لا فرح لهذا العام

لا فرح لهذا العام

لا فرح يغمر قلوب التونسيين وبيوتهم بمناسبة حلول السنة الجديدة هذا العام، ولا تفاؤل يحملهم على الاحتفاء بقدومها كما دأبوا على ذلك منذ عشرات السنين، بعد أن تسللت عادة الاحتفال بها إلى عاداتهم الموسمية والسنوية.. ولا طوابير أمام محلات الحلويات لتسجيل طلبات شراء كيك العيد ومستلزمات سهر العائلات بهذه المناسبة..

ابن صديقة لي، حامل لشهادة جامعية عليا، ويعمل بأحد تلك المحلات في حي راقٍ، ذكر لي أن نسبة الإقبال على تسجيل الطلبات لم تتجاوز أربعين بالمئة مقارنة بالسنة الماضية، وأن أحجام الكيكات المطلوبة أصبحت أصغر تفاديا لدفع مبالغ باهظة..

التونسيون عبروا عن عدم تفاؤلهم بمستقبلهم الجماعي، بشكل أشد وضوحا، عندما عزف 92 بالمئة منهم عن التصويت في الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 17 ديسمبر الماضي، فلا خلاص جماعيا ينتظرونه من برلمان أعده قانون انتخابي أقصى الأحزاب وبرامجها، وقلص من مشاركة النساء بإلغائه مبدأ التناصف بين الرجال، كما أقصى الكفاءات والنخب من الترشح للهيئة البرلمانية بعد اشتراطه عدم الجمع بين وظيفة النائب ووظيفة أخرى، وعدم السماح للعديد من كوادر الدولة العليا أيضا بالترشح لهذه الانتخابات.

لا يمكن أن نُحمِّل الرئيس قيس سعيد ولا رئيسة الحكومة وِزرَ كل هذه الانهيارات الاجتماعية والاقتصادية والصعوبة المتزايدة لعيش التونسيين..

لا فرح إذن ولا تفاؤل ولا ثقة في الطبقة السياسية الحاكمة ولا في المؤسسات التي تود إرساءها بعد توالي جملة الانهيارات الاقتصادية والاجتماعية التي تؤثر بشكل لصيق على حياة المواطنين التونسيين اليومية، من التهاب للأسعار وفقدان العديد من المواد التموينية أو نُدرتها، وتراجعٍ للخدمات الصحية والتعليمية وخدمات النقل العمومي، واهتراء للبنى التحتية، وتفاقم الفوارق الاجتماعية بين العاملين بالفكر والساعد والناشطين في شبكات التهريب والفساد.

لا فرح.. ولا يتوفر المناخ الضروري للمستثمرين المحليين والأجانب بسبب إجراءات بيروقراطية ثقيلة تجاوزتها ثورة التكنولوجيا الحديثة، وعجز فادح للميزانية كشف عنه بوضوح صدور قانون المالية لسنة 2023 الذي أثقل المواطنين بمزيد من الضرائب حتى سُمّي بـ "قانون المَجبى"، أي قانون الضرائب.. ودون نسيان الضائقة المالية التي تمر بها العديد من مؤسسات القطاع العام التي يظل التفكير في بيعها للقطاع الخاص، بدلا من إصلاحها، محل خلاف بين الاتحاد العام التونسي للشغل والحكومة الحالية..

هذا فضلا عن حل أو تجميد العديد من الهيئات الدستورية العليا، مثل الهيئة الوطنية لمكافحة التعذيب أو الهيئة الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر وغيرهما، أو عدم تشكيل المحكمة الدستورية، فضلا عن استبدال دستور 2014، الذي اُعتبر في مجمله مقبولا، بدستور كشف العديد من المختصين في القانون الدستوري ومن منظمات المجتمع المدني عن عدد مهول من هناته ومخالفاته الدستورية والقانونية...

لا فرح لهذا العام
تونس تتوقع ارتفاع التضخم إلى 10.5% في 2023

طبعا، لا يمكن أن نُحمِّل الرئيس قيس سعيد ولا رئيسة الحكومة وِزرَ كل هذه الانهيارات الاجتماعية والاقتصادية والصعوبة المتزايدة لعيش التونسيين، إذ إن عدم الاستقرار السياسي لتونس خلال العشرية الماضية، وفشل السياسات التنموية الذي تتالى خلال الحكومات السابقة، وإهدار المال العام من أجل التمكن من غنيمة الحكم، كل هذا وغيره أدى إلى ما آلت إليه أوضاع تونس من تدهور..

لكن الرئيس سعيد بتفرده بالحكم وإقصائه للأحزاب وللهيئات التعديلية وعدم الاستماع للمنظمات الوطنية الكبرى على غرار الاتحاد التونسي للشغل ذي الوزن الاجتماعي والوطني الكبير، وغيره من المنظمات الوطنية ومنظمات المجتمع المدني، يواصل في مسار أعلن إفلاسه في العديد من المحطات السياسية التي أفقدته بعض ما كسبه من زخم شعبي إثر إزاحته حركة النهضة من السلطة التشريعية عندما عمد إلى حل البرلمان بعد تجميده، وقد كانت النهضة تسيطر على جُل مقاعده.

وقد أكدت نتائج الانتخابات التشريعية الماضية الهزيلة أن أكثر من 90 بالمئة من التونسيين لم يعودوا يثقون في المسار السياسي الذي اختار الرئيس قيس سعيد أن يفرضه عليهم، ولم يجدوا وسيلة أفضل لإيصال هذه الرسالة غير صناديق الاقتراع، سواء خلال الاستفتاء على دستور رفضته غالبية الشعب التونسي، أو خلال الانتخابات التشريعية التي تقدم لها، في الغالب، مرشحون تعوزهم الكفاءة وغير مسنودين بأحزاب تدعمهم ماليا، أثناء حملاتهم الانتخابية، أو ببرامج تُقوي من حظوظهم في الفوز، وهو ما آل إلى تلك النتائج الضعيفة التي عُدّت فضيحة في التاريخ السياسي لتونس..

لقد عمق صدور قانون المالية لسنة 2023 إحباط التونسيين، من جميع الفئات، إذ إنه صدر دون ميزانية للمحكمة الدستورية التي كان يُعَول عليها في النظر في دستورية الأحكام والقوانين، ودون ميزانية للمجالس الجهوية والإقليمية التي كان يُعَول عليها أيضا في دعم الحكم المحلي والتنمية الجهوية، وتلبية مطالب الجهات المنسية، خاصة في مجال بعث المشاريع التي يمكن أن تقلص من بطالة الشباب، وأغلبهم من أصحاب الشهادات الجامعية، ودون اعتمادات لاستثمارات الدولة في مشاريع كبرى يمكن أن تنعش الدورة الاقتصادية..

بل إن هذا القانون جاء مُثقلا بعجز كبير لم تجد الحكومة الحالية من سبيل للحد منه غير مزيد من فرض الضرائب على المواطنين بشكل مباشر أو غير مباشر، من خلال زيادتها على أصحاب المهن الحرة كالأطباء والمحامين وغيرهم، حتى أن عميد المحامين صرح، إثر صدور هذا القانون، بأن الزيادة في فرض الضرائب على قطاع المهن الحرة لن يتحملها، في النهاية، غير المواطنين الذين يلجؤون إلى مكاتب المحامين، ونضيف إليهم إلى عيادات الأطباء أو حتى الذين يشترون قراطيس من الفستق أو حبوب عباد الشمس...

لا فرح لهذا العام
"موليير في تونس".. شتات الذاكرة المسرحية

أي أمل إذن لإنقاذ تونس وإدخال بعض الفرح على مواطنيها؟

مشروع إنقاذ تشترك فيه منظمات الرباعي الحاصل على جائزة نوبل عام 2015، وعلى رأسها الاتحاد العام التونسي للشغل وعمادة المحامين، وهو الرباعي الذي رعى الحوار الوطني لتلك السنة، أعلن عنه عميد المحامين، ويُنتظر أن يرى النور قريبا، قد يدفع الرئيس قيس سعيد إلى إلغاء الدور الثاني للانتخابات التشريعية الذي اعتبره الأمين العام للمنظمة الشغيلة إهدارا للمال العام، كما قد يدفعه إلى إجراء انتخابات رئاسية سابقة لأوانها..

هذا المشروع قد يكون كفيلا بإعادة مسار الانتقال الديمقراطي إلى مساره الصحيح، ووضع خطط واقعية لوقف انهيار أوضاع البلاد السياسية والاقتصادية. فلن يُعدل مزاج التونسي، ولن يُقبل على الحياة أكثر تفاؤلا، ولن يعلن غضبته الكبرى يوم 14 يناير القادم، إلا إذا اطمأن على "خبزته" وعلى مدرسة أبنائه وعلى أمنه في الشارع، وعلى الدواء الذي يحتاجه، وإلا فلن يجد الفرح الطريق إلى قلبه هذه السنة. ولعلني من القائلين إنه لا فرح لهذا العام الجديد، فالوضع التونسي من الصعوبة بمكان..

الأكثر قراءة

No stories found.
logo
إرم نيوز
www.eremnews.com