كيف أصبحت جيبوتي حجر الزاوية لمشروع ”الحزام والطريق“ الصيني؟  

كيف أصبحت جيبوتي حجر الزاوية لمشروع ”الحزام والطريق“ الصيني؟  

المصدر: الأناضول

الحزام والطريق“.. هي مبادرة صينية، تعرف أيضًا بـ“طريق الحرير“ للقرن الحادي والعشرين، وتهدف إلى ضخ استثمارات ضخمة لتطوير البنى التحتية للممرات الاقتصادية العالمية، لربط أكثر من 70 بلدًا.

المبادرة أطلقها الرئيس الصيني شي جين بينغ عام 2013، وهي عبارة عن مشروع يهدف إلى إنشاء حزام بري من سكك الحديد والطرق عبر آسيا الوسطى وروسيا، وطريق بحري يسمح للصين بالوصول إلى أفريقيا وأوروبا عبر بحر الصين والمحيط الهندي، بكلفة إجمالية تبلغ تريليون دولار.

وتعد جيبوتي، البلد الواقع في القرن الأفريقي، في قلب مشروع ”الحزام والطريق“، والذي يعزز أهداف بكين التجارية والعسكرية، وسط شكوك غربية حول دوافعه.

ويستعرض تقرير لصحيفة ”ساوث تشاينا مورنينغ بوست“ الصينية، كيف أن جيبوتي، الدولة الأفريقية الصغيرة، أصبحت حجر الزاوية لمشروع بكين ”الحزام والطريق“.

الصحيفة قالت إن المشروع الصيني هو ”إلى حد كبير تجاري بطبيعته، لكنه أيضًا يعكس حاجة الصين لتعزيز وجودها العسكري لحماية مصالحها المتنامية خارج حدودها“.

وتبعًا لما سلف ذكره، تحركت الصين لبناء قاعدة عسكرية في جيبوتي، عام 2017، وهي خطوة رفعت من مكانة البلد الأفريقي، لكنها بالمقابل أثارت بعض المخاوف بشأن القوة العسكرية للصين.

وتعد جيبوتي بوابة قناة السويس التي تمر عبرها 10% من صادرات النفط العالمية، و20% من السلع التجارية، لذا تولي الصين لها أهمية كبرى.

ونقلت الصحيفة الصينية عن تيموثي هيث، كبير محللي أبحاث الدفاع الدولية في مؤسسة ”راند كوربوريشن“ الأمريكية، أن ”العديد من البلدان تريد أن يكون لديها قاعدة في جيبوتي لمراقبة وحماية الملاحة في تلك المنطقة، فمنطقة خليج عدن والبحر الأحمر عبارة عن مساحة مائية حساسة تمر عبرها كميات كبيرة من الشحنات التجارية العالمية“.

وأضاف هيث أن ”جيبوتي تحظى بإقبال عليها من الدول، لأنها تتمتع بإدارة جيدة ومنظمة، كما تتمتع بموقع مثالي، ناهيك عن امتلاكها موانئ جيدة وموقعًا جغرافيًا هامًا“.

 ارتباط قديم

ولطالما كانت جيبوتي مرتبطة بالقوى التقليدية، فقد قامت الولايات المتحدة ببناء قاعدتها العسكرية، معسكر ليمونيه، في جيبوتي منذ ما يقرب من عقدين، حسب الصحيفة ذاتها.

وكذلك العديد من حلفاء الولايات المتحدة، بما في ذلك إيطاليا، وألمانيا، وإسبانيا، وفرنسا، واليابان، لديهم أيضًا وجود عسكري في القرن الأفريقي.

لكن بدأ يُنظر إلى الوضع الراهن هناك على أن فيه تحديًا، بعد أن فتحت دولة غير حليفة للولايات المتحدة؛ وهي الصين، أول قاعدة بحرية في البلد الأفريقي عام 2017، على بعد 12 كم فقط من قاعدة ليمونيه الأمريكية.

وفي هذا الصدد، قال أندرو سكوبيل، العالم السياسي البارز في ”راند كوربوريشن“: “ كانت الولايات المتحدة والقوى الأوروبية الجهات الفاعلة المهيمنة في الشرق الأوسط، إلا أن الصين بدأت تظهر كعنصر آخر فاعل من الناحية الاقتصادية، لكن أيضًا الآن من الناحية الأمنية بشكل تدريجي“.

وأضاف سكوبيل وهو أيضًا أستاذ مساعد بجامعة جورج تاون في واشنطن: ”لاعتبار دولة ما قوة عالمية، ينبغي أن تكون دولة لاعبة في الشرق الأوسط، وبالنسبة للصين، فإنها تولي قاعدتها (في جيبوتي) أهمية كبرى، لأنها موطئ القدم العسكرية الوحيد لها في المنطقة“.

ونقلت الصحيفة الصينية عن مسؤول عسكري أنه لطالما اعتمدت الصين على إرسال سفن إمداد لدعم مصالحها الخارجية، إلا أنها بدأت ترى أن ذلك النمط يحتاج للتغيير.

وقال المفوض السياسي للقاعدة العسكرية الصينية في جيبوتي، لي تشون بانغ، في برنامج بثه التلفزيون الصيني، في 10 نيسان/أبريل الماضي: ”سننتقل بشكل تدريجي من الاعتماد على إرسال سفن إمداد إلى إنشاء قواعد في الخارج“.

وأضاف أن قاعدة بلاده في جيبوتي عززت قدرتها على توفير الدعم الأمني.

يشار إلى أن الصين شاركت في بعثات لحفظ السلام في المنطقة، لكنها سعت أيضًا لإظهار قوتها في محاولة منها للتحقق من نفوذ الغرب مع خدمة مصالحها الخاصة.

وفي هذا الشأن، قال الباحث المشارك في مركز أفريقيا للدراسات الإستراتيجية باول نانتوليا، إن ”القاعدة شهدت بعض الأنشطة غير المرتبطة بحفظ السلام، والتي تُظهر اهتمام الصين بتحسين قدراتها القتالية“.

وأضاف نانتوليا، أن ”قاعدة بكين البحرية في جيبوتي دعمت أنشطة غير متعلقة بحفظ السلام، بما في ذلك زيارة الموانئ في جميع أنحاء القارة وإجراء تدريبات مشتركة على الحرب البحرية والبرية“.

وأعطى نانتوليا مثالًا على ذلك ”التدريبات الاستعراضية التي جرت في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، عندما أجرى الجيش الصيني تمرينات كبيرة بالذخيرة الحية استخدمت فيها المدفعية الثقيلة والقوات البرية والمدرعات القتالية“، في جيبوتي.

وتابع: ”في الشهر نفسه، أجرت مروحيات تابعة للجيش الصيني مناورات تدريبية كبيرة (تحاكي عملية إخلاء) الضحايا من فرقاطة صاروخية موجهة قبالة سواحل جيبوتي، ما يدل على قدرات الصين الجوية والبرية المتطورة في المنطقة“.

 الحد من نفوذ بكين

ومع تنامي الوجود العسكري الصيني في المنطقة، كرّس الغرب جهوده للحد من توسع نفوذ بكين عند بوابة طريق الحرير البحري.

وفي شباط/فبراير الماضي، أصدر المعهد الوطني للدراسات الدفاعية في اليابان تقريرًا بعنوان ”تقرير أمن الصين 2019″، جاء فيه: ”لا تدافع الصين فقط عن فكرة إعادة تنظيم النظام الدولي، بل أيضًا تتخذ خطوات قوية وجدية نحو التحقيق الفعلي لتلك الفكرة“.

وأشار التقرير إلى أن قاعدة الصين في جيبوتي ”سهّلت“ من أنشطتها العسكرية.

وفي الواقع، اليابان والهند وقعتا على اتفاقية دفاع في طوكيو، في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، واتفق الجانبان على إمكانية تبادل قواعدهما العسكرية، وأصولها، ما أتاح للهند استخدام قاعدة اليابان في جيبوتي.

وقال مراقبون إن الاتفاقية قد تزيد الوجود العسكري الهندي في جيبوتي، ما يزيد من تعقيد ديناميكيات القوة في البلد الأفريقي، وبالتالي تحقيق الأهداف البحرية للصين.

وفي هذا الشأن، قال المحلل تيموثي هيث إن ”الهند طورت علاقات تجارية واستثمارية واسعة النطاق مع دول شرق أوسطية مثل السعودية، والإمارات، وعمان، وإيران“.

وأضاف: ”كما تسعى (الهند) لتأمين موارد الطاقة من تلك البلدان، إلى جانب توسيع العلاقات التجارية والاستثمارية ودعم الجالية الهندية في المنطقة“.

ويضيف هيث، كبير محللي أبحاث الدفاع الدولية في راند كوربوريشن، ”بالمقابل، فإن الدولة الوحيدة الصديقة للصين ذات القوة العسكرية القادرة على الانتشار في خليج عدن بطريقة مستدامة ستكون روسيا“.

وتابع: ”لكن موسكو حاليًا سعت فقط إلى لعب دور محدود في المنطقة، ربما لأنها أقل اعتمادًا على الشحن في تلك المنطقة من البلدان الأخرى.“

  أولوية للتجارة

ومع احتمالية تنامي الوجود العسكري للغرب في المستقبل، تعطي الصين أولوية لمساعيها التجارية (على المساعي الأخرى) لتحييد الشكوك الغربية، بينما تواصل تطوير طريق الحرير البحري.

ومؤخرًا ركزت الصين على المشروعات الاقتصادية المحلية، مثل القطار الكهربائي عالي السرعة بين أديس أبابا وجيبوتي، فضلًا عن المنطقة التجارية الدولية الحرة في جيبوتي، ما وفر مساحة للتعاون مع المجتمعات المحلية.

وقال نانتوليا: ”إن تلك المشروعات تبلغ قيمتها حوالي 5 مليارات دولار ، معظمها يأتي من مقرضين مدعومين من الحكومة الصينية ومن القطاع الخاص“.

وأوضح أن ”أنشطة بكين في جيبوتي تعكس مزيجًا من المصالح التجارية والعسكرية… هذا النموذج ”المزدوج“ سمح للحكومة الصينية بالتقليل من الأهمية العسكرية لأنشطتها في جيبوتي“.

أديسوغي أديلاغا، الأستاذ في جامعة ولاية ميشيغان، والباحث في برنامج أفريقيا بمركز ويلسون، لفت إلى أن العديد من الحكومات في أفريقيا غير قلقة بشأن النفوذ الصيني في المنطقة، نظرًا لاحتياجات البنى التحتية الرئيسية.

وأضاف: ”نسمع شكاوى من الغرب أكثر من الحكومات الأفريقية، كما نسمع شكاوى من الشعوب الأفريقية أكثر مما نسمعه من حكوماتهم“.

ويحذّر محللون من أن بكين بحاجة إلى تقديم المزيد من الفوائد العملية للمجتمعات المحلية للحفاظ على مجال نفوذها على المدى الطويل.

ويرى أديلاغا أنه (دون تحقيق فوائد عملية للسكان المحليين)، فإن القاعدة في جيبوتي، تهدف إلى تعزيز الاستقرار الصيني والأمن الغذائي.

وأضاف ”لم تتم بعد رؤية ما إذا كانت تنمية جيبوتي اقتصاديًا واجتماعيًا هي من الأولويات“.

واختتم بالقول: ”السؤال يتمحور حول نوايا الصين، هل تقرض الصين المال أملًا في ألّا يتمكن المدينون من استرداد ديونهم، وبالتالي تسيطر بكين على الأصول الحرجة؟“.

مواد مقترحة