اتفاق السلام التاريخي في كولومبيا يحمل دروسًا لسوريا‎

اتفاق السلام التاريخي في كولومبيا يحمل دروسًا لسوريا‎

المصدر: شوقي عبدالعزيز - إرم نيوز

اعتبرت صحيفة ”الغارديان“ البريطانية أن اتفاق السلام التاريخي في كولومبيا، بعد 52 عامًا من القتال، والذي سيدخل اليوم الاثنين حيّز التنفيذ، يحمل دروسًا لسوريا والسوريين، في ظل التشابه بين التجربتين، بما يبعث بصيص أمل محتمل لانتهاء القتال الدائر هناك.

وأوردت الصحيفة نقلًا عن الرئيس الكولومبي السابق سيزار جافيريا، إن صنع السلام بين فصائل متعددة هو مثل لعبة الشطرنج ثلاثية الأبعاد، ”وهذه حقيقة لا يجب أن يغفل عنها أولئك الذين يحاولون إحلال السلام في سوريا، لأنه من الضروري تقليص وتفكيك التعقيدات“.

وأشارت ”الغارديان“، إلى أن هذا ما فعلته تجربة كولومبيا بالفعل تدريجيًا، خلال أكثر من 30 عامًا، منوّهة إلى وجود العديد من الجماعات المسلحة داخل كولومبيا خلاف حركة التمرد اليسارية ”فارك“.

ورأت، أن بدء الحرب أسهل بكثير من وقفها، خصوصًا إذا استمرت لفترة طويلة، ما يجعل معها التوصل إلى سلام، حلمًا بعيد المنال.

وأضافت، أن كلاً من حركة فارك والحكومة الكولومبية، أدركتا في النهاية أن أيًا منهما لن يفوز في الصراع القائم بينهما، وهذا يعني أنه يجب تقديم تنازلات والجلوس على طاولة المفاوضات.

وقالت الصحيفة، إن الكولومبيين أظهروا للعالم هذا الأسبوع أنه من الممكن تحقيق السلام، حيث توصلت الحكومة الكولومبية والمتمردون اليساريون، أو ما يطلق عليهم القوات المسلحة الثورية الكولومبية ”فارك“، بعد 52 عامًا من القتال، إلى اتفاق لإنهاء الحرب القائمة بينهما.

ومن المقرر، دخول وقف إطلاق النار بين الطرفين، حيّز التنفيذ اليوم الاثنين، بعد عقود من القتال الذي أسفر عن مقتل 220 ألف شخص – معظمهم من غير المقاتلين – وتشريد أكثر من 6 ملايين داخليًا وهناك عشرات الآلاف في عداد المفقودين.

ونوّهت الصحيفة، إلى فشل المحاولات السابقة للوصول إلى هذه اللحظة التاريخية في كولومبيا، متسائلة عن كيفية وصولهم إليها هذه المرة، وما هي الدروس المستفادة منها بالنسبة لسوريا والدول الأخرى التي تعاني من الصراعات؟.

وجود طرف له اليد العليا

في فترة التسعينات، ومع تدفق عائدات تجارة المخدرات المزدهرة في كولومبيا، تمكنت حركة فارك من التغلب على الجيش الكولومبي.

وبدا أن المتمردين، الذين بلغ عددهم حوالي 18 ألف عنصر، قد كسبوا الحرب، وفي تلك الأثناء كانت حركة فارك وحكومة الرئيس أندريس باسترانا تجري محادثات سلام بدأت العام 1999، والتي لم تحرز أي تقدم يذكر ثم انهارت أخيرًا في العام 2002.

وفي ذلك الوقت، أصبح الجيش الكولومبي، واحداً من أكبر المستفيدين من المساعدات العسكرية الأمريكية، حيث تم تجهيزه بطائرات هليكوبتر جديدة وبالجنود المدربين تدريبًا جيدًا، ووسائل جديدة لجمع المعلومات الاستخبارية، بما مكّنه من ترجيح كفة الميزان لصالحه.

وفي حلول منتصف العقد الماضي، وفي ظل الحملة العسكرية الشرسة التي أمر بها الرئيس ألفارو أوريبي في ذلك الحين، تمكن الجيش من هزيمة المتمردين الذين فروا إلى الأدغال والجبال النائية وانسحب الآلاف من أعضاء الحركة.

 وتمكن الجيش للمرة الأولى على الإطلاق في هذه الحرب من استهداف وقتل كبار قادة ”فارك“.

وفي هذا الصدد، تعكس تجربة كولومبيا ما حدث في الحرب الدموية في البوسنة، التي استمرت لمدة ثلاث سنوات إلى أن تدخل حلف شمال الأطلسي في العام 1995، ودعم القوات الصربية وجعلها قادرة على ضمان التوصل للسلام.

القيادة هي المفتاح

في الحروب الطويلة مثلما هو الحال في كولومبيا، ربما يستغرق الأمر أجيالًا للعثور على قادة لديهم التزام حقيقي، بالتوصل إلى حلول عن طريق التفاوض.

وقد توفي مؤسس حركة فارك مانويل مارولاندا وفاة هادئة، في أحد معسكرات المتمردين العام 2008 عن عمر ناهز 78 سنة، حيث تولى قيادة هذه الحركة المتمردة منذ تأسيسها في العام 1964 في أعقاب هجوم جوي عسكري على منطقة ريفية، وبعد وفاته تولى قيادة حركة فارك جيل جديد منهم الفونسو كانو الذي بدأ محادثات سرية مع الرئيس خوان مانويل سانتوس في العام 2011.

ولكن بعد مصرعه في هجوم استهدف معسكره في وقت لاحق من ذلك العام قرر القائد الجديد للحركة رودريجو لوندونو، المعروف أيضًا باسم تيموشينكو، مواصلة استكشاف إمكانية الدخول في عملية سلام.

وعلى الجانب الحكومي، تم انتخاب الرئيس سانتوس في العام 2010 لخلافة الرئيس أوريبي الذي تكبدت حركة فارك خسائر فادحة في ظل رئاسته التي استمرت لفترتين متتاليتين، وباعتباره وزير الدفاع في حكومة أوريبي، فقد أشرف سانتوس على تنفيذ العديد من تلك العمليات ضد الحركة، وكان من المتوقع أن يسير على نفس السياسات، ولكنه بدلاً من ذلك وإدراكًا منه بوجود فرصة لإنهاء ما بدأه، فقد أقنع قادة ”فارك“ بإمكانية بدء محادثات للسلام.

الحافز

أدركت كل من حركة فارك والحكومة، أن أيًّا من الجانبين لن يفوز في هذا الصراع وهذا يعني أنه يجب عليهما تقديم تنازلات على طاولة المفاوضات.

وتوقفت حركة فارك الماركسية عن طلبها بالإصلاح الزراعي الشامل ووافقت الحركة على قطع جميع صلاتها بتهريب المخدرات التي قدمت لها مئات الملايين من الدولارات.

ومقابل ذلك، وافقت الحكومة على مشاركة فارك في السلطة السياسية من خلال ضمان شغل  10 مقاعد في الكونغرس في العام 2018 حتى لو لم يحصل حزبها السياسي، الذي سوف تؤسسه، على عدد الأصوات الكافية في الانتخابات التشريعية التي ستجري في ذلك العام.

وسوف يتم إعفاء قادة فارك، حتى أولئك الذين قاموا بعمليات خطف وهجمات عشوائية على المدنيين وبالتجنيد القسري للقاصرين، من عقوبة السجن في حال اعترافهم بجرائمهم وسوف ينالون ”عقوبات بديلة“ مثل قضاء فترة طويلة في خدمة المجتمع.

التوقيت

تراجعت قابلية الاستمرار في الصراعات المسلحة، في جميع أنحاء أمريكا اللاتينية، حتى في معاقل الحركات المتمردة، وقبل عقد من الزمان تولى الزعماء اليساريون السلطة في جميع أنحاء المنطقة، حيث أصبح مقاتلون يساريون سابقون، في كل من البرازيل وأوروغواي، رؤساء للبلاد من خلال صناديق الاقتراع.

وأصبح هوغو شافيز، الذي بدأ حياته بما يسمى ”الثورة البوليفارية“ ذات النمط الاشتراكي، رئيساً لدولة فنزويلا. وقد أعطت هذه الإشارات المرجعية الإقليمية الثقة لدى حركة فارك.

لكن عملية المد والجزر الإقليمية، تغيرت منذ ذلك الحين، حيث تواجه رئيسة البرازيل ديلما روسيف مصير الإقالة من منصبها، وفي فنزويلا ساءت حالة البلاد في عهد نيكولاس مادورو، خليفة شافيز، والذي عاني من مرض السرطان لمدة ثلاث سنوات قبل وفاته، وتعتبر هذه الفترة من أصعب الفترات على كل من اليسار والثوار.

تغير المزاج العام

تشهد المجتمعات حراكًا دائمًا ولا تجمد في مكانها، والتغيير يؤدي تدريجيًا إلى نقطة تحول يبدو بعدها استمرار النظام القديم غير منطقي وغير مناسب.

التناقضات والعداوات التي شهدتها الثلاثون عامًا الماضية لم يعد لها معنى، وهذا الأمر يبدو صحيحًا بصفة خاصة في حالة كولومبيا.

وقد شهدت كولومبيا خلال السنوات الـ 15 الماضية انخفاضًا في مستويات العنف وزيادة الاستثمارات، وبدأ السياح في زيارة البلاد بعد أن أخبرت حملة إعلانية دولية الأجانب في كولومبيا أن ”الخطر الوحيد هو الرغبة في البقاء“.

وبدأ نجوم كرة القدم مثل جيمس رودريغيز والمغنية شاكيرا والممثلة صوفيا فيرغارا يحلون محل تاجر المخدرات بابلو اسكوبار كواجهة للبلاد.

وللمرة الأولى منذ عقود الكولومبيين، بدأ المواطنون في كولومبيا يشعرون بالرضا عن أنفسهم وعن بلادهم، وأصبحت الحرب شيئًا من الماضي.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com