غضب عارم في الشارع الإيراني إثر اعتقال صحفي كشف واقعة فساد

غضب عارم في الشارع الإيراني إثر اعتقال صحفي كشف واقعة فساد

يعيش الشارع الإيراني هذه الأيام، غضباً عارماً، بسبب اعتقال الصحفي ياشار سلطاني الذي كشف واقعة فساد بمكتب رئيس بلدية طهران.

وبحسب صحيفة “الغارديان” البريطانية، تم اعتقال ياشار سلطاني رئيس تحرير موقع معماري نيوز، في 17 سبتمبر/أيلول الماضي، بعد نشره خطابا رسميا مسربا، يشير إلى أن رئيس بلدية طهران قد باع أو تنازل عن قطع من الأراضي والعقارات المملوكة للدولة بقيمة تقارب 630 مليون دولار للمسؤولين وأعضاء مجلس البلدية بتخفيضات استثنائية وتسهيلات غير قانونية.

وأضافت الصحيفة أن اعتقال سلطاني جاء بعد أن رفع كل من رئيس بلدية طهران محمد باقر قاليباف وهو أحد السياسيين البارزين ويتمتع بخلفية عسكرية، ومهدي جمران رئيس مجلس مدينة طهران، دعوى قضائية ضده.

 وصرحت السلطات القضائية بعد ذلك أنها ألقت القبض على سلطاني لنشره وثائق سرية، على الرغم من تشكيك البعض في صحة هذا الادعاء، حيث قالوا إن موقع معماري نيوز قد نشر جزءاً بسيطاً مما تم تسريبه ولم يتضمن المنشور أية معلومات سرية.

وأدى اعتقال سلطاني إلى وصول هذه القضية للرأي العام الإيراني، إذ كان سلطاني قبل اعتقاله الصحفي الوحيد المشهور بين النخبة، خاصة أولئك المهتمين بالأخبار التي تتعلق بالمعمار، إلا أن التحقيقات التي تلاها اعتقاله قد مست وترًا حساسًا أثار العديد من ردود الأفعال في الشارع الإيراني.

التسريبات أحرجت قاليباف

وقد تسببت هذه التسريبات في إحراج قاليباف، الذي كان يطمح لكرسي رئاسة إيران، إذ قام بوضع اسمه في قائمة المرشحين للرئاسة في الماضي، وكان ينظر إليه على أنه أحد المحافظين الناجحين، حيث قام بتطوير المدينة ومتابعة الخطط الطموحة، فضلاً عن إنجاز العديد من المشاريع المعمارية في السنوات الأخيرة.

وطالت التسريبات أيضًا، عددًا من أعضاء مجلس البلدية، الذين وردت أسماؤهم فيما بعد كأحد المنتفعين من عمليات البيع.

 وكتب الخطاب الرسمي المسرب، مجلس الرقابة الوطني، المكلف بالكشف عن الفساد في القطاع الحكومي، وكان موجهاً إلى أحد المسؤولين الكبار في مكتب رئيس البلدية وأشار إلى أن عملية البيع تلك غير قانونية وأعطاهم مهلة لتقديم المزيد من التوضيحات.

وورد في نص الخطاب: “تكبدت بلدية طهران خسائر بلغت نحو 41 مليون دولار كنتيجة لمنح امتيازات وتسهيلات غير عادلة”.

 وقد ورد في الخطاب أيضاً أن بعض المستفيدين من عمليات البيع قد حصلوا على تخفيضات بلغت قيمتها 50% على الأسعار التي هي أقل من قيمتها الأساسية منذ البداية.

وجاءت تغريدة لأحد المواطنين الإيرانيين على موقع تويتر: “ياشار سلطاني في السجن لمجرد قيامه بواجبه الصحفي، وهو الآن في سجن إيفن لكشفه الفساد في البلدية التي يرأسها قاليباف”.

وكتب أوميد معماريان الصحفي الإيراني أن اعتقال سلطاني أظهر عدم جدية السلطات في محاربة الفساد بل إنهم “يستهدفون فقط من يكشفون الفساد”.

وقالت الصحفية يجانه خودامي، إن طهران بحاجة شديدة لأن يبقى صحفيون مثل سلطاني على قيد الحياة، وقام نشطاء آخرون على موقع تويتر بتدشين هاشتاغ بعنوان #FreeYashar وذلك لجذب مزيد من الانتباه للقضية.

وكتب أحدهم: “في البلاد الأخرى كان من الممكن أن يصير بطلاً شعبياً ورمزاً من رموز الصحافة وكان من الممكن أن يتصدر الصفحات الأولى لجميع الصحف، ولكن في إيران مصيره الحبس الانفرادي”.

وفي حديث أجراه سلطاني مع وكالة الأخبار المحلية نازار نيوز،  قبل أيام قليلة من اعتقاله، تحدث عن الضغوط التي يواجهها وتحدث أيضاً عما إذا كانت عملية البيع قانونية أم غير قانونية، وأن الجمهور له الحق في معرفة هذه الأمور، وكان قد تم حجب موقع معماري نيوز قبل اعتقاله وما زال الموقع محجوباً.

وفي لقائه مع قناة نازار نيوز، قال سلطاني: “هناك الكثير من الضغوط الشديدة عليّ، ولكن ليس هذا بالأمر المهم ولا أشعر بأي ندم، لأن أملاك الشعب يتم توزيعها على أشخاص معينين ولا يهمهم ما إذا كان هذا الأمر قانونياً أم لا، ولذا من واجبي أن أدعو الناس ليعرفوا أين تذهب أموال ضرائبهم، وكان ينبغي عليهم معرفة ذلك في وقت سابق وأنا على استعداد لمواجهة مصيري”.

وقال هادي قائمي المدير التنفيذي للحملة الدولية لحقوق الإنسان في إيران، والتي تتخذ من نيويورك مقرا لها: “إن إصدار المدعي العام بطهران أمر إغلاق الموقع لنشره خطاباً رسمياً يعتبر اعتداءً واضحاً من السلطات الإيرانية يهدف إلى قمع المؤسسات الإعلامية التي تحاول تسليط الضوء على المسؤولين لتتم محاسبتهم على أفعالهم”.

ليست الفضيحة الأولى

وتأتي هذه التسريبات الجديدة في وقت حرج بالنسبة لإيران، إذ أنه قبل بضعة أشهر تم الكشف عن فضيحة أخرى بشأن الرواتب الضخمة التي يتلقاها المسؤولون بالحكومة مما أثار موجة من الغضب العارم في البلاد، وقد أدت هذه الفضيحة إلى استقالة عدد من كبار المسؤولين من ضمنهم رئيس الهيئة التنظيمية لتأمينات الدولة.

ووصل الغضب الشعبي بعد اعتقال سلطاني إلى عدد من النواب بالبرلمان الإيراني، في موقف نادر منهم، للتعبير عن تضامنهم مع الصحفيين المحبوسين والدفاع عنهم، حيث انتقد علي مطهري حليف الإصلاحيين بشكل صريح حبس سلطاني، مؤكداً أنه لا ينبغي فرض مثل هذه الضغوط على الصحفيين.

وذكرت وكالة أنباء إيلنا شبه الرسمية بأن ما يقارب 700 صحفي رفعوا دعاوى قضائية للمطالبة بالإفراج عن سلطاني.

وزادت حدة الغضب بعد صدور تقارير تفيد بأن سلطاني قد تم إجباره على البوح بمصدر تلك الوثيقة المسربة، وقال المدعي العام الإيراني إن الصحفي المسجون قد ذكر اسم عضو بمجلس بلدية طهران قام بتسريب هذه الوثيقة، وفي وقت لاحق أكد أحمد حكيمي بور أنه هو من قام بتسريب هذا الخطاب لسلطاني.

واستمرت تبعات تسريبات سلطاني بعد اعتقاله، إذ اشتكى العديد من المنتفعين من عمليات البيع تلك، بأنهم لم يرتكبوا أي فعل غير قانوني، وأنه قد تم التشهير بأسمائهم دون وجه حق.

 وفي الشهر الماضي قام أحد أعضاء مجلس البلدية، ويدعى أبو الفضل قيناتي بمهاجمة سلطاني بقوله: “يجب أن تسلّم أخته لداعش لمدة أسبوع حتى يستطيع أن يفهم”.

وفي أكتوبر/تشرين الأول، قال المدعي العام الإيراني في التلفزيون الرسمي بأن 45 فردًا قد تسلموا عقارات من مكتب رئيس البلدية بطريقة غير قانونية، وفي النهاية تم الإعلان بأن 36 من هذه العقود قد تم إلغاؤها.