هل تسير الصين على خطى روسيا بالتدخل في الانتخابات الأمريكية المقبلة؟

هل تسير الصين على خطى روسيا بالتدخل في الانتخابات الأمريكية المقبلة؟

المصدر: حنين الوعري - إرم نيوز

نشرت مجلة ”فورين بوليسي“ الأمريكية تقريراً مفصلاً تضمن ما قالت إنه توضيح لتاريخ جمهورية الصين الشعبية وسعيها للتأثير على شؤون الدول الخارجية، وذلك في أعقاب زعم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن الصين ستتدخل في الانتخابات الأمريكية النصفية.

واستهلت المجلة تقريرها بالتأكيد على مفارقة بين رد ترامب على محاولة دول أوروبية الانتقام من تعرفاته الجمركية على بضائعها، ورده على محاولات الصين المماثلة، حين فرض ترامب رسومًا جمركية على الصلب على الاتحاد الأوروبي هذا الربيع، ردَّت بروكسل بما كانت تأمل في أنها ستكون مجموعة من التدابير الانتقامية المؤلمة سياسيًّا.

وذكرت المجلة أن ردود بروكسل تمثلت في فرض تعرفات تستهدف خمور ”بوربون“ التي تصنع في ولاية زعيم الأغلبية بمجلس الشيوخ الأمريكي السيناتور ميتش مكونيل، ودراجات ”هارلي- ديفيدسون“ النارية التي تصنع في ولاية رئيس مجلس النواب بول ريان، في رسائل قوية موجهة لأقوى حلفاء ترامب في ”كابيتول هيل“.

لكن في ذلك الوقت، لم يشتكِ أحد من إدارة ترامب من أن الأوروبيين يتدخلون في العملية السياسية في الولايات المتحدة، بحسب وصف ”فورين بوليسي“.

”الصين يوميًّا“ 

وبيّنت المجلة أنه عندما استجابت الصين لمجموعة التعرفات الجمركية المفروضة عليها من قبل ترامب عن طريق شراء صحيفتها ”الصين يوميًّا“ بضع صفحات إعلانات في صحيفة ”دي موين ريجيستر“ الأمريكية المحلية في ولاية أيوا لتسليط الضوء على المنافع المتبادلة للتجارة بين الولايات المتحدة والصين، افتتحت جبهة جديدة بالكامل في الحرب التجارية.

وأوردت المجلة أنه في حديثه أمام مجلس الأمن الدولي الأسبوع الماضي، اتهم ترامب الصينيين بمحاولة تقويض المرشحين الجمهوريين في انتخابات تشرين الثاني/ نوفمبر النصفية، حيث قال: ”إنهم لا يرغبون بأن أنجح أنا أو نحن، لأني أول رئيس يتحدى الصين في التجارة على الإطلاق“.

وأكدت ”فورين بوليسي“ حقيقة أن ولاية ”آيوا“ هي مكان حساس في حسابات الولايات المتحدة السياسية؛ فهي الولاية التي تضم أول المجالس الانتخابية الرئاسية، وهي مؤشر رئيس في اتجاهات الانتخابات في الغرب الأوسط الأمريكي، وكل هذا في الوقت الذي يخشى فيه ترامب والجمهوريون من خسارة مجلس النواب في الانتخابات النصفية الشهر المقبل.

لكن صحيفة ”الصين يوميًّا“ التي تمولها بكين تشتري مساحات إعلانية في صحف محلية حول العالم منذ سنوات، بحسب المجلة. وهناك القليل من الأدلة الأخرى لدعم مزاعم ترامب حول التدخل في الانتخابات الصينية. واستهجن وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، ببساطة اتهام ترامب وقال: ”نحن لم ولن نتدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة“.

 كما ذكرت المجلة أن مسؤولي البيت الأبيض لم يثبتوا أي نشاط صيني محدد من شأنه أن يرتقي لمستوى التدخل في الانتخابات. وفي بيان لمجلة ”فورين بوليسي“، اتهم متحدث باسم مجلس الأمن القومي الأمريكي أن الحكومة الصينية تقوم باستخدام جميع أشكال الطرق في محاولة لجعلنا نعكس سياساتنا“، بما في ذلك “ استهداف التعرفات الجمركية والانتقام من المزارعين والعاملين في الولايات والمناطق التي صوتت للرئيس دونالد ترامب”.

كما ذكر البيان ”إلى جانب الانتقام التجاري غير المبرر، أن الصين تحاول استغلال ما تعتقد أنه انقسامات بين الإدارة وحكومات الولايات والحكومات المحلية، ومجتمع الأعمال الأمريكي، حول سياساتنا التي تستهدف الصين لسلوكها السيئ المستمر منذ عقود“.

ومع ذلك، لم يقدم مجلس الأمن القومي أي تفاصيل حول الطريقة التي يُزعم فيها أن الحكومة الصينية تحاول استغلال تلك الانقسامات.

انقسامات داخل ادارة ترامب

وتبدو إدارة ترامب منقسمة حول القضية، بحسب تعبير المجلة، حيث ناقضت وزيرة الأمن الداخلي، كرستين نيلسن، رئيسها ترامب نافيةً المخاوف من التدخل الصيني وقالت إنه ”لا يوجد حاليًّا أي مؤشر على أن خصمًا خارجيًّا يعتزم تعطيل بنيتنا الانتخابية“.

وذكرت المجلة أن مسؤولًا استخباراتيًّا أمريكيًّا على دراية بالموضوع وصف روسيا والصين بأنهما ”من بين الفاعلين الأكثر تعقيداً الذين رأيناهم يقومون بعمليات نفوذ. إننا نرى الصين تشارك في عمليات التأثير في جميع أنحاء العالم“.

وأضاف المسؤول أن وكالات الاستخبارات الأمريكية تقوم بتقييم ما إذا كان العملاء الصينيون يستهدفون الانتخابات الأمريكية.

وبيّنت المجلة أن مداخلات صحيفة ”الصين يوميًّا“ لا تمثل سوى جزء صغير فقط من عمليات البروباغندا المتطورة في الصين، والتي تشمل الصحف والقنوات التلفزيونية ذات الانتشار العالمي. في الأسابيع الأخيرة، ضغطت وزارة العدل على هذه المنافذ للتسجيل كوكلاء أجانب.

وذكرت ”فورين بوليسي“ أن مسؤولي الإدارة ألمحوا إلى أنهم سيقدمون أدلة إضافية هذا الأسبوع لدعم مزاعم ترامب. ومن المقرر أن يدلي نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس بملاحظاته حول القضية يوم الخميس، لكن مسؤولي البيت الأبيض رفضوا تقديم تفاصيل عن الخطاب، ولم يرد متحدث باسم بنس على الأسئلة المتعددة حول الموضوع.

مفارقات بين روسيا والصين

ويسلط الجدل الضوء على قضية مهمة على حد قول المجلة، وهي أنه في الوقت الذي تم فيه الامساك بروسيا وهي تتدخل بشكل مباشر في الانتخابات الأمريكية، لم يحدث الأمر نفسه مع الصين. ومع ذلك يحذر الخبراء والباحثون من أن تصريحات ترامب تخاطر بسوء وصف الطرق الحقيقية التي تسعى بها بكين إلى كبح الانتقادات وتعزيز مصالحها السياسية من خلال مجموعة متنوعة من الوسائل المعقدة.

وأكدت المجلة أنه على عكس الحملة الروسية الصارمة والمدمرة في الفترة التي سبقت انتخابات عام 2016 في الولايات المتحدة والتي شهدت محاولة عملاء الكرملين تعزيز ترامب من خلال القيام بحملة منسقة من القرصنة، وتسريب المعلومات، وتعزيز الروايات الخلافية عبر الإنترنت من خلال استخدام شخصيات وهمية على وسائل التواصل الاجتماعية، فإن محاولات الصين لكسب النفوذ والحلفاء في الولايات المتحدة أكثر دهاءً، حيث تعتمد إلى حد كبير على العلاقات الشخصية والتجارية. كما تتخذ الصين منهجاً يتطلع لكسب النفوذ على المدى البعيد خلافاً لنهج روسيا.

هذا النوع من النشاط لا يرقى من بعيد لما وصفه ترامب بـ ”محاولة التدخل“ في انتخابات مقبلة.

وقال أبيجيل غرريس، الباحث المشارك في مركز الأمن الأمريكي الجديد ومسؤول سابق في مجلس الأمن القومي ”هذا تدخل سياسي، وليس تدخلًا في الانتخابات، التمييز بينهما قد يبدو لغويًّا ولكن في البيئة شديدة الحزبية اليوم …الدقة أمر يجب أن نطالب به“.

آلة التأثير الصينية

وجزم تقرير المجلة بأن بكين تعمل على كسب الأصدقاء والقدرة على التأثير في السياسة خارج حدودها، لكن لفهم الكيفية التي يسعى بها الحزب الشيوعي الصيني إلى القيام بذلك في الخارج، يجب أولاً فهم ما عُرف منذ عهد زعيم الحزب الشيوعي الصيني ماو تسي تونغ باسم ”عمل الجبهة المتحدة“.

وتشمل هذه الأنشطة التي تنظَّم بشكل واسع من قبل دائرة عمل الجبهة المتحدة للحزب الشيوعي الصيني، دعم مجموعات الطلاب الأجانب، والجمعيات الثقافية، وعمليات التأثير.

وبحسب التقرير حول الصين الذي أصدرته لجنة المراجعة الاقتصادية الأمنية الأمريكية الصينية التابعة للكونغرس الأمريكي في مطلع هذا العام: ”تعمل دائرة عمل الجبهة المتحدة -من أجل تعزيز السرد العالمي المفضل لدى بكين، والضغط على الأفراد الذين يعيشون في مجتمعات حرة ومفتوحة من أجل الرقابة الذاتية- على تفادي مناقشة القضايا غير المواتية للحزب الشيوعي الصيني، ومضايقة أو تقويض المجموعات المنتقدة لسياسات بكين“.

وقال بيتر ماتيس وهو باحث في مؤسسة التذكير بضحايا الشيوعية أن “ الهدف من عمل الجبهة المتحدة لا يزال كما وصفه ماو ”حشد الأصدقاء لضرب الأعداء“.

وأشارت ”فورين بوليسي“ أنه منذ توليه السيطرة على الحزب الشيوعي الصيني في عام 2012، شدد الرئيس شي جين بينغ مراراً على أهمية عمل الجبهة المتحدة، حيث قام بتحويل التمويل والكوادر إلى الدائرة. وفي عام 2017، ورد أن شي وصف أعمال الجبهة المتحدة بأنها ”سلاح سحري من أجل انتصار قضية الحزب“.

هذه الأدوات، مثل الرحلات الممولة للصحفيين إلى الصين، يمكن أن تبدو غير ضارة إلى حد ما للمتفرج من بعيد، ولكنها تنطوي أيضاً على حشد العرق الصيني الذي يعيش في الخارج، بحسب تأكيد المجلة.

ففي الماضي، أدى هذا إلى انتشار مخاوف من وجود طابور خامس صيني في الولايات المتحدة. وقبل عقدين من الزمن، تحوّلت ادعاءات بأن عالمًا تايوانيًّا أمريكيًّا يعمل في مختبر لوس ألاموس الوطني سرق أسرار نووية أمريكية إلى فضيحة سياسية أثناء إدارة كلينتون.

وبيّنت المجلة الأمريكية أنه تم اثبات أن هذه المزاعم غير صحيحة، وعلى الرغم من أن العديد من العمليات الصينية داخل الولايات المتحدة تستهدف المعارف العلمية والتكنولوجية، يحذر المحللون من أن ردود الولايات المتحدة يجب أن تتجنب وصف جميع ذوي الأصول الصينية بأنهم متعاونون محتملون مع الحزب الشيوعي الصيني.

تدخل سابق في الانتخابات

في مناسبة واحدة على الأقل في السنوات الأخيرة، وصلت أنشطة التأثير الصينية في الخارج إلى مستوى تدخل انتخابي صريح لكن ذلك تم بعيداً عن الولايات المتحدة، بحسب المجلة، ففي العام الماضي، شارك رجل له صلات بمسؤولي الحزب الشيوعي الصيني رسالة عبر الإنترنت تشجع الناخبين من أصول صينية في أستراليا على التصويت ضد الحزب الليبرالي الحاكم في انتخابات فرعية.

وجاء في الرسالة التي وقعها مجموعة من الصينيين الذين يطلقون على أستراليا اسم المنزل : ”من أجل مصالح الشعب الصيني، دعونا نحتشد ونشارك هذه الرسالة ونستخدم صناديق الاقتراع التي تقع تحت سيطرتنا نحن الصينيين للقضاء على هذا الحزب الليبرالي اليميني المتطرف الحاكم“.

وكشفت ”فورين بوليسي“ أنه تمت مشاركة الرسالة على تطبيق ”وي شات“ للرسائل الصيني، من قبل يان زيهاو وهو مواطن أسترالي يملك روابط بدائرة عمل الجبهة المتحدة.

وقال اليكس جوسكي وهو أحد الصحفيين الذين فضحوا يان زيهاو، إن العملية تقدم مثالاً نموذجياً إلى حد ما لعمل الجبهة المتحدة والمتمثل في محاولة حشد ذوي الأصول الصينية في الخارج لدفع أهداف بكين.

توظيف القرصنة

هناك أيضًا أدلة على أن الصين تستخدم كوادرها الضخمة من قراصنة الكمبيوتر لتنفيذ التأثير السياسي في أماكن أخرى من العالم هذا العام، بحسب تأكيد المجلة، ففي وقت سابق من هذا العام، كشفت شركة الأمن الإلكتروني الأمريكية ”فاير آي“ أنها اكتشفت أدلة على اختراق المتسللين الصينيين لأنظمة الكمبيوتر في نظام الانتخابات في كمبوديا. ولم تجد الشركة دليلاً على التلاعب بالأصوات، لكن الهجوم على البنية التحتية الانتخابية يمثل تطوراً جديداً في نشاط القرصنة الصيني والذي كان في الولايات المتحدة مقصورًا في الغالب على سرقة الملكية الفكرية.

وذكرت المجلة أنه على الرغم من أن الأدلة لا تزال بعيدة عن كونها قاطعة، فقد تكون الحكومة الصينية حاولت التأثير على الانتخابات الأمريكية مرة واحدة على الأقل. في التسعينيات، اهتزت إدارة كلينتون بسبب ادعاءات بأنها قبلت تبرعات حملات من مواطنين غير أمريكيين والذي يعد انتهاكًا للقانون الأمريكي.

وكشف تقرير لاحق لمجلس الشيوخ عن ”أدلة ظرفية قوية على أن حكومة جمهورية الصين الشعبية كانت تشارك في تمويل بعض هذه المساهمات الأجنبية أو توجيهها أو تشجيعها“.

ونفت المجلة أن يكون المحققون في مجلس الشيوخ تمكنوا من الوصول إلى إدراك دور الحكومة الصينية، لكن دراسة التقرير للقضية لاحظ أن ”هناك مؤشرات على أن الجهود الصينية المرتبطة بانتخابات عام 1996 قد نُفذت أو نُسّقت، على الأقل جزئياً، من قبل وكالات الاستخبارات في جمهورية الصين الشعبية ”.

من المحتمل أن تكون تلك التجربة بمثابة دعوة للاستيقاظ للمسؤولين الصينيين، قال ماتيس ”لم يعلموا كيفية اللعب على عدة مستويات، وإذا قررت بكين التدخل في الانتخابات الأمريكية، فتوقع نهجًا أكثر دقة في المرة الثانية“.

واختتمت المجلة الأمريكية مقالها بالتحذير من أنه بينما يزداد المناخ بين البلدين سوءًا، يمكن أن تصبح اتهامات ترامب بالتدخل من قبل الصين -والتي تبدو ذات أساس ضعيف الآن- حقيقة واقعة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com