هل خسر المحترفون معركة الإعلام ؟

هل خسر المحترفون معركة الإعلام ؟

لا أدري من الذي أطلق على الصحافة، لقب مهنة البحث عن المتاعب، ولا أدري ما إذا كان هذا اللقب، هو توصيف دقيق لما يقوم به الصحافيون. ولكن المصطلح يوحي بأن من أطلقه كان يعيش في بلد تتمتع فيه الصحافة بسلطة على نحو ما، تمكّنها من التأثير، وتتيح لها البحث والاستقصاء، وكشف الأسرار والخبايا، فضلًا عن المغامرة بنشرها على الملأ مع ما قد يجرّه ذلك عليها من متاعب ومشكلات.
وإلى وقت قريب، كان البحث عن المعلومات والأخبار هو المهمة الأصعب، التي يواجهها مندوبو الصحف، ووسائل الإعلام الذين يكلفون بتسقّط الأخبار، والبحث عنها، وتتبع أثرها في دهاليز الحكومة ومؤسساتها.
وأذكر في بداية اشتغالي بالمهنة قبل أربعة عقود أن المشكلة الكبرى التي كنّا نواجهها، هي توفر المواد الصحافية سواء ما هو مكتوب منها أو ما هو مصور. وكثيرًا ما كنّا نلجأ إلى نشر مطوّلات مملة، لا لسبب إلا لأنها المواد المتوفرة، والمتاحة. وكانت في الغالب تتضمن نصوصًا قانونية جامدة، أو مذكرات وتقارير تفصيلية، نعلم مسبقًا أنها لا تهم إلا من كتبها أو من أعدّها. وأذكر على سبيل المثال لا الحصر قانونًا للصيدلة نُشر عدة مرات، حيث بدأنا بنشره مسلسلًا في اليوم الأخير من الأسبوع، الذي تشحّ فيه بالعادة الأخبار والموضوعات، ثم ما إن جاء الأسبوع التالي حتى كانت لدينا أخبار جديدة، وموضوعات طارئة، فقطعنا نشر المادة المجدولة على حلقات، لنفسح المجال للمواد الطازجة، حتى إذا جاءت نهاية الأسبوع التالي، وجدنا أننا نواجه ما واجهناه في الأسبوع الأسبق، فعدنا لنشر نص القانون لا من حيث توقفنا فحسب، بل من البداية، اعتمادًا على أن القارئ لا بد أنه نسي ما جاء في الحلقة الأولى التي يكون قد مضى على نشرها أكثر من أسبوع، وهكذا لعدة أسابيع تالية، دون أن يحفَل أحد بهذا التكرار، لا من القائمين على الصحيفة، ولا من القراء.
هذه الأيام؛ الصورة معكوسة، والشكوى مختلفة. فهناك وفرة في المعلومات والأخبار، وهناك تسابق للتفرد بالجديد؛ لتصبح المشكلة الكبرى التي يواجهها ديسك التحرير هي الاختيار بين كم هائل من المواد المتنوعة، والأخبار الجديدة، والتي يفقد الكثير منها أهميته في حال التلكؤ، أو التردد بنشرها.
ورغم تضخم المساحات التي تخصصها وسائل الإعلام المطبوعة والمرئية والمسموعة للنشر، إلا أن المساحة المتاحة، باتت فعليًا أقل بكثير مما هو متوفر من مواد، فضلًا عن وجود تغيّر في مزاج القارئ الذي أصبح يَعزُف عن المطولات وعن الحشو الممل.
أتذكر ذلك وأنا أشهد اليوم، تزاحم الأحداث والمؤتمرات والإجتماعات السياسية والاقتصادية، وتعدد وتنوع مصادر المعلومات ووسائل انتقالها وتبادلها وسهولة الوصول إليها. كما نتذكر ذلك وقد باتت وسائل التواصل الاجتماعي تنافس وسائل الإعلام المحترفة، على نقل وتصوير الأحداث أولًا بأول وبوتيرة أسرع، فضلًا عن تحوّلها لمنابر لعرض الأراء والتعليق عليها والتفاعل معها.
ولم تعُد الوفرة هي ما يشكو منه من كنّا نعتبرهم باحثين عن المتاعب، بل في صعوبة الإحاطة بالأحداث الجديدة والزوايا المهمة فيها. فبعض المؤتمرات تشارك فيها عشرات من الشخصيات الهامة التي تلتقي في وقت واحد، ومكان واحد، ومناسبة واحدة، تقدم مشاركات أو تدلي بأراء ومداخلات تتسم بالأهمية والحيوية، دون أن تكون وسائل الإعلام قادرة على الإحاطة بها، وعرضها بالشكل الملائم فتضطر في كثير من الأحيان للاجتزاء منها بشكل مخلٍّ يشوه الفكرة، أو يسطّحها .
في مثل هذه الأحوال يصبح الفرز وتحديد الأولويات هو المهمة الأصعب، ويصبح السبق لمن يوفّق في الاختيار، ولمن يصل إلى جوهر الحدث، وإلى الزاوية الأبرز فيه، وليس لمن يتوقف عند الحواف التي تسلَّط عليها_ في العادة _ أضواء إعلامية، لأغراض بروتوكولية، أو لاعتبارات خاصة.
وقد شبّه أحد الصحافيين المخضرمين بعض المناسبات، التي تحتشد فيها أسماء كبيرة وتسلط فيها الأضواء على موضوعات كثيرة، بالوليمة الضخمة التي تقدم فيها أصناف متنوعة من الطعام، ومثيرة للشّهية، بشكل يحتار فيه المدعوون من أين يبدأون وماذا يختارون، حتى إذا ما انتهوا من تذوق لقيمات من هذا الطبق وذاك شعروا بالتخمة وتلبك المعدة، قبل أن يصلوا إلى الشبع.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎