هل ينجو رئيس كولومبيا من ”ربيع“ الاحتجاجات التي تعصف بأمريكا الجنوبية؟ – إرم نيوز‬‎

هل ينجو رئيس كولومبيا من ”ربيع“ الاحتجاجات التي تعصف بأمريكا الجنوبية؟

هل ينجو رئيس كولومبيا من ”ربيع“ الاحتجاجات التي تعصف بأمريكا الجنوبية؟

المصدر: أبانوب سامي – إرم نيوز

يتساءل مراقبون للشأن السياسي في أمريكا الجنوبية؛ عن سر تصاعد الاحتجاجات ضد حكومات تلك البلدان؛ خصوصًا بعد أن نجح المحتجون في بوليفيا في إسقاط الرئيس ”إيفو موراليس“، الذي اضطر للاستقالة تحت ضغط الجيش؛ وهو المصير المحدق بنظيره التشيلي ”سيباستيان بينيرا“، الذي قدم تنازلات عديدة لتهدئة المتظاهرين، لكنه ما اصطلح على تسميته بـ“ربيع أمريكا الجنوبية“ ـ أسوة بما ُسمي سابقًا بـ“الربيع العربي“ ـ قد أظل غمائمه الرئيس الكولومبي المحافظ ”إيفان دوكي“.

فقد خرج المتظاهرون إلى الشوارع على مدار الأسابيع الثلاثة الماضية في سلسلة من التجمعات الحاشدة المناهضة للحكومة في كولومبيا، مما أبرزها كأحدث بلد في أمريكا اللاتينية يعاني من اضطرابات.

وفي حين لم تصل الاضطرابات المستمرة بعد إلى حجم الأزمات الأخيرة الأخرى التي تفجرت في المنطقة، مثل بوليفيا وتشيلي، إلا أنها تشكل تحديًا قاسيًا للرئيس المحافظ ”إيفان دوكي“، الذي تعرض لانتقادات في الأشهر الأخيرة بسبب سياساته الاقتصادية والأمنية غير الشعبية.

تصاعد الحراك

وفقًا لصحيفة ”وورلد بوليتكس ريفيو“، بدأت المظاهرات بإضراب عام في 21 نوفمبر، حيث تجمع مئات الآلاف من الناس في مدن في جميع أنحاء كولومبيا للتعبير عن مجموعة متنوعة من المظالم ضد حكومة ”دوكي“، بما في ذلك الفساد المتفشي، والبطالة المتزايدة، والقتل المنهجي للزعماء الاجتماعيين، والإصلاحات المقترحة لنظم الضرائب والمعاشات التقاعدية في البلاد، والتنفيذ البطيء والمتقطع لاتفاق السلام التاريخي في كولومبيا مع ”فارك“ (القوات المسلحة الثورية الكولومبية)، وهي أكبر مجموعة متورطة في حروب العصابات في البلاد.

شارك في الاحتجاجات في ذلك اليوم، وهي الأكبر خلال عقود، شريحة متنوعة من المجتمع الكولومبي، بما في ذلك الطلاب والمدرسين وقادة النقابات والمتقاعدين وأعضاء مجتمعات السكان الأصليين. حيث كانت الاحتجاجات سلمية إلى حد كبير، رغم أن شرطة مكافحة الشغب اشتبكت بشكل متقطع مع المتظاهرين في العاصمة بوجوتا.

وفي اليوم التالي، فرضت الحكومة حظرا للتجول في جميع أنحاء المدينة لأول مرة منذ أكثر من 4 عقود، ولكن هذا الاجراء لم يكن له تأثيرا يُذكر. ومنذ ذلك الحين، لقي 4 أشخاص على الأقل مصرعهم وأصيب مئات آخرون في الاحتجاجات.

وألقى المحللون باللوم في تأجيج الاضطرابات على استجابة ”دوكي“ غير الملائمة، والذي ألقى خطابًا متلفزًا للأمة بعد اليوم الأول من المظاهرات، أعلن فيه ”محادثة وطنية“ مع قادة الإضرابات، ومع ذلك قال أيضًا إنه ”أعطى تعليمات دقيقة جدًا للقوات العامة لضمان السلامة“، مما دفع سكان بوغوتا إلى قرع الأواني في جميع أنحاء المدينة، وهو شكل من أشكال الاحتجاج الشعبي في أمريكا اللاتينية.

وأدت استجابة قوات الامن القاسية على المسيرات إلى تأجيج التوترات، وتم نشر عدد من مقاطع الفيديو على الإنترنت، والتي تظهر شرطة مكافحة الشغب وهي تعتدي على المتظاهرين المسالمين بقنابل الغاز المسيل للدموع.

وفي 25 نوفمبر، توفي متظاهر يبلغ من العمر 18 عامًا يدعى ”ديلان كروز“ متأثرًا بإصابات في الدماغ بعد إصابته في رأسه برصاصة مطاطية أطلقتها شرطة مكافحة الشغب. وبعد وقت قصير من إعلان وفاته، قرع السكان في بوجوتا الاواني احتجاجا مرة أخرى.

ومنذ ذلك الحين، غيرت الحكومة استراتيجيتها، وقللت من نشر قوات الأمن واشتركت في محادثات مع قادة الاحتجاج، ولكن بالنسبة لكثير من الكولومبيين، تظل وفاة ”كروز“ رمزًا لمدى سوء اختيار حكومة دوكي لردها الأول على الأزمة.

تشابه الأزمات

وأشار المراقبون إلى تشابه الاضطرابات الأخيرة في كولومبيا مع ما يحدث في تشيلي، حيث أدى رد الحكومة القاسي على المظاهرات الأولية المناهضة للحكومة إلى تعميق تصميم المحتجين، وفي النهاية، وافق الرئيس التشيلي ”سيباستيان بينيرا“ على إجراء استفتاء لتغيير دستور البلاد، وهو تنازل كبير من جانبه أمام ضغط المتظاهرين، وإذا كان موقف تشيلي يقدم مثالاً على الطريقة التي يجب تجنبها أثناء إدارة الأزمة، فمن الواضح أن ”دوكي“ لم يكن منتبها.

وأثرت سلسلة من الأخطاء الأخرى على سمعة الحكومة، وانتشرت عمليات قتل السكان الأصليين في منطقة كاوكا الجنوبية الغربية في الأشهر الأخيرة، ويلقي المتظاهرون باللوم على حكومة دوكي لعدم بذلها ما يكفي لحمايتهم.

وفي الشهر الماضي، استقال وزير الدفاع ”غييرمو بوتيرو“ وسط مزاعم بأنه حجب معلومات عن غارة استهدفت عصابة كانت تابعة لفارك في السابق، والتي أسفرت عن مقتل 8 أطفال. وبعد العملية العسكرية مباشرة، أشاد دوكي بالعملية ونجاحها، قائلًا إنها كانت ”استراتيجية، دقيقة، لا تشوبها شائبة ودقيقة“.

أخطاء بالجملة

وتسببت هذه الحوادث، واستجابة ”دوكي“ الفاشلة للاحتجاجات، في انخفاض شعبيته، إذ أظهر استطلاع حديث للرأي أن 24٪ فقط من الكولومبيين يوافقون على الحكومة، بينما لا يوافق 70% عليها.

فمن ناحية، تمثل الاحتجاجات الأخيرة تحديًا مباشرًا لسياسات دوكي التي لا تحظى بشعبية، كما تعد بمثابة رمزًا لتحول مهم للأجيال في البلاد، فلعقود من الزمان هيمن النزاع ضد القوات المسلحة الثورية الكولومبية ومجموعات العصابات على المناقشات السياسية في كولومبيا.

وبدأ ذلك يتغير في عام 2012، عندما أعلن الرئيس آنذاك ”خوان مانويل سانتوس“، عن بدء عملية السلام التي انتهت بالاتفاق مع القوات المسلحة الثورية لكولومبيا في عام 2016. ونتيجة لذلك، لا يتذكر العديد من الشباب الكولومبي النزاع المسلح الذي شوه البلاد منذ عقود.

 فبدلًا من تعرضهم للمطاردات وقلقهم من عمليات الاختطاف وتفجير السيارات والعمليات العسكرية التي كانت تحدث في السابق، أصبح لدى الكولومبيين الآن مساحة لمناقشة قضايا مهملة منذ فترة طويلة مثل الفساد وميزانيات التعليم والتنفيذ المتقن لاتفاق السلام.

ويبدو أن حكومة دوكي لم تول اهتمامًا كافيًا لهذا التغيير في الأساليب، حيث لا يزال خطابها يركز على مكافحة الجريمة وتعزيز القانون والنظام.

وقام أنصار الحكومة بتصوير المتظاهرين على أنهم مخربين أو مقاتلين يسعون للإطاحة بالحكومة، كما أنهم في بعض الحالات، وصفوا الكولومبيين الذين خرجوا للاحتجاج في الشوارع بأنهم ”عملاء لمؤامرة تقودها فنزويلا“.

الاختبار الصعب

وحتى الآن، لم تحرز المحادثات الرامية لإنهاء الاحتجاجات سوى القليل من التقدم، إذ قدمت اللجنة التي تمثل المتظاهرين قائمة تضم 13 طلبًا، وهذه اللجنة مؤلفة من قادة النقابات المهنية واتحادات الطلاب.

وفي حين أن هناك مجالًا للتسوية بشأن بعض تلك المطالب، مثل التعديلات على مشروع قانون الإصلاح الضريبي، إلا أنه قد يصعب التوصل إلى حل وسط فيما يتعلق بمطالب أخرى، مثل تفكيك وحدة مكافحة الشغب في الشرطة الوطنية أو التنفيذ الكامل لعملية السلام.

وكان بعض مسؤولي الحكومة يعتقدون أن التظاهرات ستفقد زخمها وتتلاشى بحلول الكريسماس، إلا أن ذلك لم يتحقق، فعلى الرغم من صغر حجمها الملحوظ، إلا أن التظاهرات استمرت هذا الأسبوع، وجذبت مرة أخرى أشخاصًا من خلفيات متنوعة.

وحاليًا، أصبحت الكرة في ملعب الحكومة، حيث يقود الرئيس ”دوكي“ عملية دقيقة تهدف لتحقيق التوازن، تتمثل في التفاوض على حل يرضي قادة الاحتجاج، وفي الوقت نفسه يرضي الفصيل اليميني المتشدد في حزبه، والذي يفضل الخروج من أزمة الاحتجاجات دون تقديم تنازلات كبيرة. لكن دوكي يعي جيدًا أن نجاحه من عدمه في إدارة هذه الأزمة؛ هو من يحدد ملامح مستقبله السياسي.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com