سيناريوهات الرد الروسي على تركيا بين العقاب وتعزيز التواجد العسكري

سيناريوهات الرد الروسي على تركيا بين العقاب وتعزيز التواجد العسكري

المصدر: شبكة إرم الإخبارية – ربيع يحيى

يستبعد مراقبون ألا تكون موسكو قد وضعت في الحسبان، خلال وضع خطط العمليات العسكرية في سوريا، أن تقدم تركيا أو دولة أخرى في المنطقة على عمل يستهدف قواتها هناك.

ويقولون إن إرسال قوات عسكرية للعمل خارج الحدود الروسية تطلب حتما وضع سيناريوهات عديدة، من بينها احتمال قيام دول ومنظمات ترفض التدخل الروسي في سوريا، بمحاولة استهداف قواتها، ولا سيما مع تحول سماء وأرض الأخيرة إلى ساحة لعمل العديد من التنظيمات المسلحة، فضلا عن أسلحة الجو التابعة لعدد من الدول.

حرب روايات

وتركز الرواية التركية منذ واقعة إسقاط المقاتلة (SU- 24) الروسية أمس الثلاثاء على فرضية توجيه تحذيرات عديدة لقائد المقاتلة، دون أن تجد استجابة، ما أجبرها على استهداف المقاتلة وإسقاطها، مؤكدة أنها ماضية في حماية مجالها الجوي من أي محاولة تسلل.

فيما تؤكد موسكو أن استهداف المقاتلة كان بينما مازالت خارج المجال الجوي التركي، أو أنها لم تمر به سوى لثوان معدودة قبل إسقاطها على مسافة 4 كيلومترات من الحدود التركية، أو أن أبراج المراقبة التركية لم تجري اتصالات أساسا.

ووسط الروايات المتبادلة تلك، والتي قد يُبني عليها أيضا في الفترة القادمة، حال لم يرغب الطرفان بالتصعيد، يمكن افتراض أن الاستجابة الروسية السريعة لإدارة الأزمة، وإعلانها عن خطوات عقابية محددة ضد أنقرة، ربما يرجح الرواية التي تتحدث عن تحسب الجانب الروسي لخطوات تركية عدائية بشكل مسبق.

وبنفس الوتيرة، يمكن الإشارة إلى أن الجانب التركي كان أيضا ينتظر أي خطوة روسية يمكن تفسيرها من زاوية انتهاك السيادة، ليثبت أنه قادر على حماية هذه السيادة، بغض النظر عن النتائج المحتملة، والتي قد تكلفه ثمنا باهظا على الصعيد الاقتصادي في المقام الأول.

ردود فعل معدة مسبقاً

وفي حال البناء على فرضية تحسب موسكو لعمليات معادية من الجانب التركي أو غيره، قبل واقعة إسقاط المقاتلة، وتحديدها لخطوط حمراء لن تسمح بتجاوزها، فإن أنقرة تخطت جميع تلك الخطوط، وبدأت ما تحسبت له موسكو من أعمال عدائية من الذروة، حين أسقطت مقاتلة روسية، في واقعة نادرة لم يُسمع عن تورط دولة تمتلك عضوية (الناتو) في واقعة مماثلة.

وتمثلت ردود الفعل الروسية السريعة في عدد من الإجراءات السياسية والعسكرية والاقتصادية، وفي حال مضت في تلك الخطوات، وأصر الجانبان على التصعيد، يمكن القول إن الخاسر الأكبر من وراء التصعيد سيكون الجانب التركي في المقام الاول، ولا سيما في ظل تبعيته للجانب الروسي، على الأقل فيما يتعلق بملف الغاز الطبيعي.

أوراق ضغط روسية

عسكريا، أعلنت هيئة أركان القوات المسلحة الروسية قطع جميع اتصالاتها العسكرية مع أنقرة، لكن تلك الخطوة التي تنضم إلى خطوات روسية سياسية واقتصادية، لم تأتي منفردة، ولكنها تزامنت وإعلان هيئة الأركان الروسية أن الطائرات القاذفة ستنفذ جميع طلعاتها تحت حماية المقاتلات.

وفضلا عن ذلك، يجري الحديث عن إجراءات لتعزيز الدفاعات الجوية، من بينها تمركز طراد الصواريخ الروسي العملاق “موسكو” المزود بمنظومة صواريخ مضادة للطائرات، تعادل منظمة (S-300) قبالة اللاذقية، مؤكدة أن “جميع الأهداف التي ستمثل خطرا محتملا سيتم تدميرها”، في إشارة إلى أن دخول المقاتلات التركية في مرمى تلك المنظومة سيعني أن المقاتلة القادمة التي ستسقط ستكون تركية وبصاروخ روسي.

هجمات سيبرانية

وتمتلك موسكو العديد من أوراق الضغط الأخرى والقدرة على توجيه رد انتقامي علني أو خلف الكواليس، وهو ما يدفع بعض المراقبين إلى انتظار إمكانية أن تشهد الفترة القادمة هجمات سيبرانية روسية، قد تصيب أنقرة بالشلل على العديد من الأصعدة، لو وضع في الاعتبار أن هجمات من هذا النوع كانت السلاح الروسي الأول حين احتدمت الخلافات بينها وبين كل من جورجيا وإستونيا قبل سنوات.

ففي نيسان/ أبريل 2007 تعرضت الشبكات الحكومية في إستونيا لهجوم سيبراني، تسبب في حجب الخدمة، في أعقاب النزاع مع روسيا حول إزالة نصب تذكاري للحرب. فيما شهد شهر آب/ أغسطس 2008 اختراق شبكات الكمبيوتر في جورجيا، خلال فترة الصراع القصير مع روسيا، وبالتزامن مع العمليات العسكرية الروسية، ما تسبب في ضغوط سياسية على الحكومة الجورجية، فيما تردد وقتها أن الهجمات السيبرانية الروسية أصبحت تكتيكا ثابتا يصاحب العمليات العسكرية أو الخطوات العقابية.

تبعية تركية للغاز الروسي

وتتعلق ورقة الضغط الأكثر خطورة بملف الغاز الطبيعي، حيث تعتبر روسيا المورد الأول للغاز الطبيعي بالنسبة لتركيا، وتلبي أكثر من نصف احتياجاتها من الغاز، وكان من المفترض أن تصل واردات الغاز الروسي إلى تركيا هذا العام قرابة 30 مليار مترا مكعبا، بعد أن وصلت العام قبل الماضي إلى نحو 27 مليار مترا مكعبا.

ويصل الغاز الروسي إلى تركيا عبر أنبوبين، الأول يسمى “السيل الأزرق” ويمر أسفل البحر الأسود، وينقل 50% من صادرات الغاز الروسي إلى تركيا، والثاني هو خط أنابيب البلقان البري، الذي يمر عبر أوكرانيا ومولدوفا ورومانيا وبلغاريا وصولا إلى تركيا.

ومع ذلك، أكدت وزارة الطاقة الروسية مواصلة تزويد تركيا بالغاز الطبيعي الروسي بحسب الالتزامات التعاقدية، وأشار “أناتولي يانوفسكي” نائب وزير الطاقة الروسي، أمس الثلاثاء، إلى أن إمدادات الغاز الروسي لتركيا مستمرة. فيما يرى المراقبون أن قرارا بشأن إمدادات الغاز الروسي لتركيا لا يمكن اتخاذه بشكل متسرع، أو ردا على واقعة من هذا النوع، إنما يمكن أن يأتي حال تفاقمت الأوضاع.

ضرب السياحة التركية

ومع ذلك، وجهت الإجراءات الروسية الأكثر سرعة إلى قطاع السياحة في تركيا، حين أبلغ اتحاد السياحة الروسي الشركات العاملة في قطاع السياحة، بوقف بيع تذاكر الرحلات السياحية إلى تركيا، فيما أعلنت كبريات شركات السياحية الروسية، إيقاف بيع تذاكر الرحلات السياحية إلى تركيا ابتداءً من يوم أمس، وذلك في أعقاب نداء وزير الخارجية الروسي “سيرجي لافروف” للمواطنين الروس بوقف رحلاتهم إلى تركيا ومغادرتها على الفور.

وتتسبب تلك الخطوة في خسائر مباشرة للاقتصاد التركي، حيث تعد السياحة في تركيا أحد ركائز الاقتصاد، ولا سيما السياحة الروسية (زار تركيا العام الماضي قرابة 4.5 مليون سائحا روسيا).

تعزيز التواجد الروسي

وعدا الخطوات العسكرية والاقتصادية والسياسية، وتتمثل الأخيرة في إلغاء وزير الخارجية الروسي زيارته، والتي كان من المزمع أن يقوم بها اليوم الأربعاء، ليشارك في الاجتماع الخامس لـ (الجنة الروسية – التركية المشتركة للتخطيط الاستراتيجي) في إسطنبول، من المنتظر أن تتسبب واقعة إسقاط المقاتلة في تعزيز التواجد الروسي في المنطقة، بصورة ربما يتبين أنها لم تكن لتتم لولا حادثة من هذا النوع.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع