة تالية، على تفاهمات لا تعالج فيها الخلافات المزمنة والمعقدة فقط، بل قد تخلق واقعًا سياسيًا واقتصاديًا جديدًا، يسمح بتجاوز تلك الخلافات بكلف سياسية وأمنية أقل.

 

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع