ذكرى اغتيال رابين تتحول لحرب إعلامية بين الحكومة والمعارضة في إسرائيل

ذكرى اغتيال رابين تتحول لحرب إعلامية بين الحكومة والمعارضة في إسرائيل

تحول الاحتفال بالذكرى السنوية الحادية والعشرين لاغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق يتسحاق رابين، إلى حرب إعلامية متبادلة بين المعارضة والائتلاف اليميني المتطرف، وذلك بعد أن رفضت حكومة بنيامين نتنياهو تمويل هذا الاحتفال، بزعم عدم قدرتها على تدبير المخصصات المالية اللازمة، ليتضح بعد ذلك أن الحديث يجري عن أبعاد أيديولوجية من الدرجة الأولى، تقف وراء ما يمكن وصفه بالتنصل من النهج السياسي الذي تبناه رابين.

واحتشد آلاف الإسرائيليين من أنصار رئيس الوزراء الذي اغتاله المستوطن المتطرف يغال عامير في الرابع من تشرين الثاني/ نوفمبر 1995، احتشدوا مساء أمس في الميدان الذي يحمل اسمه بوسط تل أبيب، بعد أن أنقذ حزب “المعسكر الصهيوني”، الذي يقود جناح المعارضة الموقف، ونجح في تنظيم فعاليات موازية لإحياء الذكرى السنوية لهذا العام، وتحمّل كلفة الحشد والدعوات التي شملت شخصيات عامة تنتمي لليسار والوسط.

ولا يعد موقف الحكومة الإسرائيلية من إحياء ذكرى رابين هذا العام أمرا استثنائيا أو عابرا؛ إذ إن تنصل تلك الحكومة من سيرته وسياساته بدا واضحا بشكل فريد من نوعه، وبلغ الأمر مداه في محاولات نفي مسألة تعرضه للاغتيال السياسي نفسها، وبالتالي نسف الأسس التي حولت إحياء تلك الذكرى إلى رمز مهم بالنسبة لقطاع كبير من الإسرائيليين، يبدو وأنه يجد صعوبة في السيطرة على استخواذ اليمين المتطرف على المشهد.

ويخرج الموقف الحكومي الإسرائيلي من إطار الشأن الداخلي، ويعتبر رسالة صريحة للمجتمع الدولي بشأن رؤيته تجاه المسيرة السياسية والصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، إذا سيكون على جميع الداعين لاستئناف مفاوضات السلام أو من يحملون مبادرات سياسية جديدة التعمق قليلا فيما حدث هذا العام للمرة الأولى منذ اغتيال رابين قبل 21 عاما.

ليس اغتيالا سياسيا

وشهد الأسبوع الماضي، إعلان مصادر حكومية أن هناك صعوبات كبيرة في تدبير التمويل اللازم لإحياء ذكرى رابين هذا العام، لكن العديد من المراقبين علقوا على ذلك بأنه في الوقت الذي يعاني فيه المجتمع الإسرائيلي حالة الانقسام والاستقطاب الحاد اتخذت الحكومة هذا الموقف لأنها من تسببت في هذه الحالة بالأساس.

ولكن تصريحات صدرت عن رئيس الكتلة البرلمانية للائتلاف الحاكم، النائب دافيد بيتان، دلت على نوايا مبيتة لوقف هذا الحدث السنوي، بدءا من هذا العام، ومحاولة إعادة تفسير الأسباب التي أدت إلى اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي، الذي يفترض أنه دفع حياته ثمنا لمواقفه السياسية المؤيدة للسلام مع الفلسطينيين والعرب.

وساق بيتان، رواية صادمة بالنسبة لمؤيدي رابين، حين زعم أنه “قُتل” على يد عامير، وأن الأمر أبعد عن كونه “اغتيالا سياسيا”، مضيفا أن هناك من يحاولون تصوير الأمر وكأن السبب في قتله هم مجموعة من السياسيين، وهو ما لم يحدث.

تجاوز للخطوط الحمراء

وخلال كلمته أمام حشود من أنصار “المعسكر الصهيوني” ومؤيدي النهج الذي اتبعه رابين، شن يتسحاق هيرتسوغ، رئيس حزب العمل، وزعيم المعارضة هجوما حادا ضد بيتان وضد حكومة نتنياهو، وأكد أن ما قامت به تلك الحكومة إزاء ذكرى أحد رموز السلام في إسرائيل، وما صدر من تصريحات عن رئيس الكتلة البرلمانية للائتلاف، أنهى أية بارقة للانضمام إلى حكومة وحدة وطنية.

ووصف هيرتسوغ حكومة نتنياهو بأشد العبارات، واعتبرها تضم “حفنة من المجرمين المختلين عقليا”، وقال إنه “حين تصف هذه الحفنة رئيس الأركان السابق موشي يعلون بالكلب، وحين يطالب عضو بالكنيست عن الائتلاف بجرافة ليهدم مقر المحكمة العليا، وحين لا يتردد رئيس الكتلة الائتلافية في الزعم بأن اغتيال رابين لم يحمل أبعادا سياسية، فإنني أقول بعد كل ذلك، لقد تجاوزت تلك الحكومة كل الخطوط الحمراء”.

وأكد من يقف على رأس “المعسكر الصهيوني”، أنه أغلق باب التفاوض تماما مع حزب “الليكود” بشأن الانضمام لحكومة وحدة وطنية، مشيرا إلى أنه “سيواصل حربه من أجل الديمقراطية، وأنه لم يعد ليقبل بالجلوس مع أناس يحملون هذا القدر من التطرف”.

الاغتيال القادم

وعبر العديد من المشاركين في الفعاليات التي أقيمت تحت شعار “مكافحة الكراهية والتحريض”، عن استيائهم الشديد من تصريحات بيتان، ونقلت وسائل إعلام عن شخصيات عامة وسياسيين ونشطاء أن تلك التصريحات كاذبة، وأن عامير اغتال رئيس الوزراء الأسبق كونه سار على طريق سياسي محدد وأراد أن يصنع السلام.

وعلقت ذيهافا جيلاؤون، رئيسة حزب “ميرتس” اليساري خلال كلمتها على تصريحات بيتان، وقالت إن اغتيال رابين “جاء على خلفية سياسية ولدوافع سياسية ومن ناشط سياسي، وأن سعيه لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية كان السبب في اغتياله، وهو الأمر الذي يطلق عليه الاغتيال السياسي”.

وانضم عامير بيرتس، وزير الدفاع الأسبق والنائب عن “المعسكر الصهيوني” حاليا إلى الهجوم، وعبر عن مخاوفه من أن هذا التطور يعني أن أحدهم سيطالب في القريب العاجل بالعفو عن عامير، لافتا إلى أن الحديث يجري عن تطور خطير، وأن حالة التحريض القائمة حاليا تعني أن الاغتيال السياسي القادم مسألة وقت.

وشكل رابين الحكومة الإسرائيلية على رأس حزب “العمل” مرتين، الأولى في الفترة بين 1974 – 1977، والثانية 1992 – 1995، وهي الفترة التي شهدت اغتياله. وحصل رابين على جائزة نوبل للسلام عام 1994 لدوره في التوقيع على اتفاقيات أوسلو قبلها بعام.

وخلال احتفالات في ميدان ملاخي بتل أبيب، في الرابع من تشرين الثاني/ نوفمبر 1995 أطلق طالب متطرف الرصاص عليه بعد أن توصل إلى قناعة سياسية ودينية بأن اتفاقيات أوسلو تشكل خطرا وجوديا على إسرائيل، وحكم عليه بالسجن المؤبد.