‫عرب أفغانستان.. الموت من أجل لاشيء في جبال هندوكوش‬‎

‫عرب أفغانستان.. الموت من أجل لاشيء في جبال هندوكوش‬‎

المصدر: شوقي عبدالعزيز – إرم نيوز

سلطت صحيفة ”هافينغتون بوست“ الأمريكية، في تقرير لها، الضوء على حقيقة الواقع المؤلم الذي استيقظ عليه المقاتلون العرب الذين ارتحلوا إلى أفغانستان للقتال في صفوف جماعة ”طالبان“ والذين ظنوا أنهم يقدمون مهمة جليلة للشعب الأفغاني بتحريره من القوى الاحتلالية أو الأنظمة القمعية.

وذكرت الصحيفة أن المقاتلين العرب في أفغانستان كانوا يعتقدون أن قتالهم في صفوف ”طالبان“ نوع من المهام المقدسة، إلا أنهم وجدوا أنفسهم مؤخراً أدوات في لعبة كبيرة من الصراعات الحزبية التي كانت غريبة تماماً عليهم.

وتناول التقرير مقالاً للكاتب يحيى غانم جاء فيه: ”في خريف العام 1997 كان البرد غير عادي في وادي ”بانشير“ بأفغانستان، الذي يبعد 150 كم إلى الشمال من العاصمة كابول، وكان هناك شعور كما لو أن جبال ”هندو كوش“ القريبة تستعد لهبوب رياح عاتية“.

وأضاف غانم: ”كنت موجوداً على جزيرة صغيرة بوسط نهر ”بانشير“، والتي كنت قد ذهبت إليها من خلال القائد الأسطوري للتحالف الشمالي أحمد شاه مسعود، للحديث مع أسرى من الشباب العرب الذين تم إلقاء القبض عليهم أثناء قتالهم مع طالبان ، وأردت أن أعرف كيف جاءوا لأفغانستان، سواء فيما يتعلق بمن جنّدوهم أو كيفية وصولهم إلى هنا“.

وتابع كاتب المقال: ”لقد تحدث بعض الأسرى بحرية تامة فيما رفض آخرون التحدث على الإطلاق، وكان من بين الموضوعات التي تحدثوا عنها موضوع متكرر، وهو أنهم تصوروا أنهم يعملون من أجل تحرير أفغانستان، وهذا شيء حرموا منه في بلدانهم، ولكنهم اكتشفوا أنه كان مجرد سراب، مؤكدين أن ما كانوا يعتقدون أنه نوع من المهام المقدسة جعلهم أدوات في لعبة كبيرة من المشاكل الحزبية التي كانت غريبة تماماً عليهم.

وذكر تقرير الصحيفة، نقلاً عن كاتب المقال، أن ”المقاتلين العرب لجأوا لطرق تقليدية للوصول إلى أفغانستان خلال فترة الثمانينيات، بالقدوم عبر عدة دول وصولاً إلى بيشاور في باكستان، ولكن بينما كنت أتحدث مع هؤلاء الأسرى من الشباب العرب أصبت بصدمة عندما علمت أن تركيا أصبحت مركزاً رئيساً يتم من خلاله انتقال هؤلاء المقاتلين العرب، وكان ذلك أمراً مفاجئاً لأن الجيش العلماني كان يسيطر هذا البلد بقوة في ذلك الوقت.

المال والجنة.. عرض لا يقاوم

ونقل الكاتب عن أسير مصري، يبلغ من العمر 19 عاماً، قوله: ”لقد أصبحت الحياة صعبة للغاية في مصر، وتوفر عائلتي بالكاد الحاجات الضرورية لي، وذلك دفعني لترك المدرسة الثانوية، وكان من الصعب للغاية الحصول على عمل يساعدني، ناهيك عن العثور على عمل يكفي لمساعدة والدي“.

وتابع: ”ذات يوم اقترب مني شخص ما عن طريق أحد أصدقائي وبدأ يتحدث معي عن كسب كل من الدنيا والآخرة، وهذا يعني الحصول على بعض المال من أجل حياة أفضل على الأرض وفي حال موتي أثناء القتال أكون ضمنت الجنة، لقد كان عرضاً لا يقاوم وانتهى بي الأمر أن أصبحت مقاتلاً، وبعد فترة قصيرة أصبحت أسيراً“.

ويؤكد غانم أن هناك الكثير مثل ذلك الأسير المصري، وكان الدافع الرئيس عندهم للقتال في أرض أجنبية هو الحرمان الاجتماعي والاقتصادي الذي عانوا منه في بلادهم، ولكن العروض المقدمة إليهم كانت مغلفة بعبارات دينية مثل الوعد بالجنة، وكان هناك آخرون دافعهم كان سياسياً بحتاً.

وقال أحد الأسرى، واسمه عبد الرحمن، فيما كان يتجمع حوله آخرون موافقين على رأيه: ”منذ أن جئنا إلى هذه الحياة ونحن نرى أن أهلنا يتعرضون للمهانة والقمع والظلم طوال الوقت، وعلمنا أيضاً أن آباءهم وأجدادهم كانوا يعانون أيضاً“.

ومضى قائلاً: ”قررنا أنه ينبغي التحرك والصراخ، وعندما رفعنا أصواتنا تعرضنا للقسوة والإذلال والإهانة، والبعض حكم عليه بالسجن على الرغم من أنهم مازالوا أطفالاً من الناحية القانونية“.

وأضاف: ”لذلك قررنا أن نخوض طريقنا إلى الحرية بعيداً عن بلادنا التي يحكمها طغاة لا يرحمون، ولولا الأسر لتمكنا من فعل ذلك مرة أخرى“.

مناشدة إسماعيل.. لا تنساني

ويتابع كاتب المقال: ”لقد قضيت اليوم كله أتنقل من مجموعة إلى أخرى، وأجلس مع بعض الأسرى من الشباب العرب الذين لم ينطقوا مع بعضهم بكلمة واحدة، في حين بدى آخرون غير قادرين على التوقف عن الكلام، وبكى كثير منهم كالأطفال“.

وقال بعض أولئك الأسرى، وفقاً للتقرير، إنهم يريدون العودة إلى ديارهم، ولكنهم كانوا خائفين من إعادتهم إلى السجون في بلادهم، وتحدث بعضهم عن التعذيب الذي تعرضوا له بالفعل في تلك الأماكن.

وأوضح البعض لي، والكلام ليحيى غانم في مقاله، أنهم جاءوا إلى هنا للقتال من أجل العدالة واستعادة حريتهم وكرامتهم، ”وبينما كنت على وشك ركوب القارب للعودة إلى الشاطئ أسرع إليّ إسماعيل، وهو مصري يبلغ من العمر 17 عاماً، وكنت تحدثت معه في البداية على الجزيرة، وأمسك بيدي وتوسل إليّ ألا أنساه وناشدني أن أطلب من مسعود إطلاق سراحه.

وكان تركه هناك شعور لا يطاق، ولكن كل ما كان يمكنني القيام به أن وعدته أنني لن أحاول إطلاق سراحه فقط، ولكن جميع من هم على الجزيرة معه.

العديد من المحتجزين

ويستطرد غانم قائلاً: ”دعاني مسعود لتناول العشاء في ذلك المساء، وكانت الساعة الثامنة مساء عندما وصلت إلى منزله، وتناولنا الطعام معاً، وبعد ذلك بدأ الحديث الذي كنت أنتظره منذ الليلة السابقة، وعندما سألته في البداية عن الأسرى الإيرانيين من طالبان الذين التقيت بهم أثناء تقديمي تقارير صحفية من ذلك الجانب من الصراع، قال مسعود: ”أعتقد أنك تعرف الآن لماذا لم أرد عن أسئلتك التي طرحتها الليلة الماضية عن المنتمين للحرس الثوري الإيراني الذين سقطوا في الأسر لدى طالبان“.

وأضاف: ”بعد لقائك مع الأسرى من المقاتلين العرب يجب أن تعرف أننا في تحالف الشمال، لسنا الطرف الوحيد الذي يتلقى مساعدات خارجية“.

فأجبته: ”سيدي، هؤلاء العرب ليسوا شيئاً في طريق المقاتلين، من الناحية القانونية هم أطفال ويجب التعامل معهم على هذا النحو.“

فأجاب بلهجة تتسم بالحزم والرأفة: ”كل من يحمل السلاح هو مقاتل، بغض النظر عن عمره، ولكن نظراً لصغر سنهم فنحن نراعي ذلك“.

وناشدته قائلاً: ”سيدي هل تسمح لي أن ألتمس إطلاق سراح هؤلاء الأطفال؟ إن بقاءهم في الأسر لن يخدم أي غرض، وأعتقد أن حركة ”طالبان“ لن تهتم بإطلاق سراح أي من أسرى الحرب التابعين لكم مقابل إطلاق سراح هؤلاء الأطفال العرب“.

وسأل: ”كيف يمكنني إطلاق سراحهم بينما لا تريد حكوماتهم عودتهم مرة أخرى؟ إذا كنت أحتفظ بهم فأنا أفعل ذلك من منطلق الرحمة بهؤلاء الأطفال، لأنهم إذا أعيدوا إلى بلادهم سيذهبون إلى التهلكة، على الأقل يمكنك أن تطمئن إلى أنني لن أضرهم هنا“.

وكنت رأيت بنفسي كيف أن هؤلاء الذين نسميهم ”إرهابيين“ أصبحوا هكذا بسبب الحكام المُستبدين الذين حكموا بلدانهم، وفقاً لغانم، الذي أكمل قائلاً: ”فكرت في حال هؤلاء الأسرى الصغار كثيراً عندما جلست في قفص المتهمين في قاعة المحكمة بالقاهرة، ولا زلت أفكر فيهم وأنا أجلس هنا في المنفى، قصصهم تذكرني بأننا جميعاً سنبقى في قفص الاتهام حتى تصبح الحرية للعالم كله“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com