على خط النار.. باحثان يخاطران بحياتهما لمعرفة مصادر تسليح داعش – إرم نيوز‬‎

على خط النار.. باحثان يخاطران بحياتهما لمعرفة مصادر تسليح داعش

على خط النار.. باحثان يخاطران بحياتهما لمعرفة مصادر تسليح داعش

المصدر: إرم نيوز- حنين الوعري

على الجبهات الأمامية من المعارك ضد داعش في الموصل، تقف الباحثة ”ديفين مورو“ وزميلها ”مايك لويس“، من أجل محاولة معرفة كيف يحصل التنظيم المتشدد على أسلحته.

وتصف صحيفة ”ماكلين“ الكندية تفاصيل مغامرة الباحثين الخطرة قائلة: ”كانت مروحية هليكوبتر تحلق مثل الحشرة فوق سماء غرب الموصل، بينما كانت ”ديفين مورو“ وزميلها ”مايك لويس“ يدخلان إلى منزل كان يستخدم كمحكمة للتنظيم وسجن“.

وفي الساحة الأمامية للمنزل الذي كان يعد فخماً في السابق، وقف جندي من وحدات الاستجابة السريعة يكتب بقلم أسود ”حرره أبطال وحدة الاستجابة للطوارئ“.

وتقع وثائق متفحمة وسط الرماد في الساحة بجانب كومة من شعر الوجه، يُرجّح أن المتشددين تركوه وراءهم بعد حلاقتهم لذقونهم قبل محاولة الهروب مع المدنيين الفارين.

ويصطحب عناصر وحدات الاستجابة السريعة الباحثين ”مورو“ و“لويس“ في جولة داخل المنزل الذي حُوّلت غرفه إلى زنازين سجن فارغة الآن إلا من الأسرّة ورائحة الأجسام النتنة.

وفي غرفة في الطابق السفلي تم العثور على زجاجات من المواد الكيميائية، ومتفجرات وأجهزة مرتجلة ملقاة على الأرض، والأمر مثير للاهتمام لكنه ليس ما يسعى للوصول إليه الباحثان، حيث قال لويس:“ يبدو كأن الجميع أصبحوا صانعي قنابل هذه الأيام، لا يبدو هذا بالتحديد أمرًا طموحًا“، لترد عليه ”مورو“،  قائلة: ”يبدو كأنهم يلعبون فقط“.

وعندما تخلّت قوات الأمن العراقية عن الموصل قبل ثلاثة أعوام تقريباً، تركت وراءها الكثير من الأسلحة التي اعتمد عليها ”داعش“، لكنها لم تكن الأسلحة الوحيدة التي حصل عليها التنظيم، حيث أن المتشددين أظهروا براعة في تطوير أسلحة منزلية الصنع، تتراوح بين سيارات مفخخة وقواذف الصواريخ المحمولة ”البازوكا“، ومع امتداد خطوط التزويد إلى سوريا، توجد أدلة على تهريب غير مشروع للأسلحة عبر الحدود من مناطق أبعد من ذلك.

وفي حملة عسكرية دخلت الآن شهرها الثامن، بدأت قوات الأمن العراقية تستعيد السيطرة على الأحياء المتبقية تحت سيطرة داعش غرب الموصل، ويتبع تقدّم القوات خلف الجبهات الأمامية ”مورو“ و“لويس“ اللذان يعدان خبيريْن بالأسلحة من منظمة ”CAR“ البريطانية المختصة بالأبحاث المتعلقة بالأسلحة في أوقات الصراع.

ويعمل الباحثان على توثيق الأسلحة والأدوات التي استولى عليها ”داعش“ ضمن مشروعٍ يأملان أن يمنح العالم صورة أوضح عن شبكات إمداد التنظيم وقد يقدمان في يومٍ من الأيام أدلة تدين تجار الأسلحة.

وتعمل الباحثة ”مورو“ البالغة من العمر 30 عاماً من مدينة وينيبيغ الكندية شمال العراق منذ العام 2013، وأدى اهتمامها بالآثار الاجتماعية طويلة الأمد للألغام الأرضية إلى نقلها من العمل الإنساني إلى بحوث الأسلحة عندما انضمت إلى منظمة CAR العام 2016.

وتعمل المنظمة التي يمولها الاتحاد الأوروبي على إرسال باحثين ميدانيين لتوثيق الأسلحة التي يستخدمها المتمردون في مناطق الصراع في الشرق الأوسط وأفريقيا.

ويتم تصوير آلاف الأسلحة وأكوام من الذخائر وفهرستها، ويمكن أن تستخدم البيانات المجمَّعة من قبل الدول في صياغة استراتيجيات لمنع توريد الأسلحة إلى الجماعات غير الحكومية والإرهابية.

وانضمت ”مورو“  في هذه الرحلة من قبل زميلها الإنجليزي ”لويس“ وهو مستشار أقدم في منظمة ”CAR“ والذي غالباً ما يغطي القرن الإفريقي والساحل الغربي.

وبعد مغادرتهما مبنى ”داعش“، عادا إلى مركبتهما وتحركا إلى داخل الحي بمرافقة وحدات الاستجابة السريعة، حيث مرّوا بمدنيين فارين سالكين شوارع جانبية تعترضها هياكل سيارات محروقة.

وكانت رائحة تعفن تتسلل من النوافذ خلال المرور بمنازل مدمرة، وقال أحد الضباط من مركبة مدرعة محترقة: ”كان هذا خط المواجهة قبل أربعة أيام“، وأضاف بينما يسمع صوت مدفع رشاش ”ما زلنا قريبين جداً من جبهة القتال“.

وتوقفوا بعد ذلك في مركز قيادة حيث رُكنت ثلاث سيارات تابعة للقوات الخاصة الأمريكية، وجلس الجنود الأمريكيون في مركبة مدرعة مضادة للكمائن والألغام، وهم يشاهدون لقطات جوية حصلوا عليها من كوادر طائرة هليكوبتر استطلاع صغيرة،  وهم غير مهتمين للتحدث للباحثيْن، لكن أحد الجنود جلب كيسًا بلاستيكيًا وألقاه عند أقدامهما وقال: ”هذه مواد كيميائية على ما أعتقد،“ ثم سار مبتعداً.

أرتدى ”مورو“ و“لويس“ قفازات وصوّرا بدقة أكياسًا تحتوي مسحوقًا أبيض وقوارير من المواد الكيميائية، حيث يعتقد أن هذه مواد تستخدم لصنع أسلحة كيميائية خام، خلّفها داعش.  وكان الأمريكيون قد أرسلوا عيّنات ليتم تحديد مكوناتها إلى مختبر، لذلك أظهر ”مورو“ و“لويس“ اهتمامًا باللواصق عليها.

وبينما نفذ ”داعش“ العديد من الهجمات على الجنود والمدنيين باستخدام غاز الخردل المصنوع منزلياً والكلور وبعض المواد الكيميائية المصنوعة منزلياً إلا أن فاعليتها كانت محدودة حتى الآن.

 وتشرح ”مورو“، قائلة:“من الأفضل بالنسبة لنا أن تكون الأسلحة غير مصنوعة منزلياً لأنه بذلك يصبح بإمكاننا معرفة كيف حصل عليهم داعش، فمن الأفضل بالنسبة لنا أن نرى أسلحة تقليدية“.

وفي حين أن بعض بحوث منظمة ”CAR“ ركزت على أسلحة داعش محلية الصنع إلا أنها تهتم أساساً بالأسلحة والذخائر والمواد المستخدمة في صنعها التي يمكن تتبعها، حيث توضح ”مورو“ أن اهتمام المنظمة يركز على “ كل شيء له بطاقة تعريف“.

وتحمل معظم الأسلحة المنتجة صناعيًا أرقامًا تسلسلية، يمكن تتبعها وصولاً إلى البلد ومصنع المنشأ، وتحتوي الصناديق وغيرها من أدوات التعبئة والتغليف أحيانًا أرقام شحن يمكن أن تعطي معلومات أكثر دقة.

ويقول لويس: ”لا يمكنك أن تعرف يقيناً على الإطلاق، بمجرد البدء في البحث عن مصدر، يمكن أن يدل سلاح واحد على جزء من شحنة تنتهك اتفاقية لحظر بيع الأسلحة، وحتى تحديد الشخص المسؤول عن ذلك“.

ومن الأمثلة البارزة على ذلك، وثَّقت منظمة ”CAR“ عددًا من بنادق ”إس كيه إس“ صينية استخدمت في سلسلة من الهجمات على فنادق وأهداف مدنية أخرى في مالي وبوركينا فاسو وكوت ديفوار والنيجر، وفي تطور غريب للأحداث، طابقت قاعدة البيانات الخاصة بها في وقت لاحق هذه البنادق مع اثنتين تمت مصادرتهما من مقاتلي ”داعش“ في مدينة عين العرب في سوريا. وقال لويس:“نعتقد أن البنادق أُدخلت عبر دولة أفريقية وهي توحي بوجود علاقة بين تلك المناطق والمجموعات“.

 وتماماً مثل مخابئ الأسلحة الأخرى التي تتبعتها ”CAR“ في الماضي،  تم إرسال الأسلحة إلى بغداد وسيحاول أعضاء المنظمة الكندية هناك العثور عليها، ولكن مع نقص التنسيق وحتى التنافس بين مختلف فروع قوات الأمن العراقية، يمكن أن يكون هذا صعباً، وفي هذا الصدد تقول مورو: ”أصبح يبدو وكأنه تتم إعادة تدويرها واستخدامها بسرعة، وأصبح من الصعب تتبعها إلا إذا كنت موجودًا على خط المواجهة حيث أنها تختفي سريعاً“.

الرائد ”حسين والي“ ذو الشخصية المبتهجة، من وحدات الاستجابة السريعة ينفذ دوريات في الشوارع وهو يحمل بندقية مزيّفة التقطها من مكان ما، حريص على أن يوثق ”لويس“ و“مورو“ أي بقايا لداعش في القاعدة.

وفي غرفة قاتمة، تنحني ”مورو“ وسط مجلات فارغة وعلب ذخيرة وملابس منتشرة في الأرض وأسلحة وأصفاد وأكوام مفرغة من المتفجرات محلية الصنع، بينما تقوم بتصوير قذائف هاون وطلقات مدفعية وأغلفة طلقات الرصاص باحترافية“، وتتمتم بينما يهز صدى انفجار جدران الغرفة “ POF، هذا مصنع باكستان للذخائر“.

وبعد عودتها للخارج تحت أشعة الشمس، تشعر ”مورو“ بالرضا عن عمل اليوم، إذ قالت: ”كان هذا رائعاً، لقد حاولت العثور على مكان كهذا منذ أشهر“.

وبعد ذلك بفترة وجيزة، ستعود ”مورو“ إلى منزلها في بيروت، حيث ستبدأ المهمة الشاقة المتمثلة بتحديث قاعدة بيانات المنظمة بمحتويات ذاكرة التخزين الرقمية والدفاتر التي ملأتها.

ولن يتمكن الباحثان من معرفة ما إذا كانت المعلومات التي جمعاها ذات أهمية حتى بعض الوقت، حيث تقول مورو: ”في بعض الأحيان، تخبرك حركة الأسلحة شيئًا عمَّا يفعله البشر لا تتم معرفته إلا بهذه الطريقة، ويمكن أن يمنحك تفصيل صغير الصورة الكاملة ”.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com