هل تشهد تركيا توجها شعبيًا للتمرد على نهج أتاتورك؟

هل تشهد تركيا توجها شعبيًا للتمرد على نهج أتاتورك؟

المصدر: مهند الحميدي – إرم نيوز

أثارت تصرفات عنيفة وغير مسبوقة ترتبط بالجانب الديني لبعض الأتراك في الأعوام الأخيرة، تساؤلات حول إذا ما يشهد التوجه الشعبي التركي ارتفاعًا في حدّة التطرف الديني، وفق مراقبين للشأن التركي.

في آخر تلك التصرفات، أقدم شاب تركي يدعى عبد الله جاكير، على ضرب فتاة تركية بحجة ارتدائها ملابس قصيرة (شورت)، بحافلة نقل عام في إسطنبول كبرى المدن التركية، التي بقيت لعقود طويلة كأبرز مدن العلمانية في تركيا.

وبرر جاكير فعلته بعد إلقاء القبض عليه من قبل شرطة إسطنبول بقوله إن ”الدولة لا تعاقب هؤلاء الفتيات المتبرجات بوقاحة، فلم أجد بدًا من معاقبتها بنفسي“.

في حين صدر بحق المعتدي حكمًا بغرامة مالية، بتهمة التسبب برضوض لمواطنة وإحالته إلى العلاج القسري النفسي.

في حين، سبق أن شهدت تركيا حوادث تشير إلى ارتفاع حدة التطرف الديني، وتناقلت مواقع التواصل الاجتماعي، في آب/أغسطس الماضي، مقطع فيديو مثير للجدل يظهر تَهجم مجموعة من الشبان الإسلاميين الأتراك، على عدد من زوار متجر موسيقي في إسطنبول، أثناء تناولهم مشروبات روحية احتفالاً بإصدار ألبوم جديد لفرقتهم المفضلة خلال شهر رمضان.

تكثر التساؤلات في ظل انتشار مثل تلك المظاهر حول مستقبل الجمهورية التركية، وإمكانية أن تحولها تلك التصرفات إلى تيار عام من شأنه ردم الهوة بين الدين والدولة، والانقلاب على العلمانية التي أرسى دعائمها الزعيم التركي الراحل مصطفى كمال أتاتورك في عشرينيات القرن الماضي.

في حين يرى معارضون علمانيون أن تغير المزاج الشعبي التركي في الأعوام الأخيرة، يأتي انعكاسا لسياسات حكومة حزب العدالة والتنمية ذي الجذور الإسلامية، الذي قام بخطوات عملية اعتبرها البعض توجهًا لأسلمة الدولة ومرافقها.

في ظل دعاية سياسية وإعلامية ضخمة تدعم سياسات الحزب الحاكم، باتت نسبة مرتفعة من المواطنين الأتراك، تدعم السياسات الحكومية الهادفة إلى هدم الجدار الفاصل بين الدين والدولة؛ انطلاقاً من دعم قضية المحجبات إلى تأييد قوانين تقيد بيع المشروبات الروحية واستهلاكها، مروراً بدعم حملات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان المتكررة ضد الإجهاض.

مؤشرات نجاح أردوغان بمكافحة العلمانية

على الرغم من تأكيدات أردوغان على علمانية الدولة، يرى محللون أنه لم يألُ جهداً في محاولاته الخروج من عباءة المبادئ العلمانية والتمرد على النهج الكمالي.

 اللافت أن محاولات أردوغان تلقى آذاناً صاغية لدى شريحة واسعة من الأتراك، الأمر الذي ظهر جلياً في نجاحاته المتكررة في المعارك الانتخابية، منذ وصول الحزب الحاكم إلى السلطة عام 2002.

وتمكن أردوغان إلى حد معقول من استمالة مؤيديه، لإرساء دعائم الطابع الإسلامي للدولة، ومكافحة الإرث العلماني، في الوقت الذي تعيش فيه المدارس الدينية في تركيا عصرها الذهبي مع تمكن حزب العدالة والتنمية من التفرد في حكم البلاد لثمان حكومات متعاقبة.

ووصلت نسبة الطلاب الأتراك الذين يدرسون في مدارس الأئمة والخطباء (المدارس الدينية) إلى نحو 10% من طلبة تركيا، بعد أن كانت بحدود الـ 5% قبيل العام 2002.

وخرّجت تلك المدارس شريحة لا يستهان بها من الساسة الأتراك، ممن أخذوا على عاتقهم التصدي للتيارات العلمانية في الحكومة؛ يأتي على رأسهم أردوغان نفسه، كما تضم الحكومة الـ65 لتركيا، التي شُكِّلت يوم 24 أيار/مايو الماضي، 10 وزراء من أصل 27 وزيراً، تلقّوا تعليمهم في مدارس دينية، ما يعكس توجّه الحزب الحاكم للمزج بين الدين والسياسة والتعليم.

وسبق أن دعا أردوغان، مطلع العام 2014، إلى تغيير المناهج الدراسية، إذ اعتبر أن فئة الشباب لا يعرفون شيئًا عن علماء ومفكري الإسلام، سعيًا منه لترسيخ صورة الإسلام لديهم.

ولم تَسلم المؤسسة العسكرية التركية آخر قلاع العلمانية في تركيا من التأثير الديني، إذ بدأت في الأعوام القليلة الأخيرة بوادر توجّه إسلامي بات ينشط في صفوفها.

وسمحت الحكومة ببناء المساجد في القطع العسكرية، وزيارة المحجبات لأزواجهم من العسكريين والمشاركة في مراسيمهم بعد عقود من الحظر، كل ذلك بدعم من وسائل الإعلام المقربة من الحكومة التي تصر على إظهار الجنود الأتراك بمظهر المتدينين، فتارة يرددون هتافات إسلامية، وتارة أخرى يقبلون المصاحف في الجوامع.

وإذا أخذنا بالاعتبار أرقام معهد السياسة والاستراتيجية العالمية ومقره أنقرة، فإن أكثر من 2000 مواطن تركي عبروا الحدود إلى الأراضي السورية، للقتال في صفوف تنظيم  داعش.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com