القطاع المالي الإيراني يحتضر وروسيا تحاول إنقاذه

القطاع المالي  الإيراني يحتضر وروسيا تحاول إنقاذه

نشرت صحيفة “كلكليست” الاقتصادية الإسرائيلية، قراءة أعدها دورون فسكين، الخبير في اقتصاديات الشرق الأوسط، حول الوضع الحالي للاقتصاد الإيراني، أكد فيها تسرب الصراع السياسي الداخلي في إيران، بين معسكر المحافظين المدعوم من قبل الحرس الثوري، وبين المعسكر المعتدل، بقيادة الرئيس حسن روحاني إلى الجهاز المصرفي بالدولة.

وأوضح فسكين، أن روحاني الذي ينظر إليه مؤخرًا على أنه “بطة عرجاء” بعد فقدانه الدعم الجماهيري بسبب فشله على الساحة الاقتصادية، تلقى دعمًا من اثنين من البنوك الخاصة في إيران، فنفور القيادة الدينية من روحاني، الذي سيتنافس في مايو/ أيار المقبل على منصب الرئاسة الإيرانية لفترة أخرى، يقلل من قدرته على التأثير في القرارات الجوهرية في المؤسسة الإيرانية، برئاسة المرشد الأعلى علي خامنئي، ومن يقف بجانبه من رجال دين ورؤساء للأجهزة الأمنية.

ومع ذلك، فقد ارتفعت أسهم روحاني خلال الشهر الماضي، وقد حدث هذا بعد أن أعلن بنك “ميلت” وبنك “سبه” بشكل غير مسبوق عن رفضهما العمل مع شركة بناء رائدة تتبع للحرس الثوري اسمها “خدمة البناء”، وكما هو متوقع كان رد فعل المحافظين غاضبًا معتبرًا قرار البنكين استسلاما للغرب.

“مؤامرة غربية”

وتماشيًا مع رد الفعل على إعلان البنكين، يعتبر خامنئي ورجاله، أن الاتفاق النووي مع الدول الكبرى، بمثابة “مؤامرة غربية” تهدف الى تفكيك ثروات إيران، وبالتالي ينبغي محاولة استغلاله على الوجه الأمثل، لاستخلاص أفضل التسهيلات الاقتصادية.

وعلى خلاف نظام الملالي، يعتقد روحاني أن وجود الاتفاق النووي يمكن أن يحدث تغييرًا في اتجاه الاقتصاد الإيراني المتعثر.

يجدر التأكيد على أن قرار البنكين بوقف التعاون مع الحرس الثوري، لن يضر بالقوة الاقتصادية للذراع الأمنية للنظام الملالي. ووفقًا لتقديرات متحفظة، فإن الشركات التي يسيطر عليها الحرس الثوري تستحوذ على حصة نسبتها 30٪ من الاقتصاد الإيراني، وتدير حوالي 120 مليار دولار سنويًا.

شركات وهمية

وهذه الشركات هي المسؤولة عن تنفيذ مشاريع البنية التحتية الرائدة في الدولة، وهي تستعين بشبكة عالمية من الشركات الوهمية، التي تحول إليها المليارات سنويًا، وتعتزم المؤسسة الدينية مواصلة الحفاظ على هذه الثروة بأي ثمن.

وعلى الرغم من الآثار السياسية والداخلية لموقف البنكين، فقد جاء قرارهما في المقام الأول لاعتبارات اقتصادية، ففي يونيو/ حزيران، وافقت منظمة مجموعة العمل المالي الدولية (Financial Action Task Force) المعروفة اختصارًا بـ (FATF) -والتي تحارب غسل الأموال وتمويل الإرهاب، على تخفيف القيود المفروضة على البنوك الإيرانية لمدة 12 شهرًا.

ومنذ العام 2008، أدرجت إيران على القائمة السوداء للمنظمة، ولكن قرار قبول منح تسهيلات مؤقتة اتخذ بعد بيان الحكومة الإيرانية بأنها معنية بالتعاون مع (FATF) من أجل وصول طهران إلى العضوية الكاملة فيها، فبدون قبول من (FATF) لن تستطيع المؤسسة المالية في إيران تنفيذ صفقات بعملات أجنبية مع الكيانات المالية الأجنبية، وهذا ما دفع البنكين لاتخاذ ذلك القرار الحاد، إذ يخشى البنكان أن يؤدي إبرامهما صفقات مع كيانات تابعة للحرس الثوري إلى تجدد فرض القيود.

تجدر الإشارة إلى أن (FATF) تطلب بشدة من البنوك الإيرانية وقف ضخ الملايين للمنظمات “الإرهابية” مثل حزب الله وفيلق القدس الذي يعد جناح العمليات التابع للحرس الثوري.

(FATF) تكشف الصراع الداخلي في إيران

,ليس من المستغرب، أن يكشف الاتفاق الأولى مع (FATF) حالة الخلاف الحاد بين المعسكرين المتنافسين في القيادة الإيرانية، فقد أعلنت المؤسسة الدينية أن هناك خطوات يجب اتخاذها من الجهاز المصرفي، حتى يصبح عضواً في (FATF)، تشكل خطرًا على أمن إيران، وهذا القلق له ما يبرره إزاء مطالبةمنظمة مجموعة العمل المالي الدولية لإيران بالشفافية في الجهاز المصرفي.

من ناحية أخرى، يزعم مصرفيون إيرانيون، أن إيران لن تكون قادرة على العودة لتكون لاعبًا في السوق المالي العالمي دون أن تكيف نفسها مع المعايير التي وضعتها (FATF).

أمراض الجهاز المصرفي الإيراني

ويعكس قرار البنكين الإيرانيين استعداد القطاع الخاص للتعاون مع الغرب وإظهار التفهم لمطالبه، بالإضافة إلى ذلك، فإن الخطوة التي قام بها البنكان تجسد إحدى العقبات الرئيسة التي تواجه إيران، قبل أن تتمكن من جني فوائد الاتفاق النووي، وهي نظام مصرفي ضعيف يشوبه الفساد وتمويل الإرهاب وعدم الشفافية وفقدان السيولة، وهو باختصار لا يتطابق مع المعايير الدولية.

والمشكلة الرئيسة المشتركة للبنوك الإيرانية، هي حجمها الصغير نسبيًا، فبنك ميلت على سبيل المثال يعتبر أكبر البنوك في إيران بإجمالي أصول مالية تقارب 52 مليار دولار، ولكن في الدول المجاورة مثل تركيا والإمارات العربية المتحدة، هناك عدد قليل من البنوك مع أصول تتجاوز 100 مليار دولار، أما بنك “سبه” فلديه أصول تبلغ نحو 22 مليار دولار، وهو خامس أكبر البنوك في إيران.

وهناك مشكلة أخرى، هي أن 50٪ من الودائع البنكية تتركز في البنوك الأربعة الكبرى، وأوجه القصور في البنوك هو دليل آخر على أن وعود الحكومة الإيرانية بأن رفع العقوبات سيحل الضائقة التي يعيشها الاقتصاد الإيراني ليس لها أساس. بل بالعكس، فحتى الآن وبعد رفع العقوبات، من الواضح أن بناء الاقتصاد الإيراني على نظام مصرفي من الطراز القديم، هو أحد العقبات الرئيسية التي تعترض إمكانية جني عوائد اقتصادية من الاتفاق النووي، على الأقل في المدى القريب.

لماذا تخشي البنوك الغربية التعامل مع إيران؟

وهكذا، فرغم إعلان إيران في بداية العام عن اتفاقيات مع شركات أجنبية لتنفيذ مشاريع بمليارات الدولارات، إلا أن انطلاقها واجه صعوبة، واحد من الأسباب الرئيسة لذلك، هو خوف البنوك العالمية من العودة إلى العمل في الاقتصاد الإيراني.

وترجع هذه المخاوف إلى العقوبات التي لم ترفعها الإدارة الأمريكية حتى الآن، وهي مرتبطة بالأنشطة الإرهابية الدولية للحرس الثوري، الذي أعلنه القانون الأمريكي منظمة إرهابية.

وتخشى البنوك الغربية، أن تصل الأموال التي ستضخها في صفقات في السوق الإيراني إلى جيوب شركات ورجال أعمال مرتبطين بالحرس الثوري، وبالتالي سينزل عليها العقاب الشديد من واشنطن من أقصر الطرق.

الروس يساعدون إيران بالاستغناء عن التعامل بالدولار واليورو

وتبدي روسيا استعدادها لمساعدة إيران للخروج من هذا الحصار المالي الغربي عبر منح مساعدات عسكرية لمحور طهران- دمشق في الحرب الأهلية الدامية في سوريا.

ففي بداية الشهر الماضي، تم توقيع مذكرة تفاهم بين البنك المركزي الروسي والبنك المركزي الإيراني على تكثيف التعاون بينهما.

وقد أعلن مسؤولون كبار في موسكو، أنه في كل مناسبة يبدي النظام المصرفي الروسي استعداده لمساعدة الإيرانيين سواء على تنفيذ صفقات بالعملات الأجنبية أو في إدخال خدمات مالية أكثر تقدمًا.

وتقول مصادر في موسكو، إن هناك اتفاقًا مبدئيًا بين الجانبين على إنشاء بنك مشترك يكون الجديد فيه أن تنفذ تعاملاته بالروبل الروسي والريال الإيراني دون غيرهما.

وبهذا ينوي البلدان تجاوز بنوك الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، حيث أن معظم التجارة بين موسكو وطهران، تتم حاليًا باليورو والدولار.

كما يأمل الروس أن يؤدي إتمام الصفقات بالروبل مع إيران إلى تعزيز وضع العملة المحلية لايران، ويأمل الإيرانيون أيضًا أن تتم الصفقات مع روسيا بالريال الإيراني.

وهناك مستوى مرتفع من التفاؤل بين الجانبين حيال هذه الخطوة، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بينهما العام الماضي نحو 5 مليارات دولار، بزيادة كبيرة قدرها 70٪ مقارنة بالعام السابق.

ويوجد في إيران 29 بنكًا، ويبلغ حجم الأصول المالية فيها نصف تريليون دولار، تمتلك الحكومة 10 بنوك منها بشكل كامل من بينها ثلاثة بنوك تجارية، وعلى الرغم من أن بقية البنوك تعتبر بنوك خاصة إلا أنه يوجد للحكومة حصة في بعضها.