فورين بوليسي: الولايات المتحدة ستندم لتخليها عن الشرق الأوسط

فورين بوليسي: الولايات المتحدة ستندم لتخليها عن الشرق الأوسط

المصدر: حنين الوعري - إرم نيوز

كشفت الحملات الانتخابية الأخيرة للحزبين الجمهوري والديمقراطي في الولايات المتحدة تراجع الرغبة الأمريكية في السيطرة على مناطق الصراع حول العالم، فيما يبدو أنها رغبة بالتغيير في السياسة الخارجية للحزبين في البلاد.

وأوضحت صحيفة ”فورين بوليسي“ أن حملة الانتخابات الحالية غريبة؛ إذ باتت الفجوة واضحة بين نخبة السياسة الخارجية والناخبين، بإجماع جديد من نوعه عند الحزبين، متمثلا في تخلي الولايات المتحدة عن التدخل في شؤون العالم العربي، بعد عدة عقود من الاهتمام.

وانتقد المرشح الرئيس للحزب الجمهوري، دونالد ترامب، الحرب على العراق ووصفها بالجريمة، كما ندد بحلفاء أمريكا التقليديين، وأغدق بثنائه على بعض القادة العرب المخلوعين مؤخراً مثل: معمر القذافي.

وتؤرق الحرب على العراق الحزب الديمقراطي، فقد وصف مرشح الحزب بيرني ساندرز دعم منافسته هيلاري كلينتون للحرب على العراق باختبار تحكيم فشلت فيه. بينما يعمل ساندرز مدعوماً بالشباب التابعين له على التأثير على الحزب الديمقراطي ليدفعه لتبني سياسة عدم التدخل، ضاغطين من أجل التعاون مع روسيا وإيران على حساب حلفاء أمريكا. 

الإجماع على أولوية الشرق الأوسط

ومنذ الحرب الباردة ومؤسسات السياسة الخارجية تخطط لسياسات بعيدة الأجل، تهدف للحفاظ على احتواء الشرق الأوسط.

وكان النخبة والعامة متحدين وراء هدف الحفاظ على إمكانية الوصول للنفط في الإقليم، وضمان أمن إسرائيل، وتثبيط الطموحات السوفيتية، فكانت الإدارات الأمريكية المتعاقبة تولي أهمية خاصة للشرق الأوسط.

فمنذ عزل بريطانيا عن كونها الممثل الرئيس في الشرق الأوسط، أصبحت الولايات المتحدة مصدرًا للاستقرار في المنطقة، فعملت واشنطن على تمكين النظام العربي المتحفظ، ومنع الجهات المتطرفة من تخريب قواعده.

لكنْ تحولت إسرائيل تحت مظلة حماية الولايات المتحدة من مؤسسة وليدة إلى دولة قوية قادرة على الدفاع عن مصالحها، وعملت على تداول النفط بأسعار معقولة.

وحتى في عصر ما بعد الحرب الباردة، عندما انتهت حاجة الولايات المتحدة للزجر المستمر للإمبراطورية السوفييتية، بقي الشرق الأوسط منطقة متفقا على أهميتها. وكان الاتفاق بين الحزبين سائدًا حول رؤية النزاع العربي الإسرائيلي، واحتواء إيران والعراق، والتعامل مع التهديدات الجديدة للمجموعات المتشددة، وإن كان من خلاف بين الحزبين فحول التكتيكات، لكن ليس على الأهداف العامة.

وفي عام 2003 اتفق الحزبان على ضرورة غزو العراق والتخلص من أسلحة الدمار الشامل.

أوباما والشرق الأوسط

ومما لا شك فيه أن هجمات 11/9 كان لها أثرٌ في تبني الحزبين للحرب على العراق، لكن الشرق الأوسط كان قاعدة مشتركة لاتفاق الحزبين منذ وقت طويل. 

لكن الحرب على العراق وتداعياته الكبيرة أدت إلى تحطيم السياسة الأمريكية التقليدية؛ فكانت فترة ولاية باراك أوباما عبارة عن ردة فعل لمحاولة أمريكا زرع بذور الحكم الديمقراطي في العراق. 

ويبدو أن أوباما تسرع في تعلمه دروسًا من الحرب، فنادى بالانسحاب السريع من العراق، ووضع خطوطًا حمراء في سوريا دون فرضها، وشن حربًا باستخدام الطائرات من دون طيار على الإرهاب دون الأخذ بعين الاعتبار الأسباب المؤدية للتطرف. 

وألقت النخبة السياسية اللوم على إدارة أوباما، الجمهوريون بشكل واضح وصريح، والديمقراطيون بشكل غير مباشر، لكن بالنتيجة عزز ذلك ازدراء الرئيس المنتهية ولايته لما وصفه بـ“كتاب واشنطن لقواعد اللعبة“.

بالرغم مما سبق فإن سنوات ولاية أوباما المثيرة للجدل تخفي حقيقة أن تردده حصل على قدر من الدعم الشعبي، فكشفت الحملات الانتخابية الرئيسة الحالية في كلا الحزبين أن العامة ليسوا فقط فاقدين للثقة في النخبة ومؤسساتهم، بل مشككين -أيضًا- في ضرورة تحمل الولايات المتحدة لأعباء الشرق الأوسط.

السياسة الجديدة في الشرق الأوسط

وأشارت الصحيفة في تحليلها أن كلا الحزبين يمتنعان عن الاعتراف بإعادة تقييمه لمسلماته التقليدية، في حين سيتحدث المرشحون النهائيون من كلا الحزبين عن تدمير تنظيم داعش، ودعم إسرائيل، والحفاظ على نظام التحالف المضروب في الشرق الأوسط.

وسيجمع المرشحان بين تصريحاتهم الجريئة، وتوعدهم بعدم نشر أي قوات في المنطقة، وسيتجاهلون أن الحرب الأهلية السورية لن تنتهي وكذلك لن يهزم تنظيم ”داعش“، دون نشر العديد من القوات الأمريكية في المنطقة.

فالطائرات من دون طيار والطائرات التقليدية لا تستطيع التخفيف من الكارثة الإنسانية في سوريا، أو حتى استعادة أجزاء من العراق وقعت تحت سيطرة التنظيم.

وتتجه أحزاب الأمة المتثاقلة من الحرب، ومن أمراض العالم العربي صوب توافق على نحو مختلف، ففي الأسابيع القليلة القادمة، سيتبع رأي النخبة الرأي العام بالنفور من أي مشاركة أكبر في المنطقة. 

وتصف الصحيفة الوضع في المنطقة بالمأساة التي تتمثل باختيار الولايات المتحدة للامبالاة في الفترة التي تشهد فيه أحد أعنف التحولات في تاريخها. 

فنظام الدول العربية الناشئ في القرن العشرين ينهار، وتعمل المجموعات المتطرفة العابرة للقارات على فرض سيطرتها الروحية، والانتقال لاحتلال المناطق غير المحكومة، وتجتاح الحرب الأهلية الطائفية المنطقة ذات الحكومات المنهارة بازدياد.

وتعتقد الصحيفة أنه لن يترك أي رئيس أمريكي الشرق الأوسط على الإطلاق، فقد ولى الزمن الذي كانت تحاول فيه واشنطن تخفيف صراعات المنطقة. ومن المرجح أن يعيد الزمن نفسه. فمتلازمة العراق تماماً مثل سلفها الفيتنامي المرهق للولايات المتحدة ”ستنتهي يوماً ما“. 

لكن الشرق الأوسط يقف الآن وحده لأول مرة منذ تاريخ استقلاله أمام صراعاته، وستصبح مخاطر عزله عن السياسة الأمريكية واضحة في نهاية المطاف.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com