كيف تحوّلت فنزويلا من الازدهار الاقتصادي إلى حافة الانهيار؟ – إرم نيوز‬‎

كيف تحوّلت فنزويلا من الازدهار الاقتصادي إلى حافة الانهيار؟

كيف تحوّلت فنزويلا من الازدهار الاقتصادي إلى حافة الانهيار؟

المصدر: أحمد نصار– إرم نيوز

يشبه ما وصلت إليه فنزويلا بلدًا ضربته حرب أهلية، حيث تقلّص اقتصادها الذي كان الأغنى في أمريكا الجنوبية بنسبة 10% العام الماضي، بينما انكمش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 19%، بالإضافة إلى أنها أصبحت تمتلك أسوأ معدل تضخم في العالم بنسبة تخطت 700، ما جعل عملتها ليس لها قيمة تقريبًا.

وفي بلد يتمتع بأكبر احتياطي نفطي في العالم، يعتبر الطعام شحيحًا ونادرًا للغاية، حيث أفاد ثلاثة من كل أربعة مواطنين أنهم فقدوا وزنهم رغمًا عنهم بمعدل 8.5 كيلوغرام سنويًا.

وتتميز شوارع المدينة في الأسواق السوداء والعنف، وبلغت معدلات القتل المبلغ عنها للعام 2014، نفس معدل الإصابات في صفوف المدنيين في العام 2004 في العراق.

وبعد أن تفاخرت بديمقراطيتها لعقود طويلة، منذ الحرب العالمية الثانية، سقطت فنزويلا في الاستبداد، وأدت عمليات الاستيلاء على السلطة، التي حلت مؤخرًا محل الدستور، إلى احتجاجات وعمليات قمع أودت بحياة العشرات خلال هذا الشهر وحده، وذلك وفقًا لما ذكرته صحيفة ”إندبندنت“ البريطانية.

ونشأت أزمة فنزويلا من خلال سلسلة من الخطوات التي تم اتخاذها في الماضي وظهر تأثيرها في الوقت الحالي، وحتى أن بعض تلك الخطوات أثبتت شعبيتها في البداية.

تأسيس حزبين على استعداد للانهيار

في مرحلة التأسيس الديمقراطي لفنزويلا في العام 1958، وافقت الأحزاب الثلاثة الرئيسة في البلاد، والتي تقلّصت لاحقًا إلى حزبين، على تقاسم السلطة فيما بينها وتوزيع عائدات النفط على ناخبيها.

وعلى الرغم من أن الهدف من اتفاقها كان الحفاظ على الديمقراطية، إلا أن تقاسم الثروة أدى إلى تعزيز الفساد.

كما دفعت الأزمات الاقتصادية في ثمانينيات القرن الماضي بالمواطنين إلى اتهام النظام بالتعنت معهم.

وفي العام 1992 حاول ضباط الجيش اليساري بقيادة اللواء هوغو تشافيز القيام بانقلاب عسكري، وعلى الرغم من أنهم فشلوا وسجنوا، إلا أن رسالة تشافيز لاقت صدى واسعًا ودفعت به إلى النجومية.

لذلك وضعت الحكومة وقتها مجموعة من الإصلاحات التي كانت تهدف إلى إنقاذ النظام الحزبي، لكنها باءت بالفشل حيث أدى تخفيف القواعد الانتخابية إلى دخول الأحزاب الخارجية الساحة السياسية.

وفي أعقاب ذلك أفرج الرئيس عن تشافيز على أمل كسب قلوب المتعاطفين معه، لكن الوضع الاقتصادي ازداد سوءًا، مما دفع تشافيز للترشح للرئاسة في العام 1998، وبالفعل مكنّته رسالته التي تفيد بعودة السلطة إلى يد الشعب مرة أخرى من الفوز بالانتخابات.

سيطرة على المؤسسات الحكومية 

وعلى الرغم من فوز تشافيز، إلا أن الحزبين لا يزالان يسيطران على المؤسسات الحكومية والتي رآها تشافيز على أنها منافس له أو أنها خطر محتمل، لذلك أقرّ دستورًا جديدًا وأعاد تشكيل المناصب الحكومية.

وقد نالت بعض تلك القرارات شعبية واسعة مثل الإصلاحات القضائية التي خفّضت معدلات الفساد، بينما كانت لبعض القرارات الأخرى مثل إلغاء مجلس الشيوخ أهداف أبعد.

ويقول جون كاري أستاذ العلوم السياسية بكلية دارتموث: ”كان يقلل من التهديدات المحتملة على سلطته، فقد كانت وراء لهجته الثورية مخططات مدروسة بذكاء“.

وغالبًا ما يقود عدم الثقة في المؤسسات إلى توطيد سلطة الشعبويين الذين يعتبرون أنفسهم أنصار الشعب، لكن في بعض الأحيان تقاوم تلك المؤسسات، مما يؤدي إلى نزاعات من شانها أن تُضعف كلا الجانبين.

وعندما اعترض أعضاء المؤسسة التجارية والسياسية على سلسلة من القرارات التنفيذية في العام 2001، أعلن تشافيز أنهم أعداء ثورة الشعب.

ولأن الشعبوية تصف عالمًا ينقسم بين الشعب الصالح والنخبة الفاسدة، فإن كل جولة من جولات المواجهة قد تؤدي إلى استقطاب المجتمع، حيث يصبح مؤيدون ومعارضون زعيم مثل تشافيز محاصرين في أزمة شديدة الخطورة تبرر الإجراءات المتطرفة التي يتم اتخاذها.

انقلاب يصعّد صراع أيديولوجي 

في العام 2002 ووسط حالة الركود الاقتصادي تحول الغضب من سياسات تشافيز إلى احتجاجات هددت باقتحام القصر الرئاسي، وعندما أمر الجيش باستعادة النظام قام المحتجون باعتقاله وعيّنوا قائدا مؤقتًا، حيث أدت تحولات تشافيز في السياسة الخارجية مع كوبا وتسليحه للمتمردين الكوبيين، إلى إثارة غضب بعض القادة العسكريين وتحولت حربه على النخب إلى أمر خطير.

وفي ذلك الوقت قام قادة الانقلاب بحل الدستور والتشريعات، مما أدى إلى انقلاب مضاد أعاد تشافيز إلى السلطة مرة أخرى، لكن رسالة نضاله الثوري ضد الأعداء الداخليين تلك المرة لم تتضمن استعاراته السابقة التي تشير إلى الحد من الفقر، ووصفها كاري بأنها ”لحظة استقطاب كبيرة سمحت لتشافيز بتصوير المعارضة على أنها تحاول بيع المصالح الفنزويلية“.

وبعد فترة قصيرة من الانقلاب الفاشل، واجه تشافيز معركة أخرى وهي إضراب عمّال شركة النفط التي تديرها الدولة ”شركة النفط الفنزويلية“ وقد هدد هذا الإضراب بتدمير الاقتصاد ورئاسة تشافيز، لكنه أتاح الفرصة لوقف انتفاضة أخرى.

وبعد فشل الإضراب قام تشافيز بطرد 18 ألف عامل معظمهم من الفنيين والمديرين المهرة، واستبدلهم بنحو 100 ألف مؤيد، بالإضافة إلى تحويله جزء كبير من الميزانية التشغيلية للشركة لتمويل قاعدة تشافيز السياسية وصرف مكافآت للموالين الحكوميين وأتباعهم وتوفير الدعم لخفض أسعار الغذاء.

وفي العام 2011 تم سحب مبلغ 500 مليون دولار من صندوق المعاشات التقاعدية لشركة النفط الفنزويلية وإدخال تلك الأموال إلى نظام هرمي يديره ممولون حكوميون، وبعد أن قام تشافيز بالقضاء على النخبة الفاسدة، أنشأ مجموعة أخرى خاصة به.

وفي العام 2012 انخفض إنتاج شركة النفط الحكومية، على الرغم من الازدهار العالمي في تلك الفترة وتضاعف معدّل إصابات العمال، بالإضافة إلى انفجار مصفاة لتكرير البترول، مما أدى إلى مقتل ما لا يقل عن 40 شخصًا وخسارة ما يقرب من 1.7 مليار دولار.

 وفي النهاية استنفدت الشركة احتياطها النقدي وتوقفت مشاريعها الإنمائية، وبالتالي لم يكن هناك أي دعم اقتصادي عندما انخفضت أسعار البترول في العام 2014.

ولم يعد تشافيز بعد انهيار شركة النفط يواجه أزمة اقتصادية فحسب، بل أزمة سياسية أيضًا، وذلك لأن نظام الدعم الذي أنشأه كان يعتمد على الرعاية النفطية، مما أدى إلى انهياره بعد نفاد المال.

وبعد وفاة تشافيز في العام 2013، ورث الرئيس نيكولاس مادورو اقتصادًا واهنًا ودعمًا ضعيفًا من النخب والعامة.

وعندما أصبح غير قادر على تحمل نفقات الإعانات وبرامج الرعاية الاجتماعية، قام بطبع المزيد من العملات ما أدى إلى ارتفاع التضخم وزيادة أسعار السلع الأساسية بشكل كبير، لذلك وضع ضوابط على الأسعار وحدد سعر صرف العملة.

وأدت هذه السياسة إلى زيادة أسعار الواردات ودفعت الشركات إلى إغلاق أبوابها، لكن مادورو استمر في طبع المزيد من العملات، مما أدى إلى ارتفاع التضخم مرة أخرى وأصبحت السلع الغذائية نادرة، وتعمّقت الاضطرابات وزاد الاعتماد على المنح التي لا يستطيع تحمّلها،  وفي النهاية أدت هذه الدائرة إلى تدمير الاقتصاد الفنزويلي.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com